81
موسوعة الحروب الصليبية (5)المغول (التتار )بين الانتشار والإنكسار
الفصل الأول:المشروع المغولي وغزوهم لبلاد المسلمين
المبحث الثالث:إزالة المغول للدولة الخوارزمية:
رابعاً:غزو المغول بلاد ما وراء النهر والعراق العجمي:
2 ـ اجتياح الأقاليم الغربية من الدولة الخوارزمية ووفاة محمد خوارزمشاه:
يبدو أن الضربات التي أنزلها المغول ببعض أجزاء الدولة الخوارزمية، وانتهت بسقوط حصون ومدن أترار وبجند وبنكت وخجندة وبخارى، وغيرها، كان لها تأثير بالغ في نفس علاء الدين محمد خوارزمشاه فعوَّل بعد وصوله إلى سمرقند من بخارى على الرحيل إلى مكان أمين يجير فيه أمره أو يبحث عن إمكانية التصدي لهذا العدو الغاشم، لذا عقد في سمرقند مجلساً ضم وزراءه وكبار قواده للبحث فيما يمكن عمله لمقاومة المغول، وظهر في هذا الاجتماع اتجاهان: أولهما يرى عدم جدوى الدفاع عن بلاد ما وراء النهر، وأن يركز الخوارزميون اهتمامهم على حماية الأقاليم التي تقم غربي جيحون، وثانيها يفضل الإنسحاب جنوباً إلى غزنة ، وقد استصوب خوارزمشاه الرأي الأخير، وتوجه نحو غزنة، وبينما هو سائر إليها قدم عليه وهو بمدينة بلخ وزير ابنه ركن الدين قد وجهه إلى أبيه لينتفع بخبرته في ظاهر الأمر وللتخلص من حكمه واستبداده في الحقيقة، فلما اكتشف الوزير ما يراد به احتال ليرجع إلى العراق العجمي موطنه الأصلي، لذا استغل ثقة علاء الدين محمد خوارزمشاه فيه، وعرض عليه المسير إلى العراق العجمي حيث يجد فيه المال والرجال والدرع الواقي من المغول، فقبل الأمير الخوارزمي مشورته وسار إلى نيسابور إحدى مدن خراسان، غيرأنه لم يقم بها إلا فترة قصيرة، إذ بلغه أن المغول قد عبروا نهر جيحون، وأصبحوا على مقربة منه، وأنهم يجدون في البحث عنه، فلم يكن في وسعه حينئذ إلا أن يغادر نيسابور ويأخذ طريقه شطر العراق العجمي .
وكانت قوات المغول تتعقب علاء الدين محمد خوارزمشاه الذي فر هارباً من سمرقند إلى خراسان، فلما وصلت هذه القوات إلى نيسابور وجدوه قد غادرها فأخذوا يتبعون أثره، واستطاع المغول على مقربة من الري أن يوقعوا بجيش خوارزمشاه الرئيس، الأمر الذي جعل الأمير الخوارزمي يفكر في الالتجاء إلى خليفة بغداد رغم ما بينهما من عداء، فسار حتى نزل ((بمرج دولة آباد)) من أعمال همذان، ووصل معه من جيشه زهاء عشرين ألف فارس، فواجه زحف القوات المغولية ، مما اضطره إلى الاتجاه إلى إقليم مازندرات جنوبي بحر قزوين، ووصل إلى مرسى يعرف ((باب سكون))، يقول النسوي: وظل في إحدى قرى هذا الميناء يصلي بالناس في المسجد وينذر لله لئن كتبت له السلامة وأعيد له ملكه ليقيمن العدل، إلى أن انكشف أمره، وهاجم التتار موضعه، وعندئذ ركب البحر إلى قلعة أمينة في إحدى جرز بحر الخزر ، تدعى جزيرة ((أوغر تشالي))، أو جيركن الحالية، على خلاف في ذلك ، وقد رمى المغول زورقه بالسهام، فلمأ أخطأته تحمس بعضهم فسبح خلفه حرصاً على أخذه فغرقوا، ووصل خوارزمشاه لمأمنه عليلاً، وما لبث أن فارق الحياة في تلك الجزيرة في الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة 617هـ/1220م .
وقد وصف النسوي حالة علاء الدين في أيامه الأخيرة فقال: حدثني غير واحد ممن كانوا مع السلطان في المركب، قالوا: كنا نسوق المركب وبالسلطان من علة ذات الجنب ما أيسه من الحياة، وهو يظهر الاكتئاب ضجيراً ويقول: لم يبق لنا مما ملكناه من الأرض قدر ذراعين نحفر فنقبر، فما الدنيالساكنها بدار لا ركون إليها إلا سوى انخداع واغترار، ما هي إلا رباط يدخل من باب ويخرج من باب، فاعتبروا يا أولى الألباب، وقد وصل علاء الدين أخيراً إلى إحدى الجزر الصغيرة طلباً للأمان، وأقام في إحدى الخيام، على أن الأهالي الذين يقيمون على شاطئ مازندران كانوا يأتونه بما يلزمه من مأكل وما يحتاجه من ضرورات الحياة، وفي نظير ذلك كان السلطان يوصي بإقطاعهم الإقطاعات، ولما إستعاد جلال الدين منكبرتي أملاك أبيه بعد بضعة سنين أقر هذه الإقطاعات لأصحابها، ونلاحظ أن كل من كان معه علامة من علاء الدين كان جلال الدين منكبرتي يقطعه إقطاعاً، ولما أحس علاء الدين أن المرض يشتد عليه يوماً بعد يوم وأن أمه تركان خاتون قد وقعت أسيرة في أيدي المغول، استدعى أبناءه جلال الدين منكبرتي وأزلاغ شاه، وآق شاه، ووكل أمور دولته إلى ابنه جلال الدين، بعد أن أعلن أنه الوحيد الذي يستطيع حماية الدولة الخوارزمية ، ومما قاله لأبنائه، هذه العبارة التي ذكرها النسوي: إن عري السلطنة قد انفصمت والدولة قد وهنت قواعدها، وتهدمت وهذا العدو قد تأكدت أنيابه وتشبثت بالملك أظفاره، وتعلقت أنيابه، وليس يأخذ بثأري منه إلا ولدي منكبرتي، وها أنا موليه العهد، فعليكما بطاعته ، وبعد أن قضى علاء الدين في هذه الجزيرة شهراً، قضى نحبه ودفن فيها، ومما يؤسف له أن أتباعه عجزوا عن إيجاد كفن يكفنونه به حتى أن شمس الدين محمود وكان من المقربين إليه خلع قميصه وكفنه به، ويروى السيوطي أنه كفن بشاش فراش كان معه ،، وقد وصف ابن الوردي حالة السلطان علاء الدين خوارزمشاه في أواخر أيامه فقال:
وفارق المسكين أوطانه
وملكه ممتحناً بالمرض
وكم حوى من جوهر مثمن
فما فدى الجوهر هذا العرض
وقد ذكر النسوي الذي عاصر هذه الحوادث، وخدم في بيوتات الخوارزميين بعض أبيات تصور حال علاء الدين في أيام سطوته الأولى وحاله بعد أن مالت به الأيام أبدع تصوير:
أذل الملوك وصاد القروم
وصير كل عزيز ذليلا
وحف الملوك به خاضعين
وزفوا إليه رعيلا رعيلا
فما تمكن من أمره
وصارت له الأرض إلا قليلا
وأوهمه العز أن الزمان
إذا رامه ارتد عنه كليلا
أتته المنية مغتاظة
وسلت عليه حساما صقيلا
فلم تغن عنه حماة الرجال
ولم يجد قيل عليه فقيلا
كذلك يفعل بالشامتين
ويفنيهم الدهر جيلا فجيلا
وكان هدف المغول القبض على علاء الدين محمد خوارزمشاه، لكنهم لم يستطيعوا تحقيق هذه الأمنية، ومع ذلك فإنهم استولوا على كثير من المدن والبلدان التي صادفتهم وهم يطاردونه، ومن أبرزها ((مازندران)) ذات القلاع التي اشتهرت بمناعتها وحصانتها ولم يلاقوا في الاستيلاء عليها سنة 617هـ/1220م مقاومة تذكر ، كذلك اتجهت بعض القوات المغولية إلى الري فوصلتها على حين غفلة من أهلها، وما لبثت أن استولت عليها وعاشت فيها نهباً وسلباً ، ولم يقم المغول في الري بعد استيلائهم عليه بل مضوا مسرعين في أثر خوارزمشاه ينهبون كل مدينة أو قرية يمرون عليها، ويضعون السيف في رقاب أهلها، ولا يبقون على شئ فيها، فلما وصلوا ظاهر همذان التقى بهم رئيسها يعرض عليهم الصلح، ويقدم إليهم الأموال والثياب والدواب وغير ذلك من الهدايا الثمينة، فوافقوا على منح أهلها الأمن وما رووا عنها إلى زنجان فاكتسحوها، ثم اتجهوا إلى مدينة قزوين فتصدى لهم أهلها وأخذوا يذودون عنها في قتال عنيد انتهى بهزيمتهم ودخولها في حوزة المغول ، ثم اتجه المغول إلى إقليم أذربيجان، وقبل أن يصلوا إلى عاصمة الإقليم مروا بمدينة سنجار فنهبوها وقتلوا كثيراً من أهلها ثم ساروا إلى قوس فامتنع أهلها عنهم، ولم يزالوا يحاصرونها حتى تمكنوا من الاستيلاء عليها ،ولما وصلوا إلى المدينة ((تبريز))صانعهم صاحبها أوزبك بن البهلوان، وقدم لهم كثيراً من الهدايا، متمثلة في المال والثياب والدواب، وأعلن تبعية بلاده لهم ، على أن المغول ما لبثوا أن اضطروا بسبب برد الشتاء القارس إلى الرحيل عن تبريز واتجهوا عبر سهول موقان إلى السواحل الغربية لبحر قزوين طلباً للدفء، وإذ هم يقيمون في هذه السواحل عقد حكام جورجيا معاهدة دفاعية مع أتابكية أذربيجان ومع الملك الأشرف موسى بن الملك العادل صاحب بلاد الجزيرة وخلاط للانقضاض على المغول، وحددوا بدء الهجوم بفصل الربيع، غيرأن المغول فطنوا إلى ما يدبر ضدهم، وعمدوا إلى القيام بهجوم على هذه القرى، فشتتوا شملها، واستولوا على حصون جورجيا وخربوها، كما توغلوا في أراضيها حتى وصلوا إلى حاضرتها ((تفليس)) وكان ذلك في ذي القعدة سنة 617هـ/1220م ، ولما تم للمغول الاستيلاء على إقليم جورجيا عادوا ثانية إلى إقليم أذربيجان الذي انتفض عليهم، وما كادوا يصلون إلى ((تبريز)) حاضرة هذا الاقليم حتى أعلن أهلها الاستسلام، وتعهدوا بدفع جزية كبيرة، ثم اتجهت قوات المغول صوب مراغة إحدى أمهات هذا الإقليم، وكانت تحكمها أميرة اتخذت إحدى القلاع حصناً لها، وشرعت تقاوم هجوم المغول الذين ضربوا على هذه المدينة حصاراً محكماً، استخدموا فيه مجانيقهم، وما لبثت المدينة أن سقطت في أيديهم رابع صفر سنة 618هـ/1221م، يقول ابن الأثير: ووضعوا السيف في أهلها، فقتل منهم ما يخرج عن الحد والإحصاء، ونهبوا كل ما صلح لهم وما لا يصلح لهم أحرقوه ، وكي يتأكد المغول من فناء جميع أهلها أمروا بعض الأسرى المسلمين أن ينادوا في شوارعها بأن المغول قد رحلوا، فلما اطمأن من اختفى من أهلها في الدروب والآجام وخرجوا من مخابئهم قبض المغول عليهم وقتلوهم عن آخرهم ، لقد تعرض شرق الدولة الإسلامية لهذا الغزو المغولي، على هذه الصورة المروعة، ومع ذلك فإن خليفة بغداد الناصر لدين الله لم تبد منه أية محاولة لصده، كما لم يستمع إلى الرسل الذين قدموا إليه من البلاد التي نكبها المغول، وقد حمل موقف الخليفة السلبي من هذه البلاد، وعدم الإسهام في نجدتها بعض المؤرخين على اتهامه بالاتصال بالمغول، وتحريضهم على غزو الدولة الخوارزمية على أن الخليفة الناصر بدأ يشعر بخطر الزحف المغولي عندما رحل المغول عن مدينة مراغة، وقصدوا مدينة إربل، فأثار بعض أمراء المسلمين الخاضعين له، وقد عبر ابن الأثير عما انتاب أهل الموصل من الخوف حين شرع المغول في الزحف على مدينة أربل بقوله: ووصل الخبر إلينا بذلك بالموصل، فخفنا حتى إن بعض الناس هم بالجلاء خوفاً من السيف ، وانزعج الخليفة الناصر حين علم بزحف المغول على مدينة إربل، وكان يلي إمارتها حينئذ مظفر الدين كوكبري من قبل خليفة بغداد، فقد خشي الناصر أن يتجه قواد المغول إلى العراق العربي عن طريق دقوقا بدلاً من إربل، بعد أن يكتشفوا وعورة مسالكها، وصعوبة الوصول إليها، لذا بعث برسل تحمل أوامره إلى كل من مظفر الدين كوكبري صاحب إربل، وبدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، والملك الأشرف موسى صاحب بلاد الجزيرة، يأمرهم بالتوجه إلى مدينة دقوقا في عسكرهم ليصدوا المغول إن هم عدلوا عن إربل إليها، توطئة لاقتحام العراق العربي، فسير بدر الدين بعض فرق جيشه إلى دقوقا، وغادر مظفر الدين إربل في صفر سنة 618هـ1221م مع عساكره وتبعهم جمع كثير من العساكر المتطوعة أما الملك الأشرف فاعتذر عن الحضور بنفسه في عسكره إلى دقوقا بوصول الملك المعظم عيسى بن الملك العادل من دمشق، يستنجده على الفرنج الذين كانوا وقتذاك قد استولوا على دمياط ، ووصلت قوات أمراء إربل والموصل والجزيرة إلى دقوقا حيث سير الخليفة الناصر إليهم جيشاً قوامه ثمانمائة فارس ، بقيادة مملوكه قشتمر، وأسند الخليفة إلى الأمير مظفر الدين كوكبري قيادة القوات الإسلامية ووعده بمده بالعسكر غير أن حكام المسلمين عجزوا عن إعداد القوة اللازمة لمواجهة المغول، ولم يكد يصل إلى المغول نبأ تجمع القوى الإسلامية للقائهم حتى رجعوا القهقرى وهم يحسبون أن عسكر المسلمين يتبعهم، ورحلوا إلى العراق العجمي، أما العسكر الإسلامي فأقام عند دقوقاً فترة تبين له أثناءها أن العدو قد انصرف عنهم، كما أن المدد الموعود به لم يصل إليهم، لذلك تفرقوا، وعاد الجميع إلى بلادهم سنة 618هـ/1221م ، وقضى المغول الفترة التالية متنقلين بين المدن الإسلامية المختلفة في العراق العجمي وأذربيجان وأران وجورجيا مدمرين مخربين ما بقي من مدنها، حاملين ما يستطيعون حمله من خيراتها، ثم عبر القائدان المغوليان المنطقة الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود إلى بلاد القفجاق وروسيا، وسار المغول بقيادة هذين القائدين إلى بلغاريا وأوصلوا الرعب إلى أقصى حدود أوروبا .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق