الأحد، 7 سبتمبر 2014

106 موسوعة الحروب الصليبية (5)المغول (التتار )بين الانتشار والإنكسار الفصل الأول:المشروع المغولي وغزوهم لبلاد المسلمين المبحث الثالث:إزالة المغول للدولة الخوارزمية: خامساً:أسباب زوال الدولة الخوارزمية: 6 ـ ترك الاتحاد والوقوع في ظلم العباد:((غياب العدل))



106


موسوعة الحروب الصليبية (5)المغول (التتار )بين الانتشار والإنكسار

الفصل الأول:المشروع المغولي وغزوهم لبلاد المسلمين

المبحث الثالث:إزالة المغول للدولة الخوارزمية:

خامساً:أسباب زوال الدولة الخوارزمية:

6 ـ ترك الاتحاد والوقوع في ظلم العباد:((غياب العدل))

إذا الفرقة هي طريق الانحطاط، فإن الوحدة هي سبيل الارتقاء وتبوء المكانة الفاضلة بين الأمم والشعوب، وهي الوسيلة لقيادة البشرية إلى الحضارة الربانية الرشيدة، وقد أرشدتنا التعاليم الشرعية إلى وحدة الصف وإتحاد الكلمة والرجوع إلى شرعه وتحكيم الكتاب والسنة فيما بيننا، قال تعالى: "وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب" الشورى ، آية 10، وقال تعالى: "فإن تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" النساء ، آية 59، فقد عطل شرع الله تعالى، وترتب على ذلك الفرقة والتشتت والتشرذم بين ممالك المسلمين، ولم يستطع المسلمون أن يعملوا بقول الله تعالى: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين" الأنفال ، آية ، 46، فجعل الله عز وجل الفشل قريناً للتنازع والمسلمون كانوا في تنازع مستمر، وخلاف دائم، وعندما كانت تحدث بعض فترات الهدنة في الحرب مع التتار كان المسلمون يغيرون على بعضهم، ويأسرون بعضهم، ويقتلون بعضهم، وقد علم يقيناً أن من كانت هذه صفتهم فلا يكتب لهم النصر أبداً، فالمسلمون كانوا ـ في تلك الآونة ـ يهلك بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، فلا عجب أن غلب عليهم جيش المغول أو غيرهم، يقول ابن الأثير: وكان محمد بن خوارزمشاه قد استولى على البلاد وقتل ملوكها وأفناهم وبقي وحده سلطان البلاد جميعها، فلما إنهزم من التتار لم يبق في البلاد من يمنعها ولا من يحميها ، لقد قطع محمد الخوارزمي كل العلاقات بينه وبين من حوله من الأقطار الإسلامية، لم يتعاون معها أبداً، بل على العكس قاتلها الواحدة تلو الأخرى، وكان يقتل ملوك هذه الأقطار ويضمها إلى مملكته، ولا شك أن هذا خلف أحقاداً كبيرة في قلوب سكان هذه البلاد، وهذا ليس من الحكمة في شئ.

انظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يفتح البلاد كان يولي زعماء هذه البلاد عليها ويحفظ لهم مكانتهم ويبقي لهم ملكهم، فيضمن بذلك ولائهم وحب الناس له، فأبقى على حكم البحرين ملكها المنذر بن ساوي ، وأبقى على حكم عمان ملكيها جيفر وعباد، بل وأبقى على اليمن واليها باذان بن سامان الفارسي عندما أسلم وهكذا، وهذا بخلاف ما فعله السلطان علاء الدين محمد الخوارزمي، فقد كان حاكماً بقوته لا يحبه الناس ، فلما احتاج إلى الناس لم يجدهم، ولما احتاج إلى الأعوان افتقر إليهم، ولم تكن الصراعات بين الخلافة العباسية والدولة الخوارزمية فقط، بل قامت الدولة الخوارزمية نفسها على صراعات داخلية، ومكايد كثيرة ومؤامرات عديدة، فلم تتوحد القلوب بهذا البلد، وانعكس ذلك على الصفوف، وكانت النتيجة الهزيمة الساحقة أمام المغول، وما كان للنصر أن يتحقق والأمة على هذا النحو ، قال تعالى: "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص" الصف آية ، 4، وأما جلال الدين عندما دخل أخلاط التابعة للأيوبيين عام 627هـ وضع السيف في أهلها وفعل في ذلك فعل التتار، فقتل كل من وجد في البلد، فكانوا قد قلوا، فبعضهم كان فارق خوفاً بعد الحصار الأول، وبعضهم مات في البلد جوعاً، وبعضهم صعد إلى القلعة مع من صعد إليها من الأمراء والأجناد، وكانت الأقوات قد قلت، بل عدمت بأخلاط، حتى أكل أهلها البغال والكلاب والسنانير، كان يصطادون الفأر ويأكلونه، وصبروا صبراً لم يصبرها محاصر خوفاً من جلال الدين وما يعرفونه منه من إقدامه على سفك الدماء، ولما فتحت سبي عسكره الحريم، وباعوا الأولاد كما يفعل بالكفرة، ونهبت الأموال، وجرى منه نظير ما جرى من التتار، فلا جرم أن الله سبحانه عاقبه ببغيه ولم يمهله وقلع شأفته ، كان الأجدر به عدم الدخول في صراع مع القوى الإسلامية في الشام وغيرها، وكان عليه أن يعمل على لملمة الدولة ويبني جيشه على أسس عقائدية وأخلاقية، لقد كان جلال الدين يفتقد للحكمة والبعد السياسي ومكارم الأخلاق، التي يستطيع أن يكسب بها الأبطال والقادة والملوك، ولم يكن جلال الدين رجل المرحلة المطلوبة، وسترى بإذن الله تعالى الفرق الكبير بين جلال الدين منكبرتي وصفات سيف الدين قطز الذي حقق الانتصار على المغول في معركة عين جالوت، إن الظلم في الدولة كالمرض في الإنسان يعجل في موته بعد أن يقضي المدة المقدرة له وهو مريض، وبانتهاء هذه المدة يحين أجل موته، فكذلك الظلم في الأمة والدولة، يعجل في هلاكها بما يحدثه فيها من آثار مدمرة تؤدي إلى هلاكها واضمحلالها خلال مدة معينة يعلمها الله هي الأجل المقدر له أي الذي قدره الله بموجب سنته العامة التي وضعها لآجال الأمم بناء على ما يكون فيها من عوامل البقاء كالعدل، أو من عوامل الهلاك، كالظلم الذي يظهر أثرها وهو هلالكها بعد مضي مدة محددة يعلمها الله ، فقال تعالى: "ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" الأعراف: الآية ، 34، قال الألوسي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "ولكل أمة أجل" أي لكل أمة من الأمم الهالكة أجل، أي وقت معين مضروب لاستئصالهم ، ولكن هلاك الأمم وإن كان شيئاً مؤكداً ولكن وقت حلوله مجهول لنا، أي أننا نعلم يقيناً أن الأمة الظالمة تهلك حتماً بسبب ظلمها حسب سنة الله تعالى في الظلم والظالمين، ولكننا لانعرف وقت هلالكها بالضبط، فلا يمكن لأحد أن يحدد بالأيام ولا بالسنين وهو محدد عند الله تعالى : "ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائمٌ وحصيد * وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب * وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القُرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" هود: آية 100 ـ 102.

إن الآية الكريمة تبين أن عذاب الله ليس مقتصراً على من تقدم من الأمم الظالمة، بل إن سنته تعالى في أخذ كل الظالمين سنة واحدة، فلا ينبغي أن يظن أحد أن هذا الهلاك قاصراً بأولئك الظلمة السابقين، لأن الله تعالى لما حكى أحوالهم قال: "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة" هود: آية ، 102، فبين الله تعالى أن كل من شارك أولئك المتقدمين في أفعالهم التي أدت إلى هلاكهم فلا بد أن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد، الآية تحذر من خطورة الظلم، فالدولة الكافرة قد تكون عادلة بمعنى أن حكامها لا يظلمون الناس، والناس أنفسهم لا يتظالمون فيما بينهم، فهذه الدولة مع كفرها تبقى، إذ ليس من سنته هلاك الدولة لكفرها فقط، ولكن إذا انضم إلى كفرها ظلم حكامها للرعية وتظالم الناس فيما بينهم ، قال تعالى: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" هود: آية ، 11، قال الامام الرازي في تفسيره: إن المراد من الظلم في هذه الآية: الشرك والمعنى: أن الله تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم، يعامل بعضهم على الصلاح وعدم الفساد .

وفي تفسير القرطبي قوله: بظلم أي بشرك وكفر "وأهلها مصلحون" أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق، ومعنى الآية: أن الله تعالى لم يكن ليهلكهم في الكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس الميكيال والميزان/ وقوم لوط باللواط ، قال ابن تيميه في هلاك الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة: وأمور الناس أن تستقيم مع العدل الذي يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم، لهذا قيل إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن مسلمة، ويقال: إن الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وذلك أن العدل نظام كل شئ، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزي به في الآخرة ، ولقد حدثت مظالم عظيمة في عهد الخوارزميين، من سفك الدماء بغير حق، وقتل للمسلمين، واجتياح المدن الإسلامية ومحاصرتها واستباحتها، كان الجيش الخوارزمي يضرب به المثل في النهب والقتل، وعمل كل قبيح، وكان الزنا فيهم فاشٍ، واللواط غير معذوق بكبر ولا بصغر والغدر خلق لهم، أخذوا تفليس بالأمان، ثم غدروا وقتلوا وسبوا، كانت عساكر جلال الدين أوباشاً فيهم شر وفسق وعتو . لقد ساهمت المظالم التي ارتكبها الخوارزميون في زوال دولتهم من الوجود.



يتبع


يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق