105
موسوعة الحروب الصليبية (5)المغول (التتار )بين الانتشار والإنكسار
الفصل الأول:المشروع المغولي وغزوهم لبلاد المسلمين
المبحث الثالث:إزالة المغول للدولة الخوارزمية:
خامساً:أسباب زوال الدولة الخوارزمية:
5 ـ حب الدنيا وكراهية الموت:
كان حب الدنيا مهيمناً على القيادة والشعب في ذلك الوقت، وقد دبت الهزيمة النفسية في قلوب المسلمين، وتعلقوا بدنياهم الذليلة تعلقاً لا يُفهم ورضوا أن يبقوا في قراهم ومدنهم ينتظرون الموت على أيدي الفرق المغولية، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: "يوشك الأمم أن تتداعى عليكم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ".
لقد سيطر حب الدنيا على القلوب، وكره المسلمون الموت في سبيل الله، فأصبحوا كالغثاء الذي يحمله السيل، إذا توجه شرقاً شرقوا معه، وإذا توجه السيل غرباً غربوا معه، لا رأي ولا هدف ولا طموح، ونزع الله عز وجل مهابة المسلمين من قلوب التتار، فما عادوا يكترثون بالأعداد الغفيرة وألقى في قلوب المسلمين الوهن والضعف والخور حتى كانت أقدام المائة من المسلمين لا تقوى على حملهم إذا واجهوا تترياً واحداً… ولا حول ولا قوة إلا بالله .
يقول أبو الحسن الندوي: وقد دخل رعب التتار في قلوب المسلمين إلى حد أن أحد التتار دخل بعض الأحيان في سكة من سكك مدينة حيث وجد مائة رجل من المسلمين فقتلهم جميعاً، وأتى على آخرهم دون أن يتجرأ أحد منهم لمقاومته .
وذات مرة دخلت امرأة تتارية بيتاً متزينة بزي الرجال وقتلت جميع أفراد الأسرة، وعرف أحد المسجونين الذي كان معها أنها امرأة فقتلها، وقد حدث بعض الأحيان أن تتارياً أسر مسلماً وقال له ضع رأسك على هذا الحجر حتى آتي بالخنجر فأذبحك، وخضع له المسلم ولم يسعه أن يبرح مكانه ذاك ثم أتى التتاري بالخنجر من المدينة وذبحه .
كان غارة التتار فتنة عظيمة، ومحنة كبيرة، هزت العالم الإسلامي هزاً عنيفاً، وتركت المسلمين مبهوتين مشدوهين واستولى الرعب والخوف على العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وغلب على الناس اليأس والتشاؤم، فكانوا يعتبرون التتار بلاءً سماوياً ومقاومتهم مستحيلة، وانهزامهم فوق القياس، حتى ساد المثل ((إذا قيل لك التتار انهزموا فلا تصدق))، فكل بلاد أو دولة توجهوا إليها عرف أنها أبيدت وخربت، ولم يبق فيها شيء من مقدسات المسلمين إلا وانتهكت حرمتها، فكان اتجاه التتار إلى جهة يرادف معنى التدمير والإبادة والذلة، وانتهاك الأعراض، ولا شك أن العالم الإسلامي كله ولا سيما الجزء الشرقي منه وقع تحت هذه الفتنة العمياء على بكرة أبيه، إن المؤرخ يشغل بتسجيل كل لون من ألوان الأحداث والوقائع، وتمر به مناظر كثيرة لإبادة الأمم والبلدان حتى يتعود احتمال كل ذلك، فيجري قلمه بتسجيل هذه الحوادث من غير أن يرق له قلبه، وتدمع له عينه، ولكن المؤرخ الشهير ابن الأثير لم يتمكن من إخفاء شعوره الجريح وتألمه النفسي حينما وصل إلى ذكر حادث التتار حيث قال: لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها كارهاً لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلاً وأؤخر رجلاً، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذلك؟ ويا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا، وكنت نسياً منسياً، إلا أني حثَّني جماعة من الأصدقاء على تسيطرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى، والتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها وعمت الخلائق وخصًّت المسلمين، فلو قال قائل إن العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا مثلها لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا يُدانيها، ولعل الخلق يرون مثل هذه الحادثة، إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا ألا ياجوج وماجوج، وهؤلاء لم يُبقوا على أحد بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنَّة، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لهذه الحادثة التي استطار شررُها وعمَّ ضررُها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الرياح ، ويقول مؤلف ((مرصاد العباد)) الذي شهد هذه الوقعة بعينه وما دار في مولده الري وموطنه همدان من حوادث فظيعة بعينه ومن التخريب والتدمير: استولى الجيش التتاري ـ خذلهم الله ودمرهم ـ سنة 618هـ على بلاد الإسلام، لا يعرف نظير لما قام به هؤلاء الوحوش من الفتنة والإفساد، والقتل والهدم والإحراق وما ظهر من أولئك الملاعين من فظائع تقشعر منها الجلود في أي عصر من عصور التاريخ، لا في الإسلام ولا في الجاهلية، فقد قتلوا وأسروا في ((ري)) وحدها التي هي مولودي أكثر من سبعمائة ألف مسلم، إن الفتنة التي أثاروها في العالم الإسلامي والمصيبة التي أنزلوها على المسلمين لا تسع الكلمات أن تصورها، وهذه الحادثة أغنى من أن تشرح للناس، وعياذاً بالله، إذا لم تتحرك حميَّة الإسلام وغيرته في ملوك المسلمين وسلاطينهم، ولم يذكروا أنهم مسئولون عن الأمة لقوله صلى الله عليه وسلم: "الأمير راع على رعيته وهو مسئول عنها"، وإذا لم تنبعث فيهم أريحيتهم ورجولتهم لكي يتحدوا على كلمة واحدة وينقادوا لما أمرهم الله به في قوله تعالى: "انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله"التوبة ، 41، وإذا لم يستعدوا ببذل النفس والمال والملك لكي يدفعوا هذه الفتنة، وإن ذلك كله يدل على أن المسلمين سيفاجأهم الذل والنكسة، وترتمي بلاد الإسلام في أحضان الكفر، وأخشى أن المسلمين الذين كانوا لا يحملون إلا الإسم، سيفقدون الإسم والرسم كليهما نتيجة لما ندعيه ولا نعمل به .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق