177
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث الرابع:مكانة العلماء والفقهاء عند صلاح الدين الأيوبي:
سادساً:زين الدين علي بن نجا:
ومن المواقف الجديرة بالذكر التي قام بها بعض الفقهاء والعلماء في بداية قيام الدولة الأيوبية ما بدر منهم من حرص شديد سنة 569ه/1174م على سلامة وأمن الدولة وعدم تفككها حتى لا يطمع فيها أعداء الإسلام والمسلمين، وكان ذلك عندما قامت جماعة من الشيعة في مصر بمؤامرة تهدف إلى إعادة الخلافة الفاطمية بمصر بعد أن أسقطها صلاح الدين سنة 567ه/1171م، وكانت خطتهم في ذلك أن يستدعوا الصليبيين من صقلية وبلاد الشام إلى مصر لمساعدتهم مقابل أن يمنحوهم شيئاً من المال والبلاد وكانت خطتهم أنه في الوقت الذي تصل فيه القوات الصليبية ويخرج صلاح الدين بقواته للقائهم يقوم المتآمرون بإشعال نيران الثورة في الداخل فيقع السلطان بين نارين نار ثورة بالداخل ونار وجود الصليبيين خارج البلاد الأمر الذي يعمل على تشتيت قواته ويساعد على هزيمته أمام الصليبيين خارج البلاد، الأمر الذي يعمل على تشتيت قواته ويساعد على هزيمته أما الصليبيين من ناحية وسيطرة المتآمرين على مقاليد الحكم من ناحية أخرى وكان على رأس هؤلاء المتآمرين من الشيعة الفقيه الشاعر عمارة بن أبي الحسن اليمني () ، وعبد الصمد الكاتب والقاضي هبة الله ابن عبدالله العويرس، وغيرهم من جند المصريين ورجالاتهم السودان وحاشية القصر ومعهم جماعة من أمراء صلاح الدين وجنده () ولا شك أن هذا المخطط خيانة صريحة من قبل جماعة من الشيعة الذين استعانوا بالصليبيين لقتال المسلمين من أجل تحقيق المصالح الشخصية، ومن أجل تحطيم دولة صلاح الدين الإسلامية السنية التي تجاهد ضد أعداء الدين، بل لقد بلغت هذه الخيـانة حداً كبيراً لدرجـة أنهم يغرون الصليبيين بالأموال للقدوم إلى مصر بدلاً من صدهم ومحاربتهم () .
وقد أراد الله أن يكشف خيوط المؤامرة على يد أحد رجال الدين من الفقهاء المخلصين الواعين والمقدرين للمصلحة الإسلامية الغيورين على تماسك وحدة الجبهة الإسلامية وهو زين الدين علي. ويذكر ابن الأثير : وكان من لطف الله بالمسلمين أن الجماعة المصرية أدخلوا معهم زين الدين علي بن نجا، الواعظ والقاضي المعروف بابن نجية () ، ورتبوا الخليفة والوزير والداعي والقضاة () ، فلما ضموا إليهم القاضي ابن نجا وشعر بخطورة ما يدعون إليه، قام بإخبار صلاح الدين بكل تفاصيل المؤامرة فطلب منه أن يظهر تعاطفه معهم وتواطئه على مايريدون فعله، وإخباره بما يتجدد من أخبار، ففعل ذلك وصار يطالعه بكل ما عزموا عليه () . وبناء على ذلك استطاع صلاح الدين الوقوف على تفاصيل المؤامرة، وفي تلك الأثناء وصل رسول من ملك الفرنج بالساحل بهدية ورسالة وهو في الظاهر إليه (أي صلاح الدين) والباطن إلى أولئك الجماعة وكان يرسل إليهم بعض النصارى وتأتيه رسلهم، فأتى الخبر إلى صلاح الدين من بلاد الفرنج بجلية الحال، فوضع صلاح الدين على الرسول بعض من يثق إليه من النصارى، وداخله فأخبره الرسول بالخبر على حقيقته () . وعندئذ تأكد صلاح الدين من حقيقة الأخبار التي وصلته من القاضي ابن نجا وتدارك الأمر قبل وقوع الكارثة، فأمر بالقبض على هؤلاء المتآمرين جميعاً وقضى عليهم وسكنت الفتنة () . ثم قرب السلطان إليه زين الدين علي بن نجا وأحسن إليه بالأعطيات والإقطاعات، وأجمل وأعطاه وأجزل، وأتم له مراده وأكمل وكان السلطان يستشيره ويروفه تدبيره ويميل إليه لقديم معرفته وكريم سجيته () ، وكان صلاح الدين يسمي ابن نجا عمرو بن العاص ويعمل برأيه لسداد رأيه وسعة حيلته، وأن كثيراً من أرباب الدولة وأهل السنة في مصـر كانوا لا يخرجون عما يراه لهم زين الدين ابن نجا وأن الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين قال له : إذا رأيت مصلحة في شيء فأكتب إليّ بها، فأنا ما أعمل إلا برأيك ()، ويذكر سبط بن الجوزي أن ابن نجا نشط في الوعظ والتحديث وأن صلاح الدين وأولاده كان يحضرون مجلسه ويسمعون مواعظه، وكان له الجاه العظيم والحرمة الزائدة ()، وعندما خرج صلاح الدين لمحاربة الصليبيين في بلاد الشام كان يكاتب زين الدين بن نجا بوقائعه () ، من ذلك أنه عندما فتح قلعة حمص عام 570ه-1174م كتب إليه يصف القلعة برسالة مطّولة () . وعندما قرّر رأي صلاح الدين على الاستقرار في بلاد الشام كتب له ابن نجا عام 580ه/1184م كتاباً يشَّوقه إلى مصر ونيلها وخيراتها ومساجدها ومشاهدها ثم ذكر فضيلة مصر واستدل عليه بالآيات والأخبار والآداب والآثار، فردّ عليه صلاح الدين في رسالة – أوردها كل من سبط ابن الجوزي وأبو شامة – يخبره بأن سكنِ الشام أفضل ومناخها أجود وأن الله أقسم بها في القرآن، ويعاتبه على عدم حنينه إلى وطنه دمشق ويدعوه للانتقال إليها إلى أن ختمها بقوله: وزين الدين وفقه الله قد تعرض للشام فلم يرضى أن يكون المساوي حتى شرع في ذكر المساوي، ولعله يرجع إلى الحق ويعيد سعد أسعاده ورفاقه إلى الوفق إن شاء الله () . ومهما يكن الأمر، فقد استمر ابن نجا يعمل مع صلاح الدين حتى دخل معه بيت المقدس فاتحاً وألقى في المسجد الأقصى أول مجلس () للوعظ كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى وقد توفي أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجا الحنبلي الملقب بزين الدين عام 599ه ().
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق