إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 11 أغسطس 2014

167 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية المبحث الرابع:مكانة العلماء والفقهاء عند صلاح الدين الأيوبي: ثالثاً :أبو طاهر بن عوف الإسكندراني:


167

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية

المبحث الرابع:مكانة العلماء والفقهاء عند صلاح الدين الأيوبي:

ثالثاً :أبو طاهر بن عوف الإسكندراني:

الشيخ الإمام، صدر الإسلام، شيخ المالكية، إسماعيل مكي ابن إسماعيل بن عيسى بن عوف بن يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك ابن حميد ابن صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، القرشي الزهري، العوفي الإسكندريُّ المالكي، من ذرية عبدالرحمان بن عوف رضي الله عنه () ، ولد سنة خمس وثمانين وأربع مئة وتفقَّه على الأستاذ أبي بكر الطرطوشي وبرع، وفاق الأقران وتخَّرج به الأصحاب. وروى عن الطرطوشيَّ "الموطَّأ" وعن أبي عبد الله الرازيَّ. وكان إمام عصره، وفريد دهره في الفقه، وعليه مدار الفتوى مع الورع والزهاده وكثرة العبادة () ، والتواضع التام، ونزاهة النفس () وقد شهد أبو الطاهر بن عوف نهاية الدولة الفاطمية الشيعية وقيام الدولة الأيوبية، وقد زار صلاح الدين الإسكندرية في سنة 577ه، وحرص في هذه الزيارة أن يحضر هو وأولاده وكبار دولته دروس أبي الطاهر بن عوف، وسمعوا عليه جميعاً "موطأ مالك" بروايته عن أستاذه الطرطوشي، روى خبر هذه الزيارة وهذا السماع العماد الأصفهاني، فقد كان مصاحباً لصلاح الدين فيهما، قال: وتوجه السلطان بعد شهر رمضان (577ه) إلى الإسكندرية على طريق البحيرة وخيم عند السواري وشاهد الأسوار التي جددها والعمارات التي مهَّدها وأمر بالأتمام والاهتمام، وقال السلطان : نغتنم حياة الشيخ أبي طاهر بن عوف. فحضرنا عنده، وسمعنا عليه موطأ مالك رضي الله عنه – بروايته عن الطرطوشي في العشر الأخيرة من شوال، وتَّم له ولأولاده ولنا به السماع () واعتقد الجميع أن صلاح الدين قد حصَّل خيراً كثيراً بتتلمذه عن ابن عوف وسماعه منه، فقد أرسل القاضي الفاضل عبدالرحيم بن علي البيساني رسالة جميلة بليغة إلى صلاح الدين يهنئه فيها بهذا السماع ويقارن فيها بين رحلة صلاح الدين مع ولديه لسماع الموطأ على ابن عوف ورحلة هارون الرشيد مع ولديه لسماع نفس الكتاب على مؤلفه الإمام مالك، وفيما يلي نص الرسالة : أدام الله دولة المولى الملك الناصر، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين محي دولة أمير المؤمنين، وأسعد برحلته للعلم وأثابه عليها، وأوصل ذخائر الخير إليه، وأوزع الخلق شكراً لنعمته فيه فإنها نعمه لا توصل إلى شكرها إلا بإيزاعه، وأودع قلبه نور اليقين فإنه مستقر لا يودع فيه إلا ما كان مستنداً إلى إيداعه، ولله في الله رحلتاه، وفي سبيل الله يوماه، وما منهما إلا أغر محجل.

والحمد لله الذي جعله ذا يومين: يوم يسفك دم المحابر تحت قلمه، ويوم يسفك دم الكافر تحت عَلمَه، ففي الأول يطلب حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم – فيجعل أثره عيناً لا تستر وفي الثاني يحفل لنصرة شريعة هداه على الضلال فيجعل عينه أثراً لا يظهر وقد استغرق الناس همم العلماء في رحلتهم لنقل الحديث وسماعه والموالاة في طلب ثقته وانتجاعه، وصنفوا في ذلك تصانيف قصدوا بها التحريض للهمم والتنبيه، والرفع من أقدار أهله والتنويه، فقالوا: رحل فلان لسماع مسند فلان وسار زيد إلى عمرو على بُعد المكان، هذا وصاحب الرحلة قد نصب نفسه للعلم وشغل به دهره، ووقف عليه فكره، فلا يتجاذب عنان همته الكبائر فما القول في ملك خواطره كأبوابه مطروقة وأمور خلق الله كأمور دينه به معذوقة، إذ هاجر إلى بقية الخير في أضيق أوقاته، وترك للعلم أشد ضروراته، ووهب له أياماً مع أنه في الغزاة يحاسب لها نفسه على لحظاته وساعاته وما يحسب الملوك أن كاتب اليمين كتب لملك رحلة في طلب العلم إلا للرشيد هارون – رحمة الله عليه – على أنه خلط زيارة نبوية بطلب، ورحل بولديه إلى مالك – رحمة الله عليه – لسماع هذا الموطأ، الذي، اتفقت الرشيدية والناصرية على الرغبة في سماعه، والرحلة لا نتجاعه، وقد كان الرشيد سام مالكاً رحمه الله أن يجعل له ولولديه: الأمين والمأمون مجلساً خاصّاً لإسماع مصنفه، فقال له ما معناه: إنها سنة ابن عمك – صلى الله عليه وسلم – وغيُرك من سترها، ومثلُك من نشرها، فهذه رحلة ثانية في الزمان، وأولى في الإيمان، يكتبها الله للمولى بقلم كاتب اليمين، ويقوم فيها مقام الرشيد، ويقوم عليُّه وعثمانه () ، مقام ولديه المأمون والأمين، وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد على مالك رحمة الله عليه في خزانة الكتب المصرية، فإن كان قد حصل بالخزانة فهو بركة عظيمة، ومنقبة كريمة، وذخيرة قديمة وإلا فليلتمس وكذلك خطُّ موسى بن جعفر في فتيا المأمون – رحمهما الله كان أيضاً فيها، وكلاهما يتبرك بمثله، ويعلم به فضل العلم، لا خلا المولى – أبقاه الله – من فضله، وقف المملوك على ما بشر من صنع المولى وتوفيقه، وصحة مزاجه في طريقه، وانقطاع ما كان من دم، واسترواح القلب من كل هم، وقد استفتحت هذا الطريق بكل قال، مباركة الكبر والفال، مأثورة عن سيد البشر، فمن ذلك صحة جسمه، فلتهنه الصحة، وفسحة قلبه دامت له الفسحة، وانقطاع الدم، وطريقه إلى الشام ينقطع به الدم، ويتصل النصر له وينتظم السلم، وأخرى أنه رحل إلى الموطأ رحم الله مالكه، ويرحل فيما يطلب من الشام إلى الموطأ أسعد الله بن ممالكه، والله تعالى يحقق الخير، ويصرف الضير، ويبارك لمولانا في المقام والسير إن شاء الله () . وأصبحت لابن عوف عند صلاح الدين منذ ذلك الحين مكانه كبيرة، يجعله ويحترمه،  ويقدره، ويوقره، وإذا اعترضته مشكلة الدين أو الدولة، أرسل إليه يسأله الرأى والفتوى ويؤكد هذا قول ابن فرحون : وكان السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب يعظَّم ابن عــوف ويراسله ويستفتيه () ، وقد روى الصفدي في كتابه "نكت الهميان" قصة مراسلة من هذه المراسلات عن ترجمته للقاضي شرف الدين عبد الله بن أبي عصرون، فقد أضَّر هذا القاضي آخر عمره أثناء توليه القضاء وثار الجدل حول جواز بقائه في منصبه بعد إصابته بالعمى، وكان ابن أبي عصرون نفسه حريصاً على أن يظل قاضياً، فألف رسالة أيَّد فيها جواز أن يكون القاضي أعمى، وهو رأى تقول به القلة من الفقهاء وترفضه الكثرة، ويبدو أن صلاح الدينن كان حريصاً على إرضاء ابن أبي عصرون وعدم المساس بشعوره في شيخوخته ، فأرسل يستفتي ابن عوف في الأمر، قال الصفدي: وكتب السلطان صلاح الدين بخطه إلى القاضي الفاضل يقول فيه: إن القاضي قال: إن قضاء الأعمى جائز، فتجتمع بالشيخ أبي الطاهر ابن عـوف الإسكندري وتسأله عما ورد من الأحاديث في قضـاء الأعمى () . وكان صلاح الدين يستجيب لراي ابن عوف ومشورته، فقد أسرع بتلبية رغبته عندما أشار عليه بإعادة ضريبة الصادر، وهي ضريبة كانت تفرض على تجارة الفرنج الصادرة من الإسكندرية وتوزع حصيلتها على فقهاء الثغر  ()، وقد أشارت المراجع إلى أن نشاط ابن عوف لم يكن مقصوراً على التدريس وحسب، بل كان له نشاط مماثل في ميدان التأليف، فقد قال السيوطي: وله مؤلفات () ، وللشيخ أبي الطاهر تذكرة التذكرة في أصول الدين وغير ذلك في التأليف () . وفي سنة 581ه توفي ابن عوف ودفن في الإسكندرية وله ست وتسعون سنة () .

إن ما قام به أبو الطاهر السَّلفي وأبو الطاهر بن عوف من طلب العلم ونشره بين الناس والعمل على أحياء المذهب السني من أعظم الجهاد، فإن الإشتغال بطلب العلم وتعليمه من أعظم الجهاد لمن صحت نيتُه ولا يوازنه عمل من الأعمال لما فيه من إحياء العلم والدين، وإرشاد الجاهلين، والدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر والخير الكثير الذي لا يستغني العباد عنه () .

فالعلم عبادة تجمع عدة قربات التقرب إلى الله بالإشتغال به، فإن أكثر الأئمة نصوا على تفضيله على أمهات العبادات، وذلك في أوقاته الزاهرة بالعلم، فكيف بهذه الأوقات التي تلاشى بها وكاد أن يضمحل، والاستكثار من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم وأن من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، ونفعه واصل لصاحبه، ومتعَّد إلى غيره، ونافع لصاحبه حياً وميتاً، وإذا انقطعت الأعمال بالموت، وطويت صحيفة العبد، فأهل العلم حسناتهم تتزايد كلما انْتفُع بإرشادهم واهتُدىِ بأقوالهم، فحقيق بالعاقل الموفق أن ينفق فيه نفائس أوقاته، وجوهر عمره، وأن يعده ليوم فقره، وفاقته () .


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق