474
عمر بن عبد العزيز ( معالم التجديد والاصلاح الراشدى ) على منهاج النبوة
الفصل الرابع: الفتوحات في عهد معاوية رضي الله عنه
المبحث الخامس : ولاية العهد ووفاة معاوية رضي الله عنه:
ثانياً : الخطوات التي اتبعها معاوية لبيعة يزيد:
5 ـ طلب البيعة من أهل المدينة:
ويتبين لنا من خلال الحوار الذي دار بين معاوية وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أنهم يمانعون البيعة لسببين:
أ ـ اعتراضهم على تولية يزيد للعلاقة بين الأب والابن وأن هذه لم تكن طريقة الخلفاء الراشدين .
بـ ـ الاستدلال على بطلان هذه البيعة ورفضها لمخالفتها النص الصريح الذي ورد في الحديث النبوي والذي لا يجيز البيعة لشخصين في آن واحد. والملاحظ هنا هو أن المعارضين لم يذكروا قدحاً في يزيد وإلا كيف يمكن أن يتجاهلوا صفات يزيد التي اتهم بها فيما بعد، وخاصة في ذلك الموقف الذي يتطلب حشد أي دليل في مقابل الخصم . والحقيقة أنه كان هناك شعور قوي بين بعض الناس خاصة بين أبناء المهاجرين هو كيف أن معاوية الذي أسلم في فتح مكة يتولى خلافة المسلمين، وهناك من هو أقدم إسلاماً وأحق منه ، وكان البعض معترضاً على تقديم يزيد خوفاً من القيصرية والهرقلية على حد تعبير عبد الرحمن بن أبي بكر. ولما رأى معاوية أوجه الانتقادات التي انتقد فيها أبناء الصحابة بيعة يزيد، ورأى أنها لا تمس يزيد شخصياً بل أنها وجهات نظر أرتاؤها ورأى معاوية خلافها، فهؤلاء مدفعون بحرصهم على جعل منصب الخلافة لا تتطرق إليه العلاقات الأسرية والرغبات الشخصية، ومن ثم تكون قيمة الخليفة واختياره مبنية على علاقته بالخليفة الذي قبله . قام معاوية بعد اجتماعه مع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن وجدنا أحاديث الناس ذات عوار زعموا أن ابن عمر وابن الزبير، وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيد، قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له. فقال أهل الشام: لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم، فانتهرهم معاوية وقال: مه سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم، ثم نزل. فقال الناس بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر ويقولون لا والله ما بايعنا، ويقول الناس: بلى لقد بايعتم، وارتحل معاوية ولحق بالشام . وبهذه الرواية الصحيحة يتبين لنا كذب تلك الرواية التي تتهم معاوية رضي الله عنه بأنه أقام على رأس كل رجل من الصحابة الأربعة وهم عبد الله بن عمر، عبد الله بن الزبير،عبد الرحمن بن أبي بكر، والحسين بن علي رضوان الله عليهم أقام على رأس كل واحد منهم رجلين، وأعطى الإشارة لكل حارس بقتل من يمانع البيعة، فبايع الناس وبايع ابن عمر، وابن الزبير، وابن أبي بكر تحت تهديد السلاح فبالإضافة على ضعف الرواية سنداً، فإن متنها لا يقل عن سندها من حيث الضعف ولا يقف أمام النقد الدقيق ، فمثلاً في بداية الرواية: أن معاوية لما كان قريباً من مكة قال لمرقال صاحب حرسه: لا تدع أحداً يسير معي إلا من حملته أنا فخرج يسير وحده حتى إذا كان وسط الأراك لقيه الحسين بن علي فوقف وقال: مرحباً وأهلاً بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد شباب المسلمين دابة لأبي عبد الله يركبها، ثم طلع عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: مرحباً وأهلاً بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن الصديق وسيد المسلمين ودعا له بدابة فركبها، ثم طلع ابن الزبير فقال مرحباً وأهلاً بابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن الصديق وابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا له بدابة فركبها ولم يعرض لهم شيء حتى قضى نسكه . وأما ما يتعلق بباقي الرواية التي تذكر أن معاوية أوقف على رأس كل رجل حارسين وأمرهما بقتل من يحاول الاعتراض على البيعة، إذا بويع يزيد فهذا مستبعد لأمرين أحدهما: أليس من الغريب جداً على معاوية أن يستخدم العنف بهذه الصفة مع أبناء الصحابة، والصحابة أنفسهم ومن ثم يتسبب في توسيع الخلاف ويباعد الشق بينه وبين يزيد من جهة، وبين الصحابة وأبنائهم من جهة أخرى.
والأمر الآخر: عندما يقف الحراس على رؤوس الأربعة، ابن عمر، وابن الزبير، وابن أبي بكر والحسين، أليس هذا المنظر أمام الناس يجعل الشك عند الناس يتضاعف حول مكانة يزيد، ويعرف الناس أن أولئك الحراس الذين يقفون على رأس كل شخص إنما يتربصون به ويبغونه شراً، ثم يصبح لدى الناس اقتناعاً كاملاً بأن هذه البيعة بيعة إكراه وخديعة فيمانعوا .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق