434
عمر بن عبد العزيز ( معالم التجديد والاصلاح الراشدى ) على منهاج النبوة
الفصل الرابع: الفتوحات في عهد معاوية رضي الله عنه
المبحث الثالث : فتوحات معاوية في الجناح الشرفي للدولة الأموية:
رابعاً : سعيد بن عثمان بن عفان : 56هـ
تروى المصادر التاريخية أن سعيداً بن عثمان بن عفان قد اصطحب معه إلى خراسان حوالي أربعة آلاف رجل فيهم عدد من مشاهير رجالات القبائل العربية في البصرة والكوفة كما كان من ضمنهم حوالي خمسين عابثاً وقاطعاً للطريق من أمثال مالك بن الرِّيب المازني التميمي وهؤلاء تابوا ورجعوا إلى رشدهم وفضلوا الجهاد في سبيل الله ومالك بن الريب هو القائل:
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى
وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
وقدم سعيد خراسان فقطع النهر إلى (سمرقند) وبلغ خاتون ملكة بخاري عبوره النهر، فحملت إليه الصلح الذي صالحت عليه عبيد الله بن زياد وأقبل أهل الصُّغد وكِش ونسف إلى سعيد في مائة ألف وعشرين ألفاً، فالتقوا ببخاري، وقد ندمت خاتون على أدائها الجزية، فنكثت العهد ولكن قسماً من الحشود المجتمعة لقتال سعيد انصرفوا قبل مباشرة القتال، فأثّر انصرافهم في معنويات الآخرين واهتزّت معنوياتهم، فلما رأت خاتون ذلك، أعادت الصلح، فدخل سعيد مدينة بخاري فاتحاً ، وطلب سعيد من خاتون أن تبعث إليه بثمانين من أعيان بلادها ممن كانوا على رأس الخارجين عليها، وممن تخشى غدرهم بها وتهديدهم لعرشها، وتخلّصت بذلك من أشدَّ أعدائها خطراً على عرشها وحاضرها، ومستقبلها، وحين تمَّ الصلح بين خاتون وسعيد، زارت خاتون سعيداً بمقرِّه، فطلعت عليه في زينتها الملكية، وكانت نادرة الجمال على ما يقال، فادّعى أهل بخاري أن القائد المسلم أعجب بجمالها أيّما أعجاب، وجرى ذكر إعجاب سعيد بها في الأغاني الشعبية التي لا يزال أهل بخاري يردِّدونها ويتغنون بها حتى اليوم ولكن هذا الإعجاب لا ذكر له في المصادر العربية الإسلامية المعتمدة، ومن الواضح أنه أقرب إلى خيال الأدباء والفنانين منه إلى حقائق المؤرخين. وغزا سعيد سمرقند، فأعانته خاتون بأهل بخاري، فنزل على باب سمرقند، وحلف ألاّ يبرح أو يفتحها وقاتل المسلمون أهل سمرقند ثلاثة أيام، وكان أشدّ قتالهم في اليوم الثالث حيث فُقئت عين سعيد، ولزم أهل سمرقند أن يفتح سعيد ذلك القصر عنوة ويقتل من فيه، فطلبوا الصلح، فصالحهم على سبعمائة ألف درهم، وعلى أن يعطوه رهناً من أبناء عظمائهم، وعلى أن يدخل المدينة ومن شاء ويخرج من الباب الآخر، فأعطوه خمسة وعشرين من أبناء ملوكهم، ويقال: إنهم أعطوه أربعين من أبناء ملوكهم، ويقال: ثمانين وكان معه من الأمراء المهلب بن أبي صُفرة الأزدي وغيره واستشهد معه يومئذ قثم بن العباس بن عبد المطلب، وكان يُشبَّه بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أخوه عبد الله بن عباس دفن بالطائف وأخوه معبد استشهد بأفريقية وعبيد الله بالمدينة وكلهم من أب واحد وأم واحدة قال تعالى: ((وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) (لقمان ، الآية : 34) .
هذا وانصرف سعيد بن عثمان إلى (تِرْمِذ) ففتحها صلحاً وقد كان سعيد شاعراً ومن شعره في معاوية قوله:
ذكـرت أمير المؤمنين وفضله
فقلت جزاه الله خيراً بما وصل
وقـد سبقت مني إليـه بوادر
من القول فيه آفة العقل والزلل
فعـاد أميـر المؤمنين بفضـله
وقد كان فيه قبـل عودته ميل
وقال: خراسان لك اليوم طعمه
فجوزي أمير المؤمنين بمـا فعل
فلو كان عثمان الغـداة مكانه
لما نالني من ملكه فوق ما بذل
وعزل معاوية سعيد عام 57هـ، فأخذ سعيد ما لا من خراج خُراسان، فوجّه معاوية من لقبه بـ((حلوان)) وأخذ المال منه ومضى سعيد بالرهن الذين أخذهم من أبناء عظماء (سمرقند) حتى ورد بهم المدينة النبوية، فدفع ثيابهم ومناطقهم إلى مواليه، وألبسهم جباب الصوف، وألزمهم السقي والعمل ، وألقاهم في أرض يعملون له فيها بالمساحي،فأغلقوا يوماً باب الحائط ووثبوا عليه فقتلوه ثم قتلوا أنفسهم ، فقال خالد بن عقبة بن أبي معيط الأموي :
ألا إنّ خير الناس نفساً ووالداً
سعيد بن عثمان قتيل الأعاجم
فإن تكن الأيام أردت صروفها
سعيداً فهل حيٌ من الناس سالم؟
وقال أيضتً يرثيه:
يا عين جودي بدمع منك تهتاناً
وأبكي سعيد بن عثمان بن عفانا
لم يف سعيد لأهل ((سمرقند)) بإعادة الرهن لهم، بل جاء بالغلمان معه إلى المدينة النبوية وجعل يستعملهم في النخيل والطين وهم أولاد الدهاقين وأرباب النِّعم، فلم يطيقوا ذلك العمل وسئموا عيشهم فوثبوا عليه في حائط له، وبذلك غدر بهم ، فكان هذا الغدر وبالاً عليه، إذ قدم حياته ثمناً لغدره ، لقد كان سعيد شهماً غيوراً يعتد بشخصيته، طموحاً، مُتْرَفاً،سخياً وكان من شخصيات قريش البارزة
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق