الخميس، 24 أبريل 2014

74 تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة الفصل الأول : على بن أبى طالب رضي الله عنه بمكة المبحث السادس : أهم أعمال علي رضي الله عنه ما بين الأحزاب إلى وفاة النبي ثالثًا: علي رضي الله عنه في صلح الحديبية وبيعة الرضوان:


74

تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة

الفصل الأول : على بن أبى طالب رضي الله عنه  بمكة

المبحث السادس : أهم أعمال علي رضي الله عنه ما بين الأحزاب إلى وفاة النبي

ثالثًا: علي رضي الله عنه في صلح الحديبية وبيعة الرضوان:

في غزوة الحديبية وقبل الصلح، خرج بعض العبيد (الأرقاء) من مكة إلى رسول الله ×، فكتب إليه مواليهم بإرجاعهم، فرفض رسول الله × أن يرجعهم وقال: «يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان»، فسأله الصحابة بتلهف: من هو يا رسول الله؟ وكلهم يرجو أن يفوز هو بهذه الشهادة العظيمة من رسول الله ×، فقال ×: هو خاصف النعل، وكان قد أعطى عليًا بخصفها( ), ولَّما تَم الصلح بين المسلمين ومشركي قريش، كتب على كتابًا بينهم قال: فكتب: محمد رسول الله، فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسول الله لم نقاتلك. فقال لعلي: امحه قال: ما أنا بالذي أمحوه، فمحاه رسول الله × بيده فصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبَّان( ) السلاح( ), وقد امتنع على رضي الله عنه عن محو كلمة (رسول الله) بدافع محبته لرسول الله × وتعظيمه( ). وقد طعن الروافض الغلاة في موقف الصحابة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم في الحديبية، وذكروا من مراجعة عمر للنبي × في أمر الصلح، وكذلك تأخر الصحابة في بداية الأمر عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله× وحلق، ولا مطعن في شيء من هذا في أصحاب رسول الله × لا عمر ولا غيره من الصحابة الذين شهدوا الحديبية، وبيان ذلك أن الرسول × كان قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا معه عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع أمر الصلح، وفيه أن يرجعوا عامهم هذا، ثم يعودوا العام القادم شق ذلك على أصحاب رسول الله ×( ), فجعل عمر- رضي الله عنه – على ما عرف به من القوة في الحق والشدة فيه يسأل رسول× ويراجعه في الأمر، ولم تكن أسئلته التي سألها رسول الله لشك في صدق الرسول ×، أو اعتراض عليه، لكن كان مستفصلاً عما كان متقررًا لديه، من إنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت، وأراد بذلك أن يحفز رسول الله × على دخول مكة، وعدم الرجوع إلى المدينة، لما يرى في ذلك من عز لدين الله وإرغام للمشركين( ).

قال النووي:قال العلماء: لم يكن سؤال عمر – رضي الله عنه – وكلامه المذكور شكًا بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًا على إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه- رضي الله عنه – وقوته في نصر الدين وإذلال المبطلين( ), فعمر – رضي الله عنه – كان في هذا مجتهدًا حمله على هذا شدته في الحق، وقوته في نصرة الدين، والغيرة عليه، مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله × من المشورة وإبداء الرأي امتثالاً لأمر الله تعالى: +فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ" [آل عمران: 159]، وقد كان كثيرًا ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم، كما استشارهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، وأخذ بمشورتهم، وشاورهم يوم أحد في أن يقعد في المدينة، أو يخرج للعدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليه فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ فأبى عليه السعدان (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية أن يميل على ذراري المشركين، فقال أبو بكر: إنا لم نجئ لقتال، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال( ). وفي حوادث كثيرة يطول ذكرها، فقد كان عمر- رضي الله عنه- يطمع أن يأخذ رسول الله × برأيه في مناجزة قريش وقتالهم، ولهذا راجعه في ذلك، وراجع أبا بكر، فلما رأى اتفاقهما أمسك عن ذلك وترك رأيه، فعذره رسول الله لما يعلم من حسن نيته وصدقه( ).

أما توقف الصحابة عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله × وحلق، فليس معصية لأمر رسول الله ×، وقد ذكر العلماء له عدة توجيهات، قال ابن حجر: قيل: كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول وحي بإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوغ لهم ذلك لأنه كان زمان وقوع النسخ، ويحتمل أنهم ألهتهم صورة الحال فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم، وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو أخروا الأمتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم( ), وجاء في بعض الروايات أن الرسول × لما رأى عدم امتثالهم دخل على أم سلمة فذكر لها ذلك فقالت: يا رسول الله لا تكلمهم فإنهم دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح( ), فأشارت عليه كما جاء في رواية البخاري: أن أخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج لم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا( ), قال ابن حجر: ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي × أمرهم بالتحلل أخذًا بالرخصة في حقهم، وأنه يستمر على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفى عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي × صواب ما أشارت به ففعله..ونظير هذا ما وقع لهم في غزوة الفتح من أمره لهم بالفطر في رمضان، فلما استمروا على الامتناع، تناول القدح فشرب، فلما رأوه شرب شربوا( ).

وهذا الوجه حسن، وهو اللائق بمقام أصحاب النبي ×، فلما أمرهم النبي × بالتحلل ولم يفعل، ظنوا أن الذي حمله على هذا هو الشفقة عليهم، كما كانت سيرته معهم، فكأنهم – رضي الله عنهم – آثروا التأسى به على ما رخص لهم فيه من التحلل، ثم لما رأوه قد تحلل أيقنوا أن هذا هو الأفضل في حقهم، فبادروا إليه، وهذا مثل ما حصل منهم في الحج مع النبي × لما بلغوا مكة وطافوا وسعوا أمرهم أن يحلوا، وأن يصيبوا النساء ويجعلوها عمرة، فكبر ذلك عليهم لتعظيمهم لنسكهم، وقالوا: نذهب إلى عرفة ومذاكيرنا تقطر من المنى، فلما علم بذلك الرسول × وكان لم يتحلل، قال لهم: «أيها الناس أحلوا فلولا الهدى الذي معي فعلت كما فعلتم»قال جابر- رضي الله عنه- راوى الحديث: فحللنا وسمعنا وأطعنا( ), وهذا كله من حرص أصحاب رسول الله × على الخير والرغبة في التأسى برسول الله × التأسى الكامل( ).

إن موقف النبي × في سكوته على عمر رضي الله عنه عندما عارضه على الصلح يعطي قيمة كبرى بأنه على القيادات الإسلامية من حكام وعلماء ودعاة أن يتحلوا بسعة الصدر وحسن الاستماع للرأي الآخر. وإعطاء المجال لكل ذي رأي أن يعبر عن رأيه بما يخدم المصلحة العامة، لا أن يفتح السجون ويكمم الأفواه. إن النبي × في صلح الحديبية بين أن حرية إبداء الرأي مكفولة في المجتمع الإسلامي، وأن للفرد في المجتمع المسلم الحرية في التعبير عن رأيه، ولو كان هذا الرأي نقدًا لموقف حاكم من الحكام أو خليفة من الخلفاء، فمن حق الفرد المسلم أن يبين وجهة نظره في جو من الأمن دون إرهاب أو تسلط يخنق حرية الكلمة والفكر، وإذا كان هذا موقف رسول الله × مع عمر، فمعارضة رئيس الدولة – من باب أولى – في رأي من الآراء وموقف من المواقف ليست بحد ذاتها جريمة تستوجب العقاب، ويغيب صاحبها في غياهب السجون( ), كما أن الهدى النبوي الكريم يعلمنا كيف يربي أصحابه من خلال الأحداث. ولقد نال على رضي الله عنه في الحديبية مع من حضر من أصحاب رسول الله، رضا الله عز وجل ونزل فيهم قوله تعالى: + لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ" [الفتح:18]، وقال رسول الله ×: «لن يدخل أحد النار بايع تحت الشجرة»( ), وقد نال على رضي الله عنه وإخوانه مثل أبى بكر وعمر وغيرهما من قبل في بدر وسامًا عظيمًا وشرفًا عاليًا، فقد قال رسول الله في أهل بدر: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»( ).


يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق