إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 22 أبريل 2014

المقدمة تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة



المقدمة

تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة



إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ" [آل عمران: 102]. +يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" [النساء:1]. +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ? يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" [الأحزاب:70، 71].
يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، أما بعد..
هذا الكتاب الرابع في دراسة عهد الخلافة الراشدة، فقد صدرت عدة كتب عن الصديق والفاروق وذي النورين، وقد سميت هذا الكتاب:«سيرة أمير المؤمنين علىَّ بن أبى طالب، شخصيته وعصره»، ويتحدث هذا الكتاب عن أمير المؤمنين علىَّ من الميلاد حتى الاستشهاد، فيبدأ بالحديث عن اسمه ونسبه ولقبه ومولده وأسرته وقبيلته، وإسلامه، وأهم أعماله في مكة، وعن هجرته، ومعايشته للقرآن الكريم وأثرها عليه في حياته، وعن تصوره عن الله والكون والحياة والجنة والنار والقضاء والقدر، وعن مكانة القرآن الكريم عنده، وما نزل فيه من القرآن الكريم، وعن الأصول والأسس التي سار عليها أمير المؤمنين علىٌّ في استنباط الأحكام من القرآن الكريم وفهم معانيه، وعن تفسير أمير المؤمنين علىٍّ لبعض الآيات الكريمة، وعن ملازمته لرسول الله × منذ طفولته، ومعرفته العميقة بمقام النبوة وكيفية التعامل معه، فقد أوضح معالمه بأقواله وأفعاله، وكان حريصًا على تعليم الناس وحثهم على الاقتداء برسول الله × في أقواله وأعماله وتقريراته. فبيَّن وجوب طاعة النبي × ولزوم سنته والمحافظة عليها، وأوضح دلائل نبوة الرسول × وفضله وبعض حقوقه على أمته×. ويجد القارئ الكريم نماذج من اتباع أمير المؤمنين علىٍّ للسنة النبوية المطهرة، ويتحدث الكتاب عن أسماء بعض الرواة عن أمير المؤمنين علىٍّ من الصحابة والتابعين وأهل بيته.
وينتقل الكتاب بالقارئ إلى حياة أمير المؤمنين في المدينة في عهد النبي × فيتكلم عن زواج أمير المؤمنين علىٍّ من السيدة فاطمة رضي الله عنها، وما في هذا الزواج من دروس وعبر في المهر والجهاز، والزفاف والمعيشة والزهد، وصدق لهجة السيدة فاطمة وسيادتها في الدنيا والآخرة، وترجمت للحسن والحسين رضي الله عنهما ترجمة مختصرة، وبينت فضلهما وما ورد فيهما من أحاديث عن رسول الله ×، وتكلمت عن مفهوم أهل البيت عند أهل السنة، وما يخصهم من أحكام، كتحريم الزكاة عليهم، وكونهم لا يرثون رسول الله ×، وحقهم في خمس الخمس في الغنيمة والفيء، والصلاة عليهم مع النبي ×، ووجوب محبتهم واحترامهم ومودتهم، وبينت مواقف أمير المؤمنين في سرايا رسول الله وغزواته، كبدر وأحد والخندق، وبنى قريظة، والحديبية وخيبر، وفتح مكة، وغزوة حنين، وعن استخلاف النبي × لعلىٍّ على المدينة في غزوة تبوك 8هـ وحج أبى بكر بالناس، ودور علىٍّ رضي الله عنه الإعلامى، ووفد قد نصارى نجران وآية المباهلة، وإرسال النبي × عليًا داعيًا وقاضيًا لليمن، وأقضيته التي حكم بها في اليمن السعيد الحبيب، ومواقف علىٍّ في حجة الوداع، وقصة الكتاب الذي هم النبي × بكتابته في مرض موته، وعن العلاقة بالخلفاء الراشدين، ومكانته في دولة الخلافة الراشدة، فتكلمت عن مبايعته لأبى بكر بالخلافة ومساندته له في حروب الردة، وتقديمه وتفضيله للصديق، وإقتدائه به في الصلوات وقبول الهدايا منه، وأشرت إلى العلاقة بين الصديق والسيدة فاطمة وقصة ميراث النبي ×، ورددت على الشبهات الرافضية حول قصة الميراث ونسفت حججهم وأدلتهم بالبراهين القاطعة والأدلة الناصعة، وكشفت الستار عن رواياتهم الضعيفة والموضوعة، وأثبت محبة السيدة فاطمة للحق والتزامها بالشريعة، واحترامها لخليفة رسول الله أبى بكر، وتسامحها معه، واحترام أهل البيت للصديق والمصاهرات المتبادلة بين آل الصديق وأهل البيت، ومحبتهم له وتسمية أولادهم عليه، وتحدثت عن مساهمات علىٍّ في عهد الفاروق في الأمور القضائية، والتنظيمات المالية والإدارية واستخلاف عمر لعلىٍّ على المدينة مرارًا، ومشاورته له في أمور الجهاد وشئون الدولة، وعن العلاقة الحميمة المتينة بين الفاروق وأهل البيت، وزواج عمر من أم كلثوم بنت على بن أبى طالب، وحقيقة هذا الزواج الميمون المبارك، وتركت الحجج الدامغة، والبراهين الساطعة تنسف الأكاذيب من جذورها فتركتها قاعًا صفصفًا، وأخذت الحقائق التاريخية ترسم لنا حقيقة المحبة والمودة بين الصحابة الكرام، كما جاءت في القرآن الكريم، ووضحت بيعة على لعثمان رضي الله عنه ورددت على الأكاذيب التي ألصقت بها، وتحدثت عن جهوده في دعم دولة ذي النورين، ودفاعة عنه أمام الغوغاء، ومواقفة في فتنة مقتلة في بدايتها، وأثناء الحصار، وبعد استشهاده، وتحدثت عن المصاهرة بين آل عثمان، وأتيت بأقوال علىًّ في الخلفاء الراشدين الذين سبقوه، والتي تدل على محبتهم واحترامهم ومودتهم، والبراءة ممن يسبهم ويشتمهم وإقامة حد المفتري على من يسب الشيخين، ولا يتمالك القارئ المسلم نفسه من البكاء وهو يتأمل في أقوال أمير المؤمنين في الخلفاء وتعامله مع ذلك الجيل القرآني الفريد وساداته الكرام. قال الشاعر.
ومن عجب أنى أحن إليهم
            وأسأل عنهم من لقيت وهم معى


وتطلبهم عينى وهم في سوادها
        ويشتاقهم قلبى وهم بين أضلعى


وقال الشاعر:
إنى أحب أبا حفص وشيعته
        كما أحب عتيقًا صاحب الغار

وقد رضيت عليًا قدوة وعلمًا
            ما رضيت بقتل الشيخ في الدار


كل الصحابة سادتى ومعتقدى
        فهل علىَّ بهذا القول من عار


هذا وقد تحدثت عن بيعة علىٍّ بالخلافة وكيف تمت، وعن أحقيته بها، وإجماع الصحابة على ذلك، وبيعة طلحة والزبير له طوعًا بدون ضغط أو إكراه، وانعقاد الإجماع على خلافته، وشروط أمير المؤمنين في بيعته، أول خطبة له، وأهل الحل والعقد في دولته، وشيء من فضائله وأهم صفاته وقواعد نظام حكمه، وتوسعت في الحديث عن صفاته، فبينت علمه الواسع وفقهة الغزير، وزهده، وتواضعة، وكرمه وجوده، وحياءه، وشدة عبوديته، وصبره، وإخلاصه، وشكره لله، ودعاء الخاشع، وعن المرجعية العليا لدولته، وسيرها على كتاب الله وسنة رسول ×، والاقتداء بالخلفاء الراشدين الذين سبقوه، وعن حق الأمة في الرقابة على الحكام، والشورى، والعدل والمساواة، والحريات، وعن حياته في المجتمع واهتمامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعوته للتوحيد ومحاربته للشرك، وتعريفه الناس بأسماء الله وصفاته، وبنعم الله المستوجبة لشكره، وحرصه على محو آثار الجاهلية، وحرصه على بطلان الاعتقاد بالكواكب، وإحراقة لمن غلوا فيه وادعوا فيه الألوهية، وحديثه عن كيفية بداية الإيمان في القلب وتعريفه للتقوى، ومفقهوم القضاء والقدر، وكيف يحاسب الله العباد على كثرة عددهم.
ونقلت شيئًا من خطبة ومواعظة، وما ينسب إليه من شعر، أو يتمثل به في مناسبات عديدة، واخترت مجموعة قيمة من حكمه التي سارت مضرب المثل بين الناس، وتكلمت عن حديثه عن صفات خيار العباد، وعن تطوع النبي ×، ووصف الصحابة الكرام، وتحذيره من الأمراض الخطيرة التي تصيب القلوب، كطول الأمل واتباع الهوى، والرياء، والعجب، وعن اهتمامه بترشيد الأسواق، ومحاربته للبدع، والأعمال التي تخالف الشرع في أوساط الناس، وتحدثت عن المؤسسات التي في دولته، كالمالية، والقضائية، ومؤسسة الولاة، وعن الخطة القضائية والتشريعية في عهد الخلفاء الراشدين، والمصادر التي اعتمدها الصحابة في ذلك العهد، وعن ميزات القضاء في عهد الراشدين، وعن أشهر قضاة أمير المؤمنين على، وعن أسلوبه القضائي، ونظرته للأحكام الصادرة قبله، والمؤهلين للقضاء، ومجانية الحصول على الحكم، وعن اجتهاداته الفقهية في العبادات، والمعاملات المالية، والحدود والقصاص والجنايات. وأشرت إلى مسألة حجية قول الصحابى والخلفاء الراشدين، وبينت في حديثى عن مؤسسة الولاة، وأقاليم الدولة في عهده وما وقع في كل إقليم، من أمور جسام، وتكلمت عن منجهه في تعيين الولاة، ومراقبته لعماله وبعض توجيهاته، والصلاحيات الممنوحة للولاة..من تعيين وزراء مع كل وال في كل أقليم، وتشكيل مجالس الشورى وإنشاء الجيوش في كل ولاية، وترسيم السياسة الخارجية في مجال الحرب والسلم والحفاظ على الأمن الداخلي وتشكيل الجهاز القضائي في كل ولاية، والنفقات المالية، والعمال التابعين لكل ولاية ومتابعتهم ودور العرفاء والنقباء في تثبيت نظام الولايات، ووضحت بعض المفاهيم الإدارية من أقوال أمير المؤمنين على رضي الله عنه، كتأكيده على العنصر الإنساني، وعامل الخبرة والعلم، والعلاقة بين الرئيس المرءوس، ومكافحة الجمود، والرقابة الواعية، والضبط، والمشاركة في صنع القرار، وحسن الاختيار لدى الوالى والضمانات المادية والنفسية لموظفى الدولة، ومرافقة ذوي الخبرة، ومفهوم الإدارة الأبوية، وكون التوظيف يتم عبر الضوابط وليس الروابط الشخصية، ثم انتقلت إلى المشاكل الداخلية في عهد علىٍّ رضي الله عنه، فتحدثت عن معركة الجمل مبتدئًا بالأحداث التي سبقتها وعن أثر التنظيم السبئي في اندلاعها، ودور عبد الله بن سبأ في إذكاء الفتن الداخلية، وعن اختلاف الصحابة في الطريقة التي يؤخذ بها القصاص من قتلة عثمان، وعن موقف السيدة عائشة أم المؤمنين، وطلحة والزبير ومعاوية بن أبى سفيان ومن كان معهم في الإسراع بالقصاص من قتلة عثمان، وبينت موقف معتزلى الفتنة، كسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبى موسى الأشعرى، وعمران بن حصين وأسامة بن زيد ومن سار عن نهجهم، وتكلمت عن موقف المتريثين في تنفيذ القصاص حتى تستقر الأحوال، كأمير المؤمنين علىٍّ، وعن محاولات الصلح قبل اندلاع معركة الجمل، وعن نشوب القتال، وجولته الأولى والثانية، واستشهاد طلحة والزبير، ومبايعة أهل البصرة لعلىٍّ رضي الله عنه، وعن موقف علىٍّ رضي الله عنه من أم المؤمنين عائشة وكيف عاملها واحترمها وقدرها وردها إلى المدينة معززة مكرمة، وأشرت إلى فضائلها وشيء من سيرتها، كما ترجمت للزبير وطلحة رضي الله عنهما لكونهما من الشخصيات المؤثرة في عهد النبوة والخلافة الراشدة وفي عهد أمير المؤمنين علىٍّ، ودافعت عنهما دفاعًا عن الحق لكونهما ظُلما، فبينت فضلهما ومكانتهما في الإسلام، ورددت على الشبهات والأكاذيب التي ألصقت بهما من خلال إثبات الحقائق الناصعة، والحجج الدامغة، وصفاتهما الرفيعة، وأخلاقهما الكريمة، بحيث يخرج القارئ المسلم بمعرفة حقيقية لا لبس فيها ولا غموض، لهذه الشخصيات الفذة، فلا يتأثر بالروايات الضعيفة، ولا القصص الموضوعة التي وضعها مؤرخو الشيعة الرافضة، والتي شوهت ثقافة الناس عن هذه الشخصيات العظيمة، فالحديث عن ترجمة عائشة، أو طلحة والزبير، أو غيرهم من كبار الصحابة، الذين ساهموا في الأحداث التي وقعت في عهد أمير المؤمنين علىٍّ رضي الله عنه ينسجم مع منهجي في دراسة شخصية أمير المؤمنين وعصره، والشخصيات التي أثرت في ذلك العهد ملتزمًا في طرحى بمنهج أهل السنة والجماعة جملة وتفصيلاً، أصولاً وفروعًا.
قال الشاعر أبو محمد القحطانى:
أكرم بطلحة والزبير وسعدهم
        وسعيدهم وبعابد الرحمن
   


وأبى عبيدة ذى الديانة والتقى
        وامدح جماعة بيعة الرضوان

قل خير قول في صحابة أحمد
        وامدح جميع الآل والنسوان


دع ما جرى بين الصحابة في الوغى
        بسيوفهم يوم التقى الجمعان

فقتيلهم منهم وقاتلهم لهم
        وكلاهما في الحشر مرحومان

والله يوم الحشر ينزع كل ما
        تحوى صدورهم من الأضغان

لا تركنن إلى الروافض إنهم
        شتموا الصحابة دون ما برهان

لعنوا كما بغضوا صحابة أحمد
        وودادهم فرض على الإنسان

حب الصحابة والقرابة سنة
        ألقى بها ربى إذا أحياني

وقال أيضًا:
إن الروافض شر من وطئ الحصى
        من كل إنس ناطق أو جان

مدحوا النبي وخونوا أصحابه
        ورموهم بالظلم والعدوان

حبوا قرابته وسبوا صحبه
        جدلان عند الله منتقصان


فكأنما آل النبي وصحبه
        روح يضم جميعها جسدان

فئتان عقدهما شريعة أحمد
        بأبى وأمي ذانك الفئتان

فئتان سالكتان في سبيل الهدى
        وهما بدين الله قائمتان

هذا وقد تحدثت عن معركة صفين، ودوافع معاوية رضى الله عنه في عدم البيعة، والمراسلات التي تمت بينه وبين علىًّ رضي الله عنه، ومحاولاتع الصلح، ونشوب القتال، والدعوة إلى التحكيم، ومقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه وأثره على المسلمين، وعن المعاملة الكريمة من الطرفين أثناء الحرب والمواجهة، ومعاملة الأسرى، وعدد القتلى، وترحم أمير المؤمنين على رضي الله عنه على قتلى الطرفين، ونهيه عن شتم معاوية ولعن أهل الشام، ثم تكلمت عن قصة التحكيم، فترجمت ليسرة أبى موسى الأشعرى وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، وبينت بطلان الأكاذيب والقصص الواهية، والموضوعة التي ألصقت بهما في حادثة التحكيم، وأشرت إلى كيفية الاستفادة من قصة التحكيم في فض النزاعات بين الدول الإسلامية. وركزت على موقف أهل السنة من تلك الحروب، وحذرت من بعض الكتب التي شوهت تاريخ الصحابة بالظلم والعدوان، ككتاب الإمامة والسياسة المنسوب زورًا لابن قتيبة، وكتاب الأغاني للأصفهاني، وتاريخ اليعقوبي، والمسعودي وغيرهم من الكتب المنحرفة عن منهج أهل السنة والجماعة، وبينت دور المستشرقين في تحريف التاريخ الإسلامي وتزويره وتشويهه، وكيف استفادوا من كتب الشيعة الروافض، وكيف أسسوا مدرسة معارضة ساهمت في تلويث الأفكار، وتحريف الوقائع وطمس الحقائق، وتوسيع النقاط السوداء في تاريخنا مع المبالغة والتهويل تحت شعارات براقة، كالبحث العلمي النزيه، والواقعية، والموضوعية والحياد، وتبنى تلك الأفكار التدميرية مجموعة من أبناء المسلمين؛ ينتمون للإسلام، لا يحسنون فهمه، ولا عرضه، ولا العمل به، ولا الدفاع عنه، بل تورطوا في شباك أعداء الإسلام الذين يعملون على تشويه تاريخ هذه الأمة وحضارتها التي صنعها دينها العظيم.
هذا وقد قمت بدراسة موضوعية علمية في الفصل الأخير عن الخوارج والشيعة الرافضة، فبينت نشأة الخوارج وعرفت بهم، وذكرت الأحاديث النبوية التي تضمنت ذمهم، وانحيازهم إلى حروراء، ومناظرة ابن عباس لهم، وسياسة أمير المؤمنين في التعامل معهم، وأسباب مقاتلته لهم، ونشوب القتال معهم، وقصة ذي الثدية أو المخدج، وأثر مقتله على جيش علىٍّ رضي الله عنه، ووقفت مع الأحكام الفقهية التي اجتهد فيها أمير المؤمنين علىٍّ في معاركة في الجمل وصفين ومع الخوارج، وكيف اعتمد عليها الفقهاء فيما بعد، ودونوها في كتبهم بما يعرف بأحكام فقه البغاة، وأشرت إلى أهم صفات الخوارج في عهد أمير المؤمنين علىًّ، كالغلو في الدين، والجهل به، وشق عصا الطاعة، والتكفير بالذنوب واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، والطعن والتضليل، وسوء الظن، والشدة على المسلمين، وناقشت بعض الآراء الاعتقادية للخوارج، كتكفير صاحب الكبيرة، ورأيهم في الإمامة، وطعنهم في بعض الصحابة وتكفيرهم لعثمان وعلى رضي الله عنهما، وتطرقت لأسباب انحراف الخوارج ونزعاتهم في العصر الحديث، كالجهل بالعلوم الشرعية بسبب الإعراض عن العلماء، والقراءة من الكتب بدون معلم، وغلوهم في ذم التقليد، وتخلى كثير من العلماء عن القيام بواجبهم، وشيوع الظلم والتحاكم للقوانين الوضعية، وانتشار الفساد بين الناس، وعدم تزكية النفوس، وأشرت إلى أهم مظاهر غلوهم، كالتشدد في الدين على النفس والتعسير على الآخرين، والتعالم والغرور، والاستبداد بالرأي وتجهيل الآخرين، والطعن في العلماء العاملين، وسوء الظن، والشدة والعنف مع الاخرين، وتكفير المسلمين.
وتكلمت عن فرقة الشيعة الرافضة، فبينت معنى الشيعة في اللغة والاصطلاح، ومعنى الرفض في اللغة والاصطلاح، وسبب تسميتهم بالرافضة، ونشأتهم ودور اليهود في ذلك، والمراحل التي مر بها الشيعة، وأهم عقائد الشيعة الرافضة، وموقف أمير المؤمنين وعلماء أهل البيت من تلك العقائد المنسوبة إليهم، كعقيدة الإمامة وحكم من جحدها، والعصمة ومناقشة أدلتهم على العصمة وبيان بطلانها، وكذلك أدلتهم على النص من القرآن الكريم؛ كآية التطهير، والمباهلة، والولاية، وأدلتهم المزعومة من السنة، كخطبة غدير خم، وحديث: «أنت منى كمنزلة هارون من موسى»، وبيان الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي استدلوا بها على الإمامة، كحديث الطائر، وحديث الدار، وأنا مدينة العلم وعلىّ بابها، وألحقت بالكتاب فهرسًا للأحاديث الضعيفة والموضوعة التي يحتج بها الشيعة الرافضة لتحذير المسلمين من الوقوع في حبائلهم، وبينت حقيقة التوحيد عند الشيعة الرافضة، وكيف حرفوا نصوص التوحيد وجعلوها في ولاية الأئمة، وجعلوا الإمامة أصل قبول الأعمال، واعتقادهم أن الأئمة هم الواسطة بين الله وخلقه، وقولهم لا هداية للناس إلا بالأئمة، ولا يقبل الدعاء إلا بأسماء الأئمة، وكون الحج إلى المشاهد الشيعية أعظم عندهم من الحج إلى بيت الله، وكون الإمام عندهم يحرم ما يشاء ويحل ما يشاء، وأن الدنيا والآخرة للإمام يتصرف فيهما كيف يشاء، وإسناد الحوادث الكونية إلى الأئمة، وقولهم: إن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم شيء، وغلوهم في الإثبات، وحقيقة التعطيل عندهم، ومسألة خلق القرآن، ومسألة رؤية الله عز وجل في الآخرة، وتفضيلهم الأئمة على الأنبياء والرسل، وموقفهم من القرآن الكريم واعتقاد بعض علمائهم بتحريف كتاب الله عز وجل والرد عليهم، وموقف الشيعة الرافضة من الصحابة الكرام والسنة النبوية المطهرة، ومفهوم التقية عند القوم، وعقيدة المهدي المنتظر عندهم، والرجعة، وقولهم بالبداء على الله سبحانه وتعالى، وقد بينت موقف أمير المؤمنين على بن أبى طالب وأئمة أهل البيت الأطهار، وعلماء أهل السنة من تلك العقائد الفاسدة والمنحرفة عن كتاب الله تعالى، والتزمت في مناقشتي بالأدب والابتعاد عن السب والشتم، ومناقشة القوم من خلال أصولهم وكتبهم المعتمدة، والحرص على بيان الحقيقة لمحبى أهل البيت من الشيعة ودعوتهم بالاقتداء بأمير المؤمنين علىٍّ رضي الله عنه، وتحذيرهم من المندسين تحت عباءة أهل البيت لغرض إفساد عقائد الناس وإبعادهم عن كتاب الله وسنة رسول الله ×، كما أن هناكم رغبة صادقة مخلصة لتعريف الجمهور العريض من أهل السنة بحقيقة هؤلاء الشيعة الرافضة، فالقضية لها وجودها وآثارها بين الشعوب في أفريقيا، وآسيا وأوروبا والأمريكتين، ودعاة التشيع الرافض نشطون في دعوتهم المنحرفة يبذلون في سبيلها الغالي والنفيس، ويتحالفون مع خصوم الإسلام الصحيح لضربه والقضاء عليه، وتشويه منهجه، وهذا ليس بجديد، وأهل السنة- إلا من رحم الله – في استرخاء عجيب، ونوم عميق وغفلة عما يراد بهم، وبعضهم يقول: إن الصراع السنى الشيعي الرافضى قد عفا عليه الزمن، وهذا الكلام عار من الحقيقة، ودليل على الجهل، وفي طياته خداع لجمهور المسلمين العريض، باسم التقريب وتوحيد الصف الإسلامي.
إن المنهج الصحيح للتقريب هو أن يقوم علماء أهل السنة بجهد كبير لنشر اعتقادهم الصحيح المنبثق من كتاب الله وسنة رسول الله ×، وبيان صحته وتميزه عن مذهب أهل البدع، فأهل السنة والجماعة هم المتبعون لما كان عليه رسول الله× وأصحابه ونسبتهم إلى سنة الرسول × التي حث على التمسك بها بقوله ×: «فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»( )،وحذر من مخالفتها بقوله: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»( )، وقوله: «من رغب عن سنتي فليس مني», وهذا بخلاف غيرهم من أهل الأهواء والبدع الذين سلكوا مسالك لم يكن عليها الرسول ×، فأهل السنة ظهرت عقيدتهم بظهور بعثته ×- وهي محفوظة بحفظ الله لها في كتابه وسنة رسول ×، وأهل الأهواء ولدت عقائدتهم بعد زمنه ×، ومنها ما كان في آخر عهد الصحابة، ومنها كان بعد ذلك، والرسول × أخبر من عاش من أصحابه سيدرك هذا التفرق والاختلاف فقال: «وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا»( ), ثم أرشد إلى سلوك الصراط المستقيم، وهو أتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين، وحذر من محدثات الأمور، وأخبر بأنها ضلال، وليس من المعقول ولا المقبول أن يُحجب حق وهدى عن الصحابة رضي الله عنهم، ويدخر لأناس يجيئون بعدهم، فإن تلك البدع المحدثة كلها شر، ولو كان في شيء منها خير لسبق إليه الصحابة، لكن ابتُلى به كثير ممن جاء بعدهم ممن انحرفوا عما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، وقد قال الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، ولذا فإن أهل السنة ينتسبون إلى السنة وغيرهم بنتسبون إلى نحلهم الباطلة، أو إلى أسماء أشخاص معينين.
إن المنهج الأصيل للتقريب هو بيان الحق وكشف الباطل وتقريب الشيعة إلى كتاب الله وسنة رسوله×، وفهم الإسلام الصحيح من خلال علماء أهل السنة، وعلى رأسهم فقهاء وعلماء أهل البيت، كأمير المؤمنين على رضي الله عنه وأبنائه وأحفاده، كما أنه ينبغي التنويه، وتشجيع الأصوات الإصلاحية الشيعية الصادقة واحترامها وتقديرها والوقوف معها في نصيحة أقوامها، كالذي قال به السيد حسين الموسوى في كتابه القيم: «لله ثم للتاريخ، كشف الأسرار وتبرئه الأئمة الأطهار» وكالجهد العلمي الذي قام به السيد أحمد الكاتب مشكورًا في كتابه «تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه»، وعلينا أن نقف مع كل محب صادق لأهل البيت مقتفيًا آثارهم الصحيحة وهديهم الجميل في إرشاد الناس لكتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، ونعاملهم بكل احترام وتقدير، ونأخذ بأيديهم نحو شواطئ الأمان، ونحثهم على إعمال العقل، وتحريره من أغلاله، وإزاحة الركام الثقيل من الأباطيل التي على الفطرة حتى تأخذ العقول النيرة، والفطرة السليمة مجالها في الوصول للحقيقة التي لها نور ساطع وبريق لامع لا تخفيه الغيوم.
وعلى علماء أهل السنة أن يلتزموا أسلوب البحث العلمي الهادئ في مناقشة بدع المبتدعة وأن يترفقوا معهم، وقد يكون من تمام الترفق زيارتهم ومعاونتهم في الحدود التي لا خلاف فيها، أو نجدتهم في الملمات وأيام المصاعب، أو نصرهم إذا كانوا في نزاع مع الكافر أو الظالم لهم، وفق فقه السياسة الشرعية الخاضعة للمصالح والمفاسد، إلا أن هذا الأصل في التعاون وحسن العلاقة وهدوء البحث لا يمكن أن يطرد دائمًا ليشمل من يأتي من الشيعة الرافضة بغلو قد يكون في السكوت عنه تحريك الغوغاء والدهماء، بل الواجب أن ننكر على أهل الغلو الشديد الأقوال الشاذة في كل الأحوال، والحد المميز بين الطائفتين؛ الأولى التي نترفق معها في الكلام، والثانية التي نغلظ لها الكلام، إنما يكون كامنًا في مدى اعتماد القائل على نص شرعي تتكون منه شبهة، أو على تأويل قد تميل إليه بعض الأذهان، وأما من يتبع غرائب النقول عن المجاهيل والمتأخرين ومن لا تاويل له، فالإنكار منا تجاهه أولى، وربما كان الإغلاظ في إنكار بدعته أوجب.
قال الشاعر:
واحذر مجادلة الرجال فإنها
        تدعو إلى الشحناء والشنآن

وإذا اضطررت إلى الجدال ولم تجد
        بك مهربًا وتلاقت الصفان

فاجعل كتاب الله درعًا سابغًا
        والشرع سيفك وابد في الميدان

والسنة البيضاء دونك جُنة
        واركب جواد العزم في الجولان

واثبت بصبرك تحت ألوية الهدى
        فالصبر أوثق عدة الإنسان

واطعن برمح الحق كل معاند
        لله در الفارس الطعان

واحمل بسيف الصدق حملة مخلص
        متجردًا لله غير جبان

كما أن علماء أهل السنة وأهل الحل والعقد منهم في المجتمعات الطائفية لهم دور كبير في قيادة المسلمين نحو الخير. فهم الذين يقدرون المواقف السياسية والتحالفات الحزبية مع الطوائف الأخرى وفق فقه المصالح والمفاسد الذي تضبطه قواعد السياسة الشرعية، وهذا لا يمنع العلماء والدعاة من تعليم المسلمين أصول منهج أهل السنة وتربيتهم عليه ودعوة الناس إليه، والتحذير من العقائد الفاسدة المندسة في أوساط المسلمين حتى لا يتأثروا بها، والتي يجتهد دعاتها في نشرها بالليل والنهار، والسر والإعلان بدون ملل ولا كلل، ولنا أسوة حسنة في رسول الله × إبان هجرته للمدينة عندما عقد المعاهدات مع اليهود التي تؤمن لهم حياة كريمة في ظل الدولة الإسلامية، وكان القرآن الكريم في نفس الوقت يتحدث عن عقائد اليهود وتاريخهم وأخلاقهم حتى يتعرف المسلمون على حقيقة الشخصية اليهودية فلا ينخدعون بها، وعندما غدر اليهود كان الصف الإسلامي محصنًا ضد هذه الطائفة.
إن الدارس لحركة التاريخ الإسلامي، كمرحلة الحروب الصليبية في عهد نور الدين وصلاح الدين، وزمن العثمانيين في عهد السلطان محمد الفاتح وغيره، المربطين في عصر يوسف بن تاشفين، يلاحظ أن عوامل النهوض، وأسباب النصر كثيرة منها: صفاء العقيدة، ووضوح المنهج، وتحكيم شرع الله في الدولة، ووجود القيادة الربانية التي تنظر بنور الله، وقدرتها على التعامل مع سنن الله في تربية الأمم، وبناء الدول وسقوطها، ومعرفة علل المجتمعات، وأطوار الأمم، وأسرار التاريخ، ومخططات الأعداء من الصليبيين واليهود والملاحدة والفرق الباطنية، والمبتدعة، وإعطاء كل عامل حقه الطبيعي في التعامل معه، فقضايا فقه النهوض، والمشاريع النهضوية البعيدة المدى متداخلة متشابكة لا يستطيع استيعابها إلامن فهم كتاب الله عز وجل وسنة رسول ×، وارتبط بالفقه الراشدي المحفوظ عن سلفنا العظيم، فعلم معالمه وخصائصه وأسباب وجوده وعوامل زواله، واستفاد من التاريخ الإسلامي وتجارب النهوض، فأيقن أن هذه الأمة ما فقدت الصدارة قط وهي وفية لربها ونبيها ×، وعلم أن الهزائم العسكرية عرض يزول، أما الهزائم الثقافية فجرح مميت، والثقافة الصحيحة تبني الإنسان المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والدولة المسلمة على قواعدها المتينة من كتاب الله وسنة رسوله × وهدى الخلفاء الراشدين ومن سار على نهجهم، وعبقرية البناء الحضاري الصحيح هي التي أبقت صرح الإسلام إلى يومنا هذا- بعد توفيق الله وحفظه.
فعلينا أن نعمل لهذا الدين، وسعادتنا ليست باقتطاف الثمر العاجل، وإنما في الشعور بتوفيق الله والأمل في رضاه. إننى في دراستي لعهد الخلافة الراشدة حاولت أن أنتقى الكلمات وأصف الأسطر والجمل لتجلية عهد الخلافة الراشدة، من خلال الروايات الصحيحة، لكي يستفيد أبناء المسلمين من تلك الحقبة العلم الغزير والفقة الدقيق، وشمولية فهم الإسلام، فلعل الله سبحانه أن يبارك في هذا الجهد وينتفع به أولئك  الدعاة الذين لا نعرف أسماءهم، ولكن سيرى التاريخ آثارهم وسيقيلون العالم الإسلامي من عثرته وينهضون به من كبوته، أولئك الربانيون المتجردون الذين عرفوا الحق واستشعروا السعادة في نصرته، وتعصبوا له، ودافعوا عنه، ووقفوا بجابنه على رقة الحال وقلة النصير. فأخذ الله بأيديهم لصدقهم وإخلاصهم ومتابعتهم للنبي ×، وأولئك العلماء، وطلاب العلم الذين توزن مداد أقلامهم بدماء الشهداء، وأولئك التجار الذين يقفون خلف موكب الدعوة بأموالهم وثرواتهم وأنفسهم ولسان حالهم يقول: +لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا ? إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا" [الإنسان:9، 10] وأولئك الجنود المجهولون في هذه الدنيا ولكنهم غدًا أعلام شامخة في ربُى الخلد. إن العواصف العاتية تهب بعنف تريد اجتياح إسلامنا وديننا وعقيدتنا من جذورها، وجهود خصوم الإسلام من الصليبية واليهودية والعلمانية والباطنية والمبتدعة تستبيح قادتنا وكبراءنا في ميدان العلم والأدب والسياسة وتريد تشويه تاريخنا فعندما نكون أمة بدون تاريخ، فلن نكون أمة صالحة. فما قيمة أمة ليس لها رجال؟ وما قيمة دين لم يصنع رجالاً على تراخي العصور؟ فهل يمكننا أن نستلهم من الدروس والعبر من تاريخنا، ما يخزى أعداء الله ويرد كيدهم في نحورهم، وما يساعدنا على استئناف رسالتنا ودعم حضارتنا؟
إن الإنسانية تترنح في هذه الآونة الكالحة من التاريخ لبعدها عن منهج الله تعالى، والدواء عند المسلمين وحدهم، فهل ينصفون أنفسهم، وينقذون الآخرين؟ قال الشاعر:
ومن العجائب والعجائب جمة
        قرب الحبيب وما إليه وصول

كالعيس في البيداء يقتلها الظما
        والماء فوق ظهورها محمول

فهل من عودة إلى الإسلام، تزكي السرائر، وتبني الأخلاق، وتصلنا بالقرآن الكريم، وتشعرنا بشرف الانتماء إلى محمد ودينه، وضرورة العمل بدعوته وسنة خلفائه الراشدين، أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وسائر أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين، ونكون حلقه موصولة في دعم رسالة الحبيب × التي استوعبت الزمن كله.
وقبل الحديث عن المصادر والمراجع التي تعاملت معها، لابد من الاعتراف بأن هذا الجهد، لولا توفيق الله سبحانه وتعالى، ثم جهود علماء أهل السنة وطلاب العلم، ممن ساروا على منهجهم، ما استطعت أن أبحر في هذا البحر العميق، ولذلك أقرر بأنني استفدت من الرسائل العلمية التي طبعت والتي لم تنشر، من حيث المادة والمنهج، والحكم على الروايات، والرجوع إلى المصادر الحديثة، والتاريخية وغيرها مع محاولة التطوير والاستفادة من جهود الآخرين في البناء، وأخص بالذكر الدكتور أكرم ضياء العمري الذي أشرف وناقش الكثير من هذه الرسائل في هذا المجال، فقد استفدت من كتبه، كالسيرة النبوية الصحيحة، وعصر الخلافة الراشدة، ومن الرسائل التي أشرف عليها، كرسالة الدكتور يحيى اليحيى «الخلافة الراشدة والدولة الأموية من فتح الباري جمعًا وتوثيقًا» ورسالة الأستاذ عبد العزيز المقبل في خلافة أبى بكر الصديق رضي الله عنه من خلال كتب السنة والتاريخ دراسة نقدية للرويات باستثناء حروب الردة, ورسالة الدكتور عبد العزيز بن محمد الفريح في تحقيق كتاب «محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» ليوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي الحنبلي، ورسالة الدكتور محمد عبد الله الغبان في فتنة مقتل عثمان بن عفان، ورسالة عبد الحميد على ناصر في خلافة على بن أبى طالب، وغير ذلك من الرسائل الجامعية التي أشرف عليها أساتذة آخرون، كرسالة د. محمد أمحزون في تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الطبري والمحدثين، ورسالة سلمان العودة، عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام، ورسالة الأستاذة أسماء محمد أحمد زيادة، دور المرأة السياسي في عهد النبي × والخلفاء الراشدين، وغير ذلك من الرسائل الجامعية، فالفضل لله سبحانه وتعالى ثم لأساتذتي وإخواني الذين مهدوا لي الطريق، فلهم منى الدعاء بظهر الغيب بأن يتقبل الله جهودهم وتكون في ميزان حسناتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أما المصادر التي في هذه الدراسة المتعلقة بعهد الخلافة الراشدة فقد بدات:
1- كتب الحديث: وقد بدات بالكتب السنة؛ صحيحي البخاري ومسلم وسنن أبى داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، ثم موطأ مالك ومسند أحمد، فبذلت جهدًا لاستخراج المادة التاريخية، التي لها علاقة بعهد الخلافة الراشدة ثم جمعت مادة تاريخية من مصنف عبد الرزاق وابن أبى شيبة ومستدرك الحاكم والسنن الكبرى للبيهقي وسنن سعيد بن منصور، ومسند الحميدي والطيالسي، ومجمع الزوائد وكشف الستار عن زوائد البزار، وموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، ولم أغفل المعجم الكبير للطبراني وسنن الدار قطني، واستفدت من جهود المحققين لما سبق ذكره من كتب الحديث في الحكم على الروايات.
2- كتب شروح الحديث:وأهمها فتح الباري لابن حجر، وشرح النووي على صحيح مسلم ففيهما مادة تاريخية لا يستهان بها، كما أن تعليقات ابن حجر والنووي على بعض الأحداث التاريخية ذات أهمية تاريخية.
3- كتب التفسير: وأهم هذه الكتب، تفسير الطبري، والقرطبي، وابن كثير، وأهتم بتعليقاتهم أكثر من الروايات التي نقلوها حيث إن معظمها ذكر في كتب الحديث والتاريخ.
4- كتب العقائد: وأهم هذه الكتب، منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، وهذا الكتاب استفدت منه فائدة عظيمة، وشرح الطحاوية، والإبانة في أصول الديانة، والاعتقاد للبيهقي، والشريعة للآجرى وغيرها من كتب العقائد، حيث نقلت منها أقوال السلف فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين، ومكانة الصحابة رضي الله عنهم.
5- كتب الفقه: وأهمها المغنى لابن قدامة، والمجموع للنووي، وبداية المجتهد لابن رشد وغيرها من كتب الفقه، حيث استفدت منها في المسائل الفقهية والقضائية التي اجتهد فيها الخلفاء الراشدون.
6- كتب الأدب: حيث استخرجت منها بعض الأبيات المنسوبة للخلفاء الراشدين أو تمثلوا بها، أو استمعوا إليها، ولكون كتب الأدب ليس لها أسانيد وفيها الغث والسمين، لذلك كان اختياري للأبيات الشعرية التي تنسجم مع كتاب الله وسنة رسوله × وأخلاق ذلك الجيل الفريد، ومن أهم هذه الكتب، عيون الأخبار لابن قتيبة، والأدب الإسلامي في عهد النبوة لنايف معروف.
7- كتب الزهد والرقائق: واستخرجت منها أقوال الخلفاء الراشدين في هذا العلم ومن أهم هذه الكتب، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم، ومدارج السالكين لابن القيم، مختصر منهاج القاصدين لأحمد بن عبد الرحمن المقدسى، وغيرها من الكتب.
8- كتب الفرق والمذاهب: وأهم هذه الكتب، الفصل في المل والأهواء والنحل، لأبى محمد بن حزم الظاهري، وأصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية د. ناصر القفاري.
9- كتب في أنظمة الحكم: وأهم هذه الكتب، نظام الحكومة الإسلامية للكتاني: المسمى التراتيب الإدارية، ونظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، لظافر القاسمي.
10- كتب في التراجم: وأهم هذه الكتب، سير أعلام النبلاء للذهبي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لعبد الحي الحنبلي، أسد الغابة، لابن الأثير، سير السلف لأبى القاسم الأصفهاني.
11- كتب في الجرح والتعديل: وأهم هذه الكتب، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ المزى، والجرح والتعديل، لابن أبى حاتم، الثقات لابن حبان، الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدى.
12- كتب التاريخ: وأهمها تاريخ الطبري، وهذا الكتاب نقل إلينا الروايات الصحيحة والضعيفة والموضوعة بأسانيدها، وفيما يتعلق بالعقيدة والأحكام الشرعية والأحداث التي تتعلق بالصحابة، لابد من خضوع الروايات للجرح والتعديل وبيان الروايات الشيعية الرافضية، والكذابين والمجاهيل، وقد استفدت في هذا الشأن من كتاب استشهاد عثمان ووقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري، لخالد الغيث، ومرويات أبى مخنف في تاريخ الطبري، للدكتور يحيى إبراهيم اليحيى، وأثر التشيع على الروايات التاريخية د. عبد العزيز نور ولي، ومن أهم هذه الكتب، البداية والنهاية لابن كثير، وغيرها من الكتب التاريخية.
هذا أهم المصادر التي رجعت إليها مع كم كبير من المراجع الحديثة المتنوعة.
هذا وقد تشددت في تصحيح الروايات أو الحكم عليها فيما يتعلق بالعقائد والأحكام والصحابة رضي الله عنهم، وفي هذا الشأن ما أنا إلا ناقل لأقوال العلماء المتخصصين في هذا العلم، فالفضل لله ثم لهم، واجتهدت في تصوير الحدث التاريخي من الروايات الصحيحة فقدمتها وأخذت بالحسنة ولم أهمل الروايات الضعيفة، فقد أفدت منها في إكمال الصورة التي لا تسدها الروايات الصحيحة والحسنة بما يتوافق مع روح ذلك العصر، لكن فيما لا يتعلق بعقيدة أو شريعة، ودخلت في مناقشات لشبهات وافتراءات الرافضة والمستشرقين وبعض الكتاب المعاصرين، وقد حرصت على طرح منهج أهل السنة فيما يتعلق بالعهد الراشدي والرد على الشبهات، خصوصًا في عهد عثمان وعلى رضي الله عنهما، وقد جدّت أفكار كثيرة من بعض الإخوة الأعزاء حول دراسة عهد الخلافة الراشدة، والعزم ماض بإذن الله على تطويرها، بما يلائم ذلك العصر الزاهر ونسأل الله تعالى السداد والتوفيق.
هذا وقد أفردت خامس الخلفاء الراشدين، الحسن بن على بن أبى طالب بدراسة خاصة نظرًا لأهمية اجتهاداته في فقه السياسة الشرعية وفقه المصالح والمفاسد، وما كان يملكه من رؤية إصلاحية توجت بتنازله عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه، وما تعرض له أثناء اتخاذه الخطوات التنفيذية لتلك الرؤية من عوائق ومصائب، وما تميزت به شخصيته الفذة من قدرة على امتلاك مشروع إصلاحي وعزم على التنفيذ كان سببًا في توحيد الأمة وتحقيق نبوءة النبي × في قوله: «ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين»،وبتنازل الحسن بن على عن الخلافة ومبايعته معاوية رضوان الله عليهم أجمعين تنتهي بذلك فترة خلافة النبوة وهي ثلاثون سنة، والحجة في ذلك قول رسول الله ×: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك، أو ملكة من يشاء» ( )، وقوله ×: «الخلافة في أمتى ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» ( )،وقد علق ابن كثير على هذا الحديث فقال: وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن على، فإنه نزل على الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله  ×، فإنه توفى في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليمًا( ). وبذلك يكون الحسن بن على رضي الله عنه خامس الخلفاء الراشدين، وبإذن الله تعالى سوف يكون مع كتاب الحسن بن على خلاصات مهمة فيما يتعلق بدراسة عهد الخلافة الراشدة من معالمها وخصائصها، وأسباب زوالها، ونظام حكمها وصفات جيلها، وقادتها ودستورها، وإدارة الأزمات فيها، واستنباط قوانين وسنن للنهوض، ومكانة المرأة في العهد الراشدي، ومؤسسات الدولة، وفقه القدوم على الله عند ذلك الجيل.
هذا وقد حرصت على تناول شخصية أمير المؤمنين علىٍّ من جوانبها المتنوعة، فحياته صفحة مشرقة في تاريخ الأمة، وهو من الأئمة الذين يتأسى الناس بهديهم وأقوالهم وأفعالهم في هذه الحياة، فسيرته من أقوى مصادر الإيمان، والعاطفة الإسلامية الصحيحة، والفهم السليم لهذا الدين، فنتعلم منه فقهه في التعامل مع السنن وحسن توجيهها، وكيف نعيش مع القرآن الكريم ونهتدي بهديه ونقتدي برسول الله ×، وأهمية الخوف من الله والإخلاص له وابتغاء ما عنده في نجاح العبد في الدارين، وأثر هذه المعاني في حياة الأمة الإسلامية ونهوضها وقيامها بدورها الحضاري المنشود، فلذلك اجتهدت في دراسة شخصيته وعصره حسب وسعي وطاقتي، غير مدع عصمة، ولا متبرئ من زلة، ووجه الله الكريم لا غيره قصدت، وثوابه أردت، وهو المسئول في المعونة عليه، والانتفاع به، إنه طيب الأسماء
وسميع الدعاء.
هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم السبت الساعة الواحدة إلا خمس دقائق ظهرًا بتاريخ 17ربيع الآخر 1424هـ - الموافق 7يونيو 2003م، والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي لوجهه خالصًا ولعباده نافعًا، وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي، وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه:+رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ".وقال تعالى: +مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آل وصحبه وسلم.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا أله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه
على محمد الصَّلابي

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق