الأحد، 20 أبريل 2014

320 تاريخ الخلفاء الراشدين (3) سيرة عثمان بن عفان شخصيته وعصره الفصل السادس : أسباب فتنة مقتل عثمان ? المبحث الثاني : أسباب فتنة مقتل عثمان ? الثاني عشر: أثر السبئية في أحداث الفتنة:


320

تاريخ الخلفاء الراشدين (3) سيرة عثمان بن عفان شخصيته وعصره

الفصل السادس : أسباب فتنة مقتل عثمان ?

المبحث الثاني : أسباب فتنة مقتل عثمان ?

الثاني عشر: أثر السبئية في أحداث الفتنة:


2- دور عبد الله بن سبأ في تحريك الفتنة:

في السنوات الأخيرة من خلافة عثمان ? بدت في الأفق سمات الاضطراب في المجتمع الإسلامي نتيجة عوامل التغير التي ذكرناها، وأخذ بعض اليهود يتحينون فرصة الظهور مستغلين عوامل الفتنة ومتظاهرين بالإسلام واستعمال التقية، ومن هؤلاء عبد الله بن سبأ الملقب بابن السوداء. وإذا كان ابن سبأ لا يجوز التهويل من شأنه كما فعل بعض المغالين في تضخيم دوره في الفتنة( )، فإنه كذلك لا يجوز التشكيك فيه أو الاستهانة بالدور الذي لعبه في أحداث الفتنة كعامل من عواملها, على أنه أبرزها وأخطرها؛ إذ أن هناك أجواء للفتنة مهدت له، وعوامل أخرى ساعدته. وغاية ما جاء به ابن سبأ آراء ومعتقدات ادعاها واخترعها من قبل نفسه وافتعلها من يهوديته الحاقدة، وجعل يروجها لغاية ينشدها, وغرض يستهدفه؛ وهو الدس في المجتمع الإسلامي، بغية النيل من وحدته وإذكاء نار الفتنة، وغرس بذور الشقاق بين أفراده، فكان ذلك من جملة العوامل التي أدت إلى قتل أمير المؤمنين عثمان ? وتفرق الأمة شيعا وأحزابا.( )

وخلاصة ما جاء به أنه أتى بمقدمات صادقة، وبنى عليها مبادئ فاسدة راجت لدى السذَّج والغلاة وأصحاب الأهواء من الناس، وقد سلك في ذلك مسالك ملتوية لبَّس فيها على مَنْ حوله حتى اجتمعوا عليه؛ فطرق باب القرآن بتأوله على زعمه الفاسد، حيث قال: لَعَجَبٌ ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذِّب بأن محمدا يرجع، وقد قال تعالى: +إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ" [القصص: 85] فمحمد أحق بالرجوع من عيسى.( ) كما سلك طريق القياس الفاسد من ادعاء إثبات الوصية لعلي ? بقوله: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء.( ) وحينما استقر الأمر في نفوس أتباعه انتقل إلى هدفه المرسوم، وهو خروج الناس على الخليفة عثمان ?، فصادف ذلك هوى في نفوس بعض القوم حيث قال لهم: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ×، ووثب على وصيِّ رسول الله × وتناول أمر الأمة؟ ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله × فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر.( ) وبث دعاته، وكاتب من كان استفسد من الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون, ويسرون غير ما يبدون، فيقول أهل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلى به هؤلاء، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس( ).

ويظهر من هذا النص الأسلوب الذي اتبعه ابن سبأ؛ فهو أراد أن يوقع في أعين الناس بين اثنين من الصحابة؛ حيث جعل أحدهما مهضوم الحق وهو علي، وجعل الثاني مغتصبا وهو عثمان، ثم حاول بعد ذلك أن يحرك الناس - خاصة في الكوفة - على أمرائهم باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجعل هؤلاء يثورون لأصغر الحوادث على ولاتهم، علما بأنه ركز في حملته هذه على الأعراب الذين وجد فيهم مادة ملائمة لتنفيذ خطته؛ فالقراء منهم استهواهم عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصحاب المطامع منهم هيج أنفسهم بالإشاعات المغرضة المفتراة على عثمان؛ مثل تحيزه لأقاربه وإغداق الأموال من بيت مال المسلمين عليهم، وأنه حمى الحمى لنفسه، إلى غير ذلك من التهم والمطاعن التي حرك بها نفوس الغوغاء ضد عثمان ?، ثم إنه أخذ يحض أتباعه على إرسال الكتب بأخبار سيئة مفجعة عن مصرهم إلى بقية الأمصار، وهكذا يتخيل الناس في جميع الأمصار أن الحال بلغ من السوء ما لا مزيد عليه، والمستفيد من هذه الحال هم السبئية؛ لأن تصديق ذلك من الناس يفيدهم في إشعال شرارة الفتنة داخل المجتمع الإسلامي.( ) هذا وقد شعر عثمان ? بأن شيئا ما يحاك في الأمصار، وأن الأمة تمخض بِشَرٍّ فقال: والله إن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها( ).

على أن المكان الذي رتع فيه ابن سبأ هو مصر، وهناك أخذ ينظم حملته ضد عثمان ?, ويحث الناس على التوجه إلى المدينة لإثارة الفتنة بدعوى أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، ووثب على وصيِّ رسول الله × (يقصد عليًا).( ) وقد غشهم بكتب ادعى أنها وردت من كبار الصحابة، حتى إذا أتى هؤلاء الأعراب المدينة المنورة واجتمعوا بالصحابة لم يجدوا منهم تشجيعا؛ حيث تبرأوا مما نسب إليهم من رسائل تؤلب الناس على عثمان.( ) ووجدوا عثمان مقدرا للحقوق بل وناظرهم فيما نسبوا إليه، ورد عليهم افتراءهم وفسر لهم صدق أعماله، حتى قال أحد هؤلاء الأعراب وهو مالك بن الأشتر النخعي: لعله مُكر به وبكم.( ) ويعتبر الذهبي أن عبد الله بن سبأ المهيج للفتنة بمصر، وباذر بذور الشقاق والنقمة على الولاة، ثم على الإمام عثمان فيها.( ) ولم يكن ابن سبأ وحده، وإنما كان عماله ضمن شبكة من المتآمرين، وأخطبوط من أساليب الخداع والاحتيال والمكر, وتجنيد الأعراب والقراء وغيرهم. ويروي ابن كثير أن من أسباب تألب الأحزاب على عثمان ظهور ابن سبأ وذهابه إلى مصر، وإذاعته بين الناس كلاما اخترعه من عند نفسه، فافتتن به بشر كثير من
أهل مصر( ).

إن المشاهير من المؤرخين والعلماء من سلف الأمة وخَلَفِهَا يتفقون على أن ابن سبأ ظهر بين المسلمين بعقائد وأفكار وخطط سبئية ليلفت المسلمين عن دينهم وطاعة إمامهم، ويوقع بينهم الفُرْقة والخلاف، فاجتمع إليه من غوغاء الناس ما تكونت به الطائفة السبئية المعروفة, التي كانت عاملا من عوامل الفتنة المنتهية بمقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ?، والذي يظهر من خطط السبئية أنها كانت أكثر تنظيما؛ إذ كانت بارعة في توجيه دعايتها ونشر أفكارها لامتلاكها ناصية الدعاية والتأثير بين الغوغاء والرعاع من الناس، كما كانت نشيطة في تكوين فروع لها سواء في البصرة أم الكوفة أم مصر، مستغلة العصبية القبلية، ومتمكنة من إثارة مكامن التذمر عند الأعراب والعبيد والموالي، عارفة بالمواضع الحساسة في حياتهم وبما يريدون( ).



* * *

يتبع


 انتهى الفصل السادس من الكتاب وان شاء الله سنتواصل مع الفصل السابع ان اطال الله فى عمرى


يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق