286
تاريخ الخلفاء الراشدين (3) سيرة عثمان بن عفان شخصيته وعصره
الفصل الخامس : مؤسسة الولاة في عهد عثمان ?
المبحث الثالث :حقيقــــة ولاة عثمــــــــان ?
رابعًا: سعيد بن العاص.
هو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأموي.( ) وقال أبو حاتم: له صحبة، ولي الكوفة بعد الوليد بن عقبة، كان من فصحاء قريش, ولهذا ندبه عثمان فيمن ندب لكتابة القرآن؛ فعن أنس بن مالك قال: «... فأمر عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها (أي الصحف) في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش».( ) وقد أقيمت عربية القرآن على لسان سعيد بن العاص؛ لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله ×. أدرك من الحياة النبوية تسع سنين، وقتل أبوه يوم بدر مشركا، قتله علي بن أبي طالب.( )
واقرأ معي هذا الخبر الذي يدل على قوة إيمانه: حيث روي أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص: لم أقتل أباك، وإنما قتلت خالي العاص بن هشام، فقال سعيد: لو قتلته لكنت على الحق، وكان على الباطل، فأعجب عمر بجوابه. وفي أيام ولايته الكوفة غزا طبرستان ففتحها وغزا جرجان، وكان في عسكره حذيفة وغيره من الصحابة.( ) وكان مشهورا بالكرم والبر، حتى سأله السائل -وليس عنده ما يعطيه- فكتب له بما يريد أن يعطيه، مسطورا.( ) وكان رحمه الله يحب جمع شمل المسلمين ويكره الفتنة ويفر منها، ولاه عثمان الكوفة بعد الوليد بن عقبة ووفد إلى المدينة مرة، وعندما عاد إلى الكوفة جند أهل الشغب جنودهم ومنعوه من دخولها، فعاد ولزم المدينة. وهؤلاء الذين منعوه من العودة إلى الإمارة كان منهم قتلة عثمان، ومع ذلك اعتزل الجمل وصفين وحث أهل الجمل على القعود عن الخروج.( ) هذه هي سيرته؛ كرم وشجاعة، وبر، وجهاد، وفصاحة أشبه ما تكون بفصاحة النبي ×، وكان قد أملى على زيد بن ثابت هذا المصحف الذي نقرؤه اليوم، فتأمل هذه المناقب الثابتة له بالرواية الصحيحة، وقارنها بما يذكرون من مثالبه التي لا سند لها، وتأمل فيمن أشاعها، فتظن أنها ملفقة لأنها تجمع في الرجل النقيضين؛ الكرم والبخل، والبر والتوحش، والفهم والجهل، والجهاد والنكوص، وهذا لا يعقل اجتماعه في رجل سوى.( ) يزعم الرواة بلا إسناد أنه عندما ولي سعيد الكوفة بعد الوليد كان بعض الموالي يقول رجزا:
يا ويلنا قد عُزِل الوليـد
وجاءنــا مجوِّعًا ســـــعيد
ينقص في الصاع ولا يزيد( ).
وهذا رجز مصنوع، وقصة موضوعة بلا شك( )؛ لأن الموالي في سنة 30 هـ - أي العبيد من أسرى الحروب- لم يكونوا يحسنون العربية بله قول الشعر، ولأن سعيد بن العاص المشهور بالكرم والبر لا يمكن أن يوصف بأنه (مجوِّع)، وإذا مدح الناس والشعراء الوليد لكرمه فإن سعيدا ضرب المثل بكرمه( )، فكان يقال له: عكة العسل، وقال فيه الفرزدق
يذكر كرمه:
ترى الغُرَّ الجحاجح من قريش
إذا ما الأمر في الحدثان عالا
قياما ينظرون إلى سعيد
كأنهم يرون به هلالا( )
وإذا قال الموالي هذا الرجز في أول مجيء سعيد إلى الكوفة, فكيف عرف الموالي سياسة سعيد، وهل جاء مجوعا أم جاء مشبعا، والغريب أن الرواة يسوقون هذا الخبر في سياق ينقض بعضه بعضا؛ حيث يقولون: فولى عثمان سعيد بن العاص الكوفة فسار فيهم سيرة عادلة، فكان بعض الموالي يقول... الرجز( )! فكيف تكون السيرة عادلة، ويوصف بأنه جوع الموالي؟! فقد كان الخير كثيرا يسع الجميع، ويفيض, والسيرة العادلة تجعل الخير يعم.( ) ورحم الله المؤرخين القدماء، فقد كانوا حسني الظن بالقراء، فجمعوا في كتبهم الروايات المتناقضة، وحسبوا أن القراء في جميع العصور يستطيعون تمييز الغث من السمين، وعذرهم بأنهم كانوا يؤلفون لأهل عصرهم، وما عرفوا أن القرون التالية ستحفل بمن يحتطب بليل.( ) فقد روى ابن سعد في ترجمة سعيد بلا إسناد يقول: قالوا: فلما قدم سعيد الكوفة واليا قدمها شابا مترفا ليست له سابقة، فقال: لا أصعد المنبر حتى يطهر، فأمر به فغسل، وقال على المنبر: إنما هذا السواد بستان لأغُيْلمة من قريش، فشكوه إلى عثمان.( ) وهذا كلام لا يصح لأنه غير مسند؛ ولأن سعيد بن العاص الذي قاد جيوش الجهاد وفتح الفتوح لا يكون كما وصف القائلون. ثم إن ابن سعد يروي قولة سعيد هذه على لسان الأشتر مالك بن الحارث عندما منع سعيد بن العاص من دخول الكوفة بعد سنوات من ولايته؛ حيث قال الأشتر: هذا سعيد بن العاص قد أتاكم يزعم أن هذا السواد بستان لأغيلمة من قريش، والسواد مساقط رؤوسكم, ومراكز رماحكم، وفيئكم وفئ آبائكم( ).
ومالك بن الحارث الملقب بـ(الأشتر) صاحبة فتنة؛ كان من رؤساء الخوارج الذين حاصروا عثمان وقتلوه، ولا يستغرب من هؤلاء أن يختلقوا الأقوال لإثارة كره الناس، وإذا كانت هذه الجملة قد قيلت، فإن الذين قالوها هم الخارجون على الخلافة؛ لأنهم فهموا هذا الفهم السقيم بسبب تتابع الأمراء على العراق -وبخاصة الكوفة- من قريش، ولأن العصبية القبلية واضحة في هذه المقولة.( ) وقد قال الإمام الذهبي فيه: وكان أميرا شريفا جوادا، ممدَّحا، حليما، وقورا، ذا حزم وعقل، يصلح للخلافة (الولاية).( ) وأما قول المخالفين والذين طعنوا في عثمان ? بأنه استعمل سعيد بن العاص على الكوفة وظهر منه ما أدى إلى أن أخرجه أهل الكوفة( ), فمجرد إخراج أهل الكوفة له لا يدل على ذنب يوجب ذلك، فمن عرف الكوفة وسبر أحوالها عرف كثرة تشكي أهلها من ولاتهم بلا مبرر شرعي ولأتفه الأسباب، حتى قال فيهم عمر بن الخطاب ?: أعياني وأعضل بي أهل الكوفة، ما يرضون أحدا ولا يرضى بهم، ولا يصلحون ولا يصلح عليهم.( ) وفي رواية: أعياني أهل الكوفة؛ فإن استعملت عليهم ليِّنا استضعفوه، وإن استعملت عليهم شديدا شكوه.( ) بل إنه دعا عليهم فقال: اللهم إنهم قد لبسوا عليَّ فلبِّس عليهم( ).
وقد كان سعيد بن العاص رجلا حكيما، فقد قال: لجليسي علىَّ ثلاث؛ إذا دنا رحبت به، وإذا جلس أوسعت له، وإذا حدث أقبلت عليه. وقال لابنه: يا بني، أجرِ لله المعروف إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه، أو جاءك مخاطرا لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له من جميع مالك ما كافأته. وقال أيضا: يا بني، لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء فتهون عليه. ودخلت عليه ذات يوم امرأة من العابدات وهو أمير الكوفة فأكرمها وأحسن إليها، فقالت: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا زالت المنة في أعناق الكرام، وإذا أزال عن كريم نعمة جعلك سببا لردها عليه.
ولما حضرت سعيدًا الوفاة جمع بنيه وقال لهم: لا يفقدن أصحابي غير وجهي، وصلوهم بما كنت أصلهم به، وأجروا عليهم ما كنت أجري عليهم، واكفوهم مؤنة الطلب، فإن الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه، وارتعدت فرائصه مخافة أن يرد، فوالله لرجل يتململ على فراشه يراكم موضعا لحاجته أعظم منة عليكم مما تعطونه. ثم أوصاهم بوصايا كثيرة، وكانت وفاته 58هـ، وقيل 57هـ، وقيل 59هـ( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق