الأحد، 27 أبريل 2014

218 تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة الفصل الثالث : بيعة على رضي الله عنه وأهم صفاته وحياته في المجتمع المبحث الثالث: حياته في المجتمع واهتمامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثانيًا: خطبة لأمير المؤمنين على بن أبي طالب وتحليلها:


218

تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة

الفصل الثالث : بيعة على رضي الله عنه وأهم صفاته وحياته في المجتمع

المبحث الثالث: حياته في المجتمع واهتمامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ثانيًا: خطبة لأمير المؤمنين على بن أبي طالب وتحليلها:

كان أمير المؤمنين على بن أبي طالب يتعهد الرعية بالتوجيه والتعليم والتربية من خلال الاحتكاك اليومي، وخصوصًا يوم الجمعة حيث كانت خطبة الجمعة من المنابر المهمة في توجيه الأمة وترشيدها، وقد حفظ التاريخ لأمير المؤمنين على كثيرًا من خطبه، وهذه إشارات عابرة عن خطبه، وإليك هذا النموذج الفريد العجيب من خطبه حيث قال:

أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وأذنت( ) بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلا ع، وإن المضمار( ) اليوم وغدًا السباق، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله، ألا فاعملوا لله في الرغبة، كما تعملون له في الرهبة، وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها، وإنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى حاد به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، ودللتم على الزاد، ألا أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً، والله واسع عليم، أيها الناس، أحسنوا في أعماركم تحفظوا في أعقابكم، فإن الله وعد جنته من أطاعه، وأوعد ناره من عصاه، إنها نار لا يهدأ زفيرها، ولا يفك أسيرها، ولا يجبر كسيرها، حرها شديد، وقعرها بعيد، وماؤها صديد( ).

ولو تأملنا في المقطع السابق لوجدنا أن عوامل التأثير في المدعوين تتمثل فيما يلي:

1- صدق اللهجة النابع من إيمانه بما يدعو إليه، مما يجعل كلماته كأنها قبس من نفسه المشتعلة، وصورة من عواطفه المنفعلة، فهو لا يكاد ينطق بالجملة حتى تكون أسماعهم قد تلقفتها، وقلوبهم قد وعتها.

2- تمتاز الألفاظ بالقوة، مع سهولتها وعذوبتها وسلاستها، كما أن عبارتها واضحة، وجملتها قصيرة، ولعل ذلك يسعف السامعين بإدراك المعنى المراد.

3- المقابلة بين المعاني المتضادة مما يزيد المعنى وضوحًا، والسامع تأثرًا، ومن ذلك مثلاً: قوله: فإن الدنيا قد أدبرت وأذنت بوداع..وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وقوله: وإني لم أر كالجنة نام طالبها.. ولا كالنار نام هاربها.

4- الاقتباس من القرآن الكريم، كما في قوله: ألا إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً، والله واسع عليم، ذلك مقتبس( ) من قوله تعالى: +الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" [البقرة:268].

5- لقد كانت عناصر الخطبة المذكورة تتمثل في التأثر الشديد بالقرآن الكريم وبكلام الرسول ×، وواقعيتها واتصالها الحميم بالحياة البشرية، وعمق المعاني وسموها وشمولها، والإجادة في تخير الألفاظ وبناء العبارة، والإيجاز، والتعبير عن المعاني والألفاظ بالصور، واعتماد الوسائل البديعة، وغاية القول، فإن هذه الخطبة تكتسب أهمية خاصة لما تتكشف عنه من مزايا دينية وأدبية وشخصية، فهي عميقة الدلالة على شخصية صاحبها أمير المؤمنين على بن أبي طالب، تنبئ عن إدراكه السليم للمفاهيم والآراء الإسلامية السديدة التي تتناول طبيعة الدنيا وغاية الوجود البشرى والمصير الذي ينتهي إليه، ونوضح النتائج التي توصل إليها أمير المؤمنين على بن أبي طالب في هذا الخصوص، وتدلنا على ما كان يتحلى به من حكمة نافذة ورؤيا معمقة يرفدها صفاء ذهنه وطهارة روحه، إلى غير ذلك من المزايا العقلية والروحية العالية التي أفاضها عليه إيمانه وتقواه وتمسكه بعرى الإسلام واعتصامه بربه ورضاه بقضائه، إن هذا كله قد ساعده في الوصول بالنثر الفني إلى هذا المستوى الرفيع، فكان بحق في عالم الأدب فارس الكلمة وقائدها وإمامها تمامًا، كما كان في الناس إمامًا عادلاً زاهدًا، وقائدًا حكيمًا مجربًا، وفارسًا لا يبارى ( )، هذا وقد اهتم أمير المؤمنين على رضي الله عنه بانتهاز المناسبات في وعظ الناس وتذكيرهم، ولم يكتف بخطب الجمعة فقط، فعندما شيع جنازة ووضعت في لحدها وعج( ) أهلها وبكوا قال: ما تبكون؟ أما والله لو عاينوا ما عاين ميتهم، لأذهلتهم معاينتهم عن ميتهم. وإن له فيهم لعودة ثم دعوة، ثم لا يُبقى منهم أحدًا..فاتقوا الله عباد الله، وجدوا في الطلب، وبادروا بالعمل مقطع النهمات، وهادم اللذات، فإن الدنيا لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجائعها، غرور حائل، وسند مائل، اتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بالآيات والأثر، وازدجروا بالنذر، وانتفعوا بالمواعظ، فكأنما قد علقتكم مخالب المنية، وضمكم بيت التراب، ودهمتكم مقطعات الأمور بنفخة الصور، وبعثرة القبور وسياقة المحشر، وموقف الحساب، بإحاطة قدرة الجبار، كل نفس معها سائق يسوقها لمحشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها + وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" [الزمر:69]. فارتجت لذلك اليوم البلاد، ونادى المناد، وكان يوم التلاق، وكشف عن ساق، وكسفت الشمس، وحشرت الوحوش، مكان مواطن الحشر،، وبدت الأسرار، وهلكت الأشرار وارتجت الأفئدة( ).


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق