الأحد، 27 أبريل 2014

213 تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة الفصل الثالث : بيعة على رضي الله عنه وأهم صفاته وحياته في المجتمع المبحث الثالث: حياته في المجتمع واهتمامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أولاً: دعوته للتوحيد ومحاربته للشرك:


213

تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة

الفصل الثالث : بيعة على رضي الله عنه وأهم صفاته وحياته في المجتمع

المبحث الثالث: حياته في المجتمع واهتمامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

أولاً: دعوته للتوحيد ومحاربته للشرك:

إن حياة أمير المؤمنين على بن أبي طالب عامرة بالدعوة إلى توحيد الله تعالى، وتعريف الناس معاني الإيمان، والاعتماد والتوكل على الله والخوف منه سبحانه وتعالى، والتعريف به من خلال أسمائه الحسنى وصافته العلى، ومحاربته للشرك بجميع أشكاله وأنواعه، ومن خلال توجيهه وتعليمه وتربيته للناس على دعوة التوحيد ومحاربة الشرك أمور منها:

هـ- هل المزارات من الإحداث في الدين:

مات رسول الله × وهو أكرم الخلق على الله تعالى وأتقاهم لله، وأخشاهم لله، وتوقير أصحابه له غير خاف، ومحبتهم إياه لا تقدر، وقُبر × في بيته، ومكان قبره الشريف معروف لدى أصحابه غير مجهول، وهو أفضل قبر في الدنيا، فلم يقيموا عليه مشهدًا ولا بناء، ولا قبابًا، ولم يجتمع عند قبره الخلفاء الراشدين إحياء لذكراه في يوم من السنة معلوم في (مزار) ولا غيره من أصحابه الأخيار، اغتنامًا للذكر والعبادة، بل كانوا إذا مروا بقبره الشريف يصلون ويسلمون عليه كما أمرهم ربهم، وكانوا يطيعون أمره ويتبعون سنته، ويهتدون بهديه، ويقفون عند أمره ونهيه، حيًا وميتًا، امتثالاً لأمر ربهم: +وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" [الحشر:7]، وقوله عز وجل: +لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" [الأحزاب:21]، وخلفاؤهم هم القدوة الحسنة الذين أمرنا رسول الله × باتباع سنتهم والعض عليها بالنواجذ، ولم ينقل أحد من أهل الإسلام أن أصحابه اجتمعوا ليلة في السنة عند قبره للذكر والعبادة، رجاء البركة، وهم أولياء الله، وحزب الهدى، وأنصار الحق، وكتائب الدين، وأعلم منا بما يحبه رسول الله ×، وأحرص على الطاعة، وتعظيم رسول الله × في قلوبهم وتوقيره بالمكان الذي لا يخفي، ولا يختلف عليه، لأنه الذي نطق به القرآن، وأجمع على تعظيمهم له، ومحبته وتوقيرهم إياه أهل الإسلام، ولو كان هذا العيد السنوي عند قبره مما يقرب إلى الله، ولا يخاف منه فساد في الدين لكانوا أسبق إليه، ولم يأمرهم رسول الله × في حياته بشيء من هذا، ولا وجُد في سنته بفعل ولا تقرير ما يدل على مشروعيته عند قبر النبي × بعد موته، أو عند أحد من قبور أصحابه الذين ماتوا، ومرت عليهم السنون في حياته، فلم يتعبد هو ولا أصحابه بشيء من هذا، وهو أكمل الخلق عبودية لله، وأكملهم علمًا بما يرضى الله تعالى، ونصحه لأمته، وحرصه على ما ينفعهم نزل به القرآن + لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" [التوبة:128]، وقد نهانا النبي × عن اتخاذ قبره عيدًا، فقال ×: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علىَّ، فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنت»( )، ومعنى عيد من العود، وهو الرجوع والمعاودة، لأنه يتكرر مرة بعد مرة، أي لا تجعلوا لزيارة قبري أيامًا معلومة، وأوقاتًا مخصوصة، كل شهر، أو كل سنة، أو غير ذلك، في اجتماع عام يتكرر بصفة ثابتة كالعيد، ولا تتخذوه منسكًا ترحلون إليه كالحج، ولا تشبهوا باليهود والنصارى، فإنهم يفعلون ذلك، وقد أدى بهم الأمر إلى الغلو والمبالغة في الإطراء، حتى جعلوا المسيح عليه السلام إلهًا، وقد حذر النبي × أصحابه من ذلك فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله»( )، فإذا كان الحال من النهي في التعلق بقبر النبي ×، وهو أكرم الخلق على الله، وهو سيد الأولين والآخرين، وأفضل الخلق أجمعين، وأرجى الشفعاء عند الله يوم الدين، فما بالك بقبور الأموات من دونه من الأولياء والصالحين، فتكون مخالفة نهيه في ذلك باتخاذ قبورهم أعيادًا، داخلة في الشق الثاني من الحديث، وهو ما يقرب إلى من يخالف نبيه في قوله عز وجل: +فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [النور:63].

فهذا هو هدى خير القرون، فمن خالفهم زاعمًا أنه أتى بطاعة وقربة، فلا يخلو حاله من أمرين، إما أنه جاء ببدعة ظلمًا، وأما أن يكون مدعيًا أنه فاقهم فضلاً وعلمًا، بل كان الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله × خان الدين، لأن الله تعالى يقول:+الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" [المائدة:3]،  فما لم يكن يومئذ دينًا، لا يكون اليوم دينًا( )، وكان يقول: السنة سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق( ).

إن إقامة (المزارات) عبادة لم يفعلها رسول الله × ولا أصحابه، بل نهى عنها، ومخالفته من الإحداث في الدين الذي ينتهي بصاحبه إلى الضلال كما أخبر النبي ×،فقد كان مما خطب به في كل جمعة محذرًا: أما بعد.. فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة( ), وقال ×: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد»( ).
إن جمع الناس في يوم معين على الدوام، في مكان ما، تشد إليه الرحال من كل حدب وصوب للعبادة، لا يجوز إلا فيما شرعه الله تعالى من إقامة النُّسك في مكة، وعرفة، ومنى، والمزدلفة، وفي صلوات الأعياد والجمعة والجماعة، وهي الشعائر التي أمر الله تعالى بتعظيمها، وإقامتها، وأثنى على أهلها بقوله تبارك وتعالى: +ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" [الحج:32]، وإحداث مشهد آخر غير ما ذكر، في يوم من السنة، من الإحداث في الدين، لأنه إحداث عبادة ونسك لم يشرعها الله تعالى، فإن هذه المزارات صارت عند العامة كالنسك، يجتمع إليها الناس في يوم من السنة معلوم للذبح والعبادة، وتشد إليها الرحال، وهذا في ذاته أمر مذموم، فإن الطاعات المطلقة المندوب إليها في كل وقت، إذا خصص شيء منها بليلة معينة، أو يوم معين، أو مكان معين، لم يخصصه الشرع به، واعتقد أن لفعلها في ذلك الوقت المعين، أو المكان المعين، أثرًا خاصًا في البركة، أو رفع الدرجات، أو قبول العمل، أو تعظيم الأجر، تحولت تلك الأعمال التي هي من جنس الطاعات إلى بدعة بالاتفاق، لأن ترتيب الثواب على الأعمال، أمر توقيفي لا يكون إلا من الشارع، وقد جر هذا إلى مفاسد عظام، منها اعتقاد العامة في أصحابها الذين بنيت عليهم القباب خلافًا لنهي رسول الله × فاعتقدوا فيها الضر والنفع، وقضاء الحوائج، وتقربوا إليها بالذبائح والقرابين في يوم معلوم من السنة، عند إقامة المزار، وتوددوا إليها بعد ما أشاعوا حولها أن من ساق إليها الحيوان ليذبح في ذلك اليوم، وكانت له حاجة يرجوها من ربه، مثل ولد إن كان لا يلد، أو شفاء مرض إن كان مريضًا – لا يرجع إلا بها، فصارت ملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما سأله العباد من ربهم واستغاثوا بها، وظنوا أن حوائجهم تقضي لهم من ربهم بواسطتها وعن طريقها، حتى صاروا يذبحون عندها، لاستنزال المطر إذا تأخر المطر، معرضين عن كتاب الله وهدى رسول الله × الذي أمر بالتوبة والاستغفار والدعاء والصلاة طلبًا للسقيا، وقد ينزل المطر بعد ذبحهم، استدارجًا وابتلاء، ولكن عملهم لا يزال من أعمال الشياطين، ومعتقدات الجاهلية( )، فإلى الله المشتكي.

إن أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه دعا للتوحيد وحارب الشرك وأسبابه، فعلى محبيه ومتبعيه أن يأخذوا بأقواله وأفعاله التي ترشدنا للتمسك بالقرآن الكريم وهدى النبي ×، وما أحسن كلامه عندما قال: «لا يرجون أحد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه»( )، وقوله لأبي الهياج الأسدى: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ×:«أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته»( ).


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق