203
تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة
الفصل الثالث : بيعة على رضي الله عنه وأهم صفاته وحياته في المجتمع
المبحث الثاني :شيء من فضائله وأهم صفاته وقواعد نظام حكمه
الثاني عشر: العدل والمساواة:
إن من أهداف الحكم الإسلامي الحرص على إقامة قواعد النظام الإسلامي التي تساهم في إقامة المجتمع المسلم، ومن أهم هذه القواعد العدل والمساواة، وقد قام أمير المؤمنين على رضي الله عنه بإقامة العدل بين الناس، وقد تضافرت كل الخصال الحميدة والمعطيات العلمية والفقهية التي جعلته مؤهلا للقيام بدوره هذا على أكمل وجه حتى أن الرسول × لثقته به وبقدراته بعثه قاضيًا إلى اليمن( ), وقد دعا له رسول الله بهذا الدعاء العظيم: «اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه»( )، ولذلك كان من الطبيعي أن يقيم حكمه على العدل الشامل، وأن يجعله على رأس غايات وأهداف الحكم، لأن به تستقيم الأمور وتظهر المودة بين الرعية( ), ولا شك أن العدل في فكر أمير المؤمنين علىّ هو عدل الإسلام الذي هو الدعامة الرئيسية في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل.
لقد كان أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه قدوة في عدله، أسر القلوب وبهر العقول، فالعدل في نظره الذي يسعى لتطبيقه في الحكم هو إحدى أهم ركائز الخلافة الراشدة، دعوة عملية للإسلام تفتح قلوب الناس للإيمان، وقد سار على ذات نهج الرسول × فكانت سياسته تقوم على العدل الشامل بين الناس، فعن شريح قال: لما توجه على رضي الله عنه إلى حرب معاوية، رضي الله عنه، افتقد درعًا له، فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة، أصاب الدرع في يد يهودي يبيعها في السوق، فقال له: يا يهودي، هذا الدرع درعي، لم أبع ولم أهب، فقال اليهودي: درعي وفي يدي، فقال على: نصير إلى القاضي، فتقدما إلى شريح، فجلس على إلى جنب شريح، وجلس اليهودي بين يديه.
فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين، فقال: نعم، أقول: إن هذه الدرع التي في يد اليهودي درعي، لم أبع ولم أهب، فقال شريح: يا أمير المؤمنين بينة، قال: نعم قنبر( ) والحسن والحسين يشهدون أن الدرع درعي، قال: شهادة الابن لا تجوز للأب، فقال: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله × يقول: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»( ) فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه؟ أشهد أن هذا الحق، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الدرع درعك، كنت راكبًا على جملك الأورق وأنت متوجه إلى صفين فوقعت منك ليلاً، فأخذتها قال: أما إذا قلتها فهي لك، وحمله على فرس، فرأيته وقد خرج فقاتل مع على الشراة بالنهروان( ).
ومن أمثلة عدله في الحكم:عن ناحية القرشي عن أبيه قال: كنا قياما على باب القصر إذ خرج علي علينا فلما رأيناه تنحينا عن وجهه هيبة له، فلما جاز صرنا خلفه، فبينما هو كذلك إذ نادى رجل: يا غوثًا بالله، فإذا رجلان يقتتلان، فلكز صدر هذا وصدر هذا، ثم قال لهما: تنحيا، فقال أحدهما: يا أمير المؤمنين إن هذا اشترى مني شاة وقد شرطت عليه أن لا يعطيني مغموزًا ولا محذقًا- يعنى الدراهم المعيبة- فأعطاني درهمًا مغموزًا فرددته عليه فلطمني، فقال للآخر: ما تقول؟ قال: صدق يا أمير المؤمنين قال: فأعطه شرطه، ثم قال للاطم: اجلس، وقال للمطلوم: اقتص، قال: أو عفو يا أمير المؤمنين، قال: ذلك إليك، قال: فلما جاز الرجل، قال على: يا معشر المسلمين خذوه، قال: فأخذوه فحمل على ظهر رجل كما يحمل صبيان الكتاب، ثم ضرب خمس عشرة درة، ثم قال: هذا نكال لما انتهكت من حرمته، وفي رواية أنه قال: هذا حق السلطان( ).
هذا الخبر ليعتبر مثلاً عاليًا للتواضع حيث يخرج أمير المؤمنين من بيته إلى السوق يتفقد أحوال الناس، ويقوم بنفسه في حل مشكلاتهم، وهو نوع من السلوك العالي الذي يبرز وجود الولاة في واقع حياة الرعية، سواء قام بذلك الوالي الأكبر أو من دونه، ولا يلزم تكرار هذا الوجود كل يوم، إذ يكفي شعور الناس بأن الولاة معهم في مشكلاتهم ليطمئن صاحب الحق على بقاء حقه في حوزته، وعودته إليه فيما لو اعتدى عليه، وليرتدع من تسول له نفسه الاعتداء على حقوق الناس، وقبل ذلك وأهم منه أن يردعه كل من يحدث نفسه بالاعتداء على حق الله تعالى، وهذا الوجود المتلاحم بين الوالي والرعية يظهر بصور متعددة تتناسب مع أنماط الحياة في كل عصر، فلا يقولن قائل: إن ما قام به أمير المؤمنين على رضي الله عنه يعتبر سائغًا في عصره، ولكنه بعيد التصور في هذا العصر، فإنه لا عبرة بالأشكال والصور، وإنما العبرة بالأهداف والمقاصد التي بها تحقق الحياة السعيدة للمسلمين، وذلك برعاية حق الله أولاً، ثم حقوق الناس العامة والخاصة، وفيما أمر به أمير المؤمنين على رضي الله عنه من إجراء العقوبة على المعتدي مع تنازل صاحب الحق دلالة على إدراكه رضي الله عنه لمقاصد الإسلام من حفظ الأمن، وإشاعة السلام بين المؤمنين، وبذلك سيرتدع من تميل نفسه إلى الاعتداء على غيره إذا عرف بأن العقوبة ستجري عليه ولو عفا عنه خصمه( ).
ومن مواقف عدله رضي الله عنه:ما رواه عاصم بن كليب عن أبيه قال: قدم على علىَّ ابن أبي طالب مال من أصبهان( ), فقسمه سبعة أسباع، فوجد فيه رغيفًا، فقسمه سبع كسر، وجعل على كل جزء كسرة، ثم أقرع بينهم، أيهم يعطي أول( ).
وأما مبدأ المساواة الذي اعتمده أمير المؤمنين على بن أبي طالب في دولته، فيعد أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، قال تعالى: +يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات:13]، وجاءت ممارسة أمير المؤمنين على رضي الله عنه لهذا المبدأ خير شاهد، ومن هذه المواقف، حرصه على تقسيم المال فور وروده إليه على الناس بالتساوى بعد أن يحتجز منه ما ينبغي أن يأخذ للمرافق العامة، ولم يكن يستبيح لنفسه أن يأخذ من هذا المال إلا مثلما يعطي غيره من الناس، كما أنه كان يعطي معارضيه من الخوارج من العطاء مثلما يعطي غيرهم، وهذا قبل سفكهم للدماء، واعتدائهم على الناس( )، وكان رضي الله عنه يساوى في العطايا بين الناس وبذلك يكون اقتداؤه بالصديق في هذا الباب، رضي الله عنه لا يفضل شريفًا على مشروف، ولا عربيًا على أعجمى، فقد دفع مرة طعامًا ودراهم بالتساوى إلى امرأتين إحداهما عربية، والثانية أعجمية، فاحتجت الأولى قائلة: إني والله امرأة من العرب، وهذه من العجم، فأجابها على: إني والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بنى إسحاق. وكذلك لما طلب إليه تفضيل أشراف العرب وقريش على الموالي والعجم، قال: لا والله، لو كان المال لي لواسيت بينهم، فكيف وإنما هى أموالهم؟ ( ) وعن يحيى بن سلمة قال: استعمل على عمرو بن سلمة على أصبهان فقدم ومعه ماله وزقاق فيها عسل وسمن، فأرسلت أم كلثوم بنت على إلى عمرو تطلب منه سمنا وعسلاً، فأرسل إليها ظرف عسل وظرف سمن، فلما كان الغد خرج على وأحضر المال والعسل والسمن ليقسم، فعد الزقاق فنقصت زقين، فسأله عنهما، فكتمه وقال: نحن نحضرهما، فعزم عليه إلا ذكرها له، فأخبره، فأرسل إلى أم كلثوم فأخذ الزقين منها فرآهما قد نقصا، فأمر التجار بتقويم ما نقص منهما، فكان ثلاثة دراهم، فأرسل إليها فأخذها منها ثم قسم الجميع( ). وعن أبي رافع وقد كان خازنًا لعلي رضي الله عنه على بيت المال، وقال: دخل يومًا وقد زينت ابنته، فرأى عليها لؤلؤة من بيت المال قد كان عرفها، فقال: من أين لها هذه؟ لله علىَّ أن أقطع يدها، قال: فلما رأيت جده في ذلك قلت: أنا والله يا أمير المؤمنين زينت بها ابنة أخي، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها، فسكت( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق