194
تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة
الفصل الثالث : بيعة على رضي الله عنه وأهم صفاته وحياته في المجتمع
المبحث الثاني :شيء من فضائله وأهم صفاته وقواعد نظام حكمه
ثالثًا: تواضع أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه:
من الأخلاق القرآنية التي تجسدت في شخصية أمير المؤمنين على بن أبي طالب- رضي الله عنه- خلق التواضع، قال الله تعالى: +وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً" [الإسراء:37]، وقول تعالى: +وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍوَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" [لقمان:18، 19].
وفي آية الإسراء دعوة واضحة إلى التحلي بمكارم الأخلاق من التواضع واللين، ومعرفة قدر النفس، والنهي الصريح عن رعونات النفس من الكبر والبطر والأشر والاحتقار للناس، والأمر بضده وهو التواضع والقصد من الأمور صراحة بعد أن علم بالمفهوم من النهي السابق، وذيَّل الله تعالى النهي والأمر بما ذيل به النهي السابق من عدم رضاه وشدة سخطه على من اتصف بتلك الصفات، فقال سبحانه: +إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" [لقمان:18]، فعدم محبته لمن كان كذلك، يعنى بغضه له، كما دلت عليه الآية السابقة، وفي هذا من الحث علىالتواضع ما فيه الكفاية للمؤمن( ), غير أن القرآن الكريم لم يقتصر على ذلك، بل نوه بالمتواضع أيما تنويه حيث قال الله جل ذكره: +وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا" [الفرقان:63].
وهذا تنويه عظيم بالمتواضعين حيث وصفهم بالعبودية له، وذلك أعظم تشريف لهم، لأن العبودية له، سبحانه، هى أشرف الأوصاف، ومن أعلى مراتب المحبين، وبذلك يتفاخرون ولذلك يقول الشاعر:
ومما زادني شرفًا وتيهًا
وكدت بأخمصى أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي
وأن صيرت أحمد لي نبيًا( )
وكان نبينا محمد × في ذروة الذرا من هذا الخلق العظيم في كل صوره وأشكاله، ولا غرابة في ذلك فهو الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، وكان مما أدبه الله تعالى به في هذا الخلق قوله سبحانه وتعالى: +لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ" [الحجر:88] وقوله تعالى: +وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" [الشعراء:215]. وخفض الجناح كناية عن التواضع لهم والرفق بهم( )، وقد قام النبي × بذلك حق القيام، وظهر أثر التواضع في كل أحواله الذاتية والاجتماعية والأسرية، وفي كل زمان ومكان بحيث لا يخلو حال من أحواله × عن التواضع لله تعالى والمؤمنين( ), وقد تأثر أمير المؤمنين على – رضي الله عنه – بالتربية القرآنية الكريمة، والتربية النبوية الرشيدة، فكانت هذه الصفة متجسدة في شخصيته الفذة، وإليك بعض المواقف:
(أ) أنا الذي أهنت الدنيا: عن صالح بن أبي الأسود عمن حدثه أنه رأى عليًا قد ركب حمارًا ودلى رجليه إلى موضع واحد ثم قال: أنا الذي أهنت الدنيا( ), وهكذا يشعر أمير المؤمنين على بن أبي طالب – رضي الله عنه – بالفرح لانتصاره على نفسه، وظهوره بمظهرالتواضع أمام الناس وهو خليفة المسلمين، إن مناصب الدنيا خداعة غرارة، وإن فتنة الجاه بها أعظم من فتنة المال، فلطالما رئى أناس مسئولون كانوا متواضعين قبل أن يلوا، فلما تولوا مناصب كبيرة بدأ التعاظم في نفوسهم شيئًا فشيئًا، حتى يكون من الصعب في آخر الأمر مخاطبتهم، واللقاء معهم، لكن أولياء الله المتقين كلما ازدادوا رفعة في المناصب الدنيوية زادوا تواضعًا للناس، وشعروا بالسرور وهم يقومون بمظاهر التواضع التي تنفي عنهم صفة التجبر والكبرياء( ).
(ب) أبو العيال أحق أن يحمل: روى عن على – رضي الله عنه- أنه أشترى تمرًا بدرهم فحمله في ملحفة، فقالوا: نحمل عنك يا أمير المؤمنين، قال: لا، أبو العيال أحق أن يحمل( )، فهذا مثل من تواضعه حيث حمل متاعه بنفسه مع كونه أمير المؤمنين ومع كبر سنة، فلم ير في ذلك مسوغًا لقبول خدمة الناس له، وهو بهذا يجعل من نفسه قدوة حسنة للمسلمين في التواضع، فلو نازعت أحد الكبراء نفسه في تصور العيب من حمل المتاع فإنه بتذكره لموقف أمير المؤمنين على – رضي الله عنه – يزول ما في نفسه من ذلك، ولو اعترض على أحد المتواضعين معترض فإن له من الاقتداء بأكبر أمير على وجه الأرض ما يرد
هذا الاعتراض( ).
(ج) معاملته لعمه العباس رضي الله عنهما:عن صهيب مولى العباس، قال: رأيت عليا يقبل يد العباس ورجله ويقول: يا عم، ارض عني( ). ولنتأمل ما ورد في وصف ضرار الطائى لعلي- رضي الله عنه – حيث يقول: يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له( ).
ومن أقوال أمير المؤمنين في التواضع: «تواضع المرء يكرمه»( ), إن العبد كلما رسخ في العلم بالكتاب والسنة وعمل بهما، وعرف حقيقة نفسه ازداد تواضعًا لله ولخلقه، كما إن علة من أعجب بنفسه من بعض دعاة اليوم إنما هى من قلة العلم والفهم، إضافة إلى انصراف نظر الداعي إلى كثرة من حوله من الأتباع، وغفلته عن النظر إلى ما عند الله، ثم إلى من فوقه من العلماء الربانيين، وهذا من مداخل الشيطان الخفية على طلاب العلم والمحسوبين على حقل الدعوة، وقد قيل في منشور الحكم: «إذا علمت فلا تفكر في كثرة من دونك من الجهال، ولكن انظر إلى من فوقك من العلماء»( ).
ونختم هذه الصفة بقول أمير المؤمنين على: «ما أحسن تواضع الغنى للفقير رغبة في ثواب الله، وأحسن منه تيه الفقير على الغني ثقة بالله عز وجل»( ), والتيه المقصود به: الاستغناء بالله عما في أيدى الأغنياء ولا يعني أبدًا التكبر والغرور.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق