إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 17 يوليو 2014

34 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي: 4-جاولي سقاوة :


34

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:

4-جاولي سقاوة :

بعد وفاة قلج أرسلان وغرقه في نهر الخابور عام 500ه/1107م، أضحى بوسع جولي أن يدخل الموصل، غير أن ما أقترن به حكمه من الوحشية لم يلبث أن جعله مكروهاً عند الناس كما أنه لم يزد عن جكرمش فيما أظهره من الاعتراف بسلطة السلطان محمد على الرغم من أنه خطب باسمه في الموصل () ، إذ أعلن استقلاله وقطع كل صلة به، مما دفع السلطان محمد لأن يعهد في شهر ذي القعدة عام 501ه/شهر حزيران عام 1108م إلى أحد رجاله، وهو مودود بن التونتكين بطرد جاولي من الموصل والحلول مكانه في حكمها () ، وهكذا اضطر جاولي إلى الفرار محَّدداً من الموصل، وذهب إلى الجزيرة حيث التفَّ حوله جميع أعداء الدولة السلجوقية وعلى رأسهم قبيلة بني مزيد العربية، كما لم يتردد في محالفة القوى الصليبية المجاورة، فأطلق سراح بلدوين الثاني دي بورج أمير الرها، وعقد معه تحالفاً ضد السلاجقة () . ودخل مودود الموصل وسط ترحيب السكان في شهر صفر عام 502ه/شهر أيلول عام 1108().




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

33 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي: 3- جهاد جكرمس صاحب الموصل وسقمان بن أرتق صاحب ماردين وديار بكر:


33

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:

3- جهاد جكرمس صاحب الموصل وسقمان بن أرتق صاحب ماردين وديار بكر:

لم يكد الغرب الأوروبي يعلم بنبأ النجاح الذي حقَّقته الجموع الصليبية في بلاد الشام وفلسطين حتى تحمَّس كثير من الأمراء الذين لم يشاركوا  من قبل في الذهاب إلى الشرق، تدفعهم مطامع شخصية دنيوية وهي الحصول على الغنائم والضياع فضلاً عن مطامع دينية وهي الحصول على الثواب والغفران، ويُذكر بأن الصليبيين في الشرق كانوا بحاجة ماسَّة إلى محاربين ومستعمرين بهدف:
مواصلة الحرب ضد المسلمين.
استئناف عملية التوسع.
حراسة ما حقّقوه من مكاسب.
المحافظة على هذه الحقوق ضد أي محاولة استرداد من جانب المسلمين.

استجاب المجمتع الغربي لهذه الظاهرة، وانبعث منه صحوة صليبية جديدة اسفرت عن تدفق جموع صليبية أخرى إلى الشرق. وشكَّل اللمبارديون أولى تلك الجموع، فغادروا إيطاليا في عام 494ه/1101م بقيادة أنسلم بوي رئيس أساقفة ميلان، وصحبه عدد من الأمراء من بينهم ألبرت كونت بياندرات، وجيوبرت كونت بارما، وهيوكونت مونتيبلو () ، ويبدو أن هذه المجموعة اللمباردية على الرغم من وفرة عدد المشتركين فيها، لم تكن تختلف كثيراً من حيث النوعية عن جموع العامة السابقة، بدليل أنهَّا لم تضم سوى عدد قليل من الفرسان المحاربين، وتألفَّت غالبيتها العظمى من العامة الذين لا يحسنون القتال، ويفتقرون إلى النظام، ولما وصلوا إلى ضواحي القسطنطينية ارتكبوا أعمال السلب والنهب مما حمل الأمبراطور البيزنطي على الإسراع بنقلهم إلى آسيا الصغرى، وذلك في جمادي الأولى/آذار)، واستقروا في نيقوميدية بانتظار وصول جموع أخرى () ، وفعلاً لم تلبث أن وصلت مجموعة أخرى من الفرنسيين بقيادة ستيفن بلوا، وانضم إليه عدد من الأمراء أمثال ستيفن كونت برجنديا وهيوكونت بروي، وبلدوين كونت جراندبريه، وهيو بييرفون أسقف سواسون بالإضافة إلى سرية ألمانية بقيادة كونراد كندسطبل الأمبراطور هنري الرابع وعبرت هذه المجموعة البوسفور، وعسكر أفرادها عند نيقية على مقربة من المعسكر اللمباردي، وبلغ عدد أفراد المجموعتين بين مائتين وثلاثمائة ألف مقاتل، وعين الأمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين صديقه ريموند كونت تولوز، قائداً عاماً عليهم، وألحق بهم جماعة من الجنود البيزنطيين بقيادة تسيتاس ().

أ- معركة مرسيفان : تحرك الجيش الصليبي الضخم من نيقوميدية إلى دوريليوم بهدف الوصول إلى الأراضي المقدسة، على أن يعيد أثناء زحفه فتح الطريق الذي يجتاز آسيا الصغرى، لذلك أوصى الأمبراطور ستيفن بلوا بأن يسلك الجيش الطريق الذي سلكته الجموع الصليبية السابقة الذي يجتاز دوريليوم وقونية، غير أن اللمباردينن رفضوا التوجه إلى الأراضي المقدسة إلا بعد فك أسر بوهميوند الذي اتخذوه مثلاً يُحتذى وبطلاً لهم، والمحارب الوحيد الذي يثقون به ليقودهم إلى النصر، وأصّروا بأن تتوجه الحملة إلى كمبادوكية ويذكر ابن الأثير أن هدف تلك الجموع الصليبية كانت تخليص بوهيموند من الأسر () ، وعلى الرغم من احتجاج بعض القادة الأمراء فقد توجَّه أفراد الحملة إلى الأراضي الداشمندية عبر أنقرة التابعة لقلج أرسلان، فاستدلوا عليها وتابعوا طريقهم إلى كنغري الواقعة في جنوب بافلاجونيا كي يسلكوا الطريق الرئيسي المؤدي إلى أماسية ونيكسار وحتى يعرقل التقدم الصليبي، عمد قلج أرسلان إلى الإنسحاب التدريجي من أمام القوة الصليبية، واتبَّع أسلوب البدو بتخريب البلاد أثناء أنسحابه وحرق كل ما يمكن أن يستفيد الصليبيون منه وبخاصة مواد التموين وفي الوقت نفسه، أخذت القوى التركية تتجمَّع في تحالف جديد لمواجهة الخطر الصليبي، فبادر كمشتكين أحمد الدانشمند بتجديد تحالفه مع قلج أرسلان، كما حثَّ رضوان صاحب حلب على أن يرسل عدداً من الجنود() ، وصل الصليبيون إلى كنغري فألفوا الأتراك فيها بكامل قوتهم، واستعصت عليهم المدينة لمناعتها، فاضطروا إلى متابعة سيرهم بعد أن نهبوا القرى المجاورة لكن التعب بدأ يظهر عليهم بسبب النقص في المؤن، وشدة الحرارة، ومضايقة الأتراك وأقترح ريموند، حتى يجنَّب الجيش الدمار المحقَّق أن يتوجه صوب الشمال الشرقي إلى قسطموني، ومنها إلى إحدى المدن البيزنطية على ساحل البحر الأسود. على أن الرحالة إلى قسطموني كانت بطيئة وشاقة بسبب نفاذ المؤن وتدمير الأتراك للمحاصيل الزراعية، وردمهم للآبار، وتعَّرض الصليبيون بهجوم تركي مفاجئ فتفّرقوا لا يلوون على شيء قبل أن يعيد ريموند لمَّ شعثهم ولما وصلوا إلى أطراف قسطنوني، كان على ريموند أن يشق طريقاً بين الجموع التركية إلى الساحل، على أن اللمباردين، أصُّروا مجدداً على التوجه إلى الشرق، ونزل في الأطراف على رأيهم مرغمين () واجتاز الجيش الصليبي نهر هاليس إلى بلاد الدانشمنديين ووصل أفراده إلى مدينة مرسيفان الواقعة في منتصف الطريق بين النهر وأماسية () . وعندما أدرك الأتراك أن القوة الصليبية أضحت منهكة تقدَّموا نحوها واصطدموا بها، ولم يمض وقت طويل حتى تضعضع الصليبيون وفُّروا من أرض المعركة تحت ضغط القتال مخلفين وراءهم نساءهم ورهبانهم ولجأ ريموند إلى تل صغيراً احتمى به إلى أن أنجده الفرنسيون والألمان، ثم هرب خلال الليل بعدما يئس من إحراز أي نصر، وترك وراءه المعسكر الصليبي ومن كان به من غير المحاربين ليقع غنيمة في أيدي الأتراك (). تلت المعركة عملية مطاردة لم ينج منها إلا الفرسان، وبلغت خسائر الصليبيين أربعة أخماس الجيش() ، واستولى الأتراك على كميات كبيرة من الأسلحة، وغنموا كثيراً من الأسرى بيعوا رقيقاً.

ولم يلبث ريموند أن وصل إلى بافرا، المينا البيزنطي الصغير على البحر الأسود قرب سينوب، وأقلتَّه من هناك سفينة بيزنطية إلى القسطنطينية () ، ويشير المؤرخ اللاتين ألبرت أوف أكس، أن ريموند تلقى رشوة من الأتراك كي يقود الجيش إلى قسطموني، وهذا مستبعد، لأن من يتتبع سير الحملة ومارافقها من أحداث يلمس مدى ما بذله ريموند من جهد في إقناع اللمباردين بعدم التوجه إلى بلاد الدانشمندبين أولاً، ثم محاولته إخراج الجيش من المأزق الذي أوقع نفسه فيه ثانياً، وما اختياره للطريق إلى قسطموني إلا نتيجة لما تعَّرض له الجيش من متاعب وأما فراره من أرض المعركة، فناتج عن إدراكه بعدم جدوى متابعة القتال بعد أن ولَّى اللمبارديون الأدبار وتبعهم البجناك المرتزقة ().

ب- معركة هرقلة الأولى: محت الكارثة التي حلَّت بالصليبيين في مرسيفان، الشهرة، التي اكتبسها هؤلاء نتيجة انتصارهم في دوريليوم وزاد من أثرها أنها لم تكن الكارثة الأخيرة. إذ، في الوقت الذي غادر فيه اللمبارديون مدينة نيقوميدية، وصل إلى القسطنطينية جيش فرنسي بقيادة وليم كونت نيفر على رأس خمسة عشر ألف من الفرسان والمشاة وحرص وليم على اللحاق بالمبارديين على وجه السرعة، فغادر القسطنطينية إلى نيقوميدية، وعلم فيها أن الجموع الصليبية مضت في طريقها إلى أنقرة فسار إلى هذه المدينة ووصل إليها بسهولة. لكن لم يكن أحد يعلم بالجهة التي سارت إليها هذه الجموع، لذلك لم يسع الكونت إلاَّ أن توجه نحو قونية، ولما وصل إليها ضرب الحصار عليها، وتولت حامية تركية سلجوقية الدفاع عنها، وما قـام به مـن محاولات للاستيلاء عليها باءت بالفشل فتركها ().

كان السلاجقة وحلفاؤهم قد فرغوا، في غضون ذلك، من إبادة الجموع اللمباردية، وعلم قلج أرسلان وكمشتكين أحمد دانشمند بقدوم العدو الجديد، وإذ لا زالت تغمرهما حرارة الانتصار، سارا نحو الجنوب، وسبقا وليم إلى هرقلة وسارت عسـاكر ينفر ببـطء من قونية متوجهين نحو الشرق، ولما وصلوا إلى مكان قريب من هرقلة، وكان التعب قد استبَّد بهم، هاجمهم الأتراك، فانهارت مقاومتهم بعد معركة لم تستمر طويلاً، ولقي الجيش الفرنسي بأسره مصرعه، باستثناءالكونت وستة من أتباعه ().

ج- معركة هرقلة الثانية : في الوقت الذي كانت فيه حملة نيفر تجوس آسيا الصغرى، وصلت الدفعة الأخيرة من تلك الجموع الصليبية إلى القسطنطينية، وتألفَّت من فرنسيين وألمان بقيادة وليم التاسع دوق أكويتين، وولف الرابع دوق بافاريا، وبلغ عدد أفرادها ستين ألف مقاتل خرجت هذه الجموع من القسطنطينية باتجاه قونية، وسلكت الطريق نفسه الذي سلكه، بوهيموند، من قبل، وانتهج الأتراك تجاهها الخطط نفسها التي طَّبقوها من قبل، بإحراق الغلال وإتلاف المؤن وطمر الآبار، ولما وصل أفراد هذه المجموعة إلى قونية وجدوا المدينة خاوية وكانت الحامية السلجوقية قد أخلتها بعد أن قاومت حملة نيفر، وحملت معها كل ما كان فيها من مؤن، كما جّردت البساتين والحدائق من كل ما يمكن أن يفيد الصليبيين() ولم يمكث الصليبيون في قونية وغادروها إلى هرقلة عن طريق يبلغ طوله خمسة وخمسون ميلاً، فعانوا من المتاعب الكثيرة حتى اشتد بهم الجموع والعطش وكان الأتراك يتخطفونهم بالقتل بين الحين والآخر ولما دخلوا إلى المدينة وجدوها مهجورة ()  ، وترَّبص المسلمون في هذا الوقت بالصليبيين، وكمنوا لهم في الغابات المحيطة بهرقلة، وباغتوهم وهم يشربون من ماء ذلك النهر المتفجر وراء المدينة، وإذ اضطرب نظامهم، انقضَّ عليهم الأتراك وأبادوهم عن آخرهم، باستثناء قلَّة قليلة استطاعت النجاة بصعوبة، من بينهم وليم التاسع وولف الرابع وتوجها إلى طرسوس ومنها إلى أنطاكية ().

س- نتائج معارك قلج أرسلان السابقة: أنتهت كل مجموعة من المجموعات الثلاث، نهاية محزنة أثَّرت نتائجها في سير الحركة الصليبية من جهة وفي الأتراك بعامة والسلاجقة بخاصة من جهة أخرى وأهم هذه النتائج هي : -
- ثأر السلاجقة لما حلَّ بهم في دوريليوم، فلن يجري بعدئذ طردهم من الأناضول كما رفعت الانتصارات المتتالية روحهم المعنوية.
- ظل الطريق الذي يجتاز آسيا الصغرى إلى بلاد الشام غير آمن للجيوش الصليبية والبيزنطية على السواء على الرغم من نجاح المجموعات الصليبية الأولى في اقتحامه، فخشي المهاجرون الصليبيون سلوك هذا الطريق البري الذي يجتاز القسطنطينية إلى إيسوس، ما لم يكونوا في جيوش ضخمة، ولم يعد بوسعهم القدوم إلا بحراً مع ما يتطَّلب ذلك من مصاريف إضافية لم يتمكَّن من دفعها إلا القليل. وظل هذا الطريق البري مغلقاً في وجه الصليبيين عدة أعوام ().
- ألقى الصليبيون اللوم على البيزنطيين بما حلَّ بهم من مصائب وحّملوهم مسؤولية ما حدث. وتردَّدت الشائعة بينهم أن ريموند كان يُنفَّذ تعاليم الأمبراطور عندما أخرج الجيش الذي يقوده عن طريق المرسوم ليلقى أفراده حتفهم في كمين سبق إعداده، والواقع أن اللاتين أرادوا التماس كبش فداء يتحمَّل مسـؤولية أخطائهم، فألقوا اللوم على البيزنطيين، وعدُّوهم مسؤولين عّما حلَّ بهم من كوارث ().
- لم يلبث قلج أرسلان أن ازداد افتخاراً بعد هذه الانتصارات وشاركه سائر أتراك الأناضول، وأضحى بوسعه أن يعيد سيطرته على جوف الهضبة، تم أقام في عاصمته قونية الواقعة على الطريق الرئيسي الذي يربط القسطنطينية ببلاد الشام () .
- أستأنف الدانشمنديون فتوحهم في وادي الفرات دون عائق وبلغوا أطراف إمارة الرها، كما فتحوا ملطية وأسروا حاكمها في 23ذي الحجة 495ه/18أيلول 1102م.
- أعاد رحيل الصليبيين إلى بلاد الشام، الخصومة والتنافس بين السلاجقة والدانشمنديين، وتنازع البيتان التركيـان الكبيران حول امتلاك ملطية وفدية بوهيموند، فتفكَّكت بذلك جبهة الأتراك في المنطقة ().

أثر وفاة قلج أرسلان :

راسل زنكي بن جكرمش قلج أرسلان الأول يستنجد به وكان آنذاك في ملطية، ووعده بتسليمه الموصل والأعمال التابعة لها، واستغل السلطان قلج أرسلان السلجوقي هذه الفرصة للتوسع على حساب الأمراء المتنازعين، فأسرع لنجدة زنكي، ولما علم جاولي بمسيره، انسحب من المدينة، لاسيما وقد توفي جكرمش فجأة وهو في الأسر، وكان ينوي اتخاذه أداة للمساومة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه أدرك أن لقج أرسلان الأول من القوة ما لايستطيع مجابهته في معركة سافره، لذلك قرّر تكوين حلف مناهض له حتى يدعم موقفه () ، لكن قلج أرسلان الأول تمَّكن من دخول الموصل وسط ترحيب السكان، وقد وعدهم باحترام حرياتهم وأجرى فيها بعض الترتيبات الإدارية () ، وأما جاولي، فقد انسحب إلى سنجار، وأجرى مباحثات مع كل من إيلغازي الأرتقي ورضوان صاحب حلب، واتفق في نهايتها على طرد قلج أرسلان الأول من الموصل، والتـوجه بعد ذلك لمهاجمة أنطاكية وانتهت الحرب ضد قلج أرسلان الأول بهزيمته وغرقه في نهر الخابور ()  في عام 500ه/1107م () ، ويعتبر قلج أرسلان الأول من الشخصيات الفذَّة التي أنجبتها سلاجقة الروم، وتأثر الشرق الأدنى بمختلف فئاته بموته.
فسلاجقه الروم الذين لم يظهر بينهم زعيم قوي يحل محل قلج أرسلان تعَّرضوا لضغط متزايد من جانب الأمبراطورية البيزنطية التي حدَّدت تدخلها في شؤونهم الداخلية، واستطاع ألكسيوس كومنين أن يعيد، باطمئنان، سيطرته على المناطق الغربية لآسيا الصغرى وعلى امتداد ساحلها الجنوبي.
أطالت وفاة قلج أرسلان من عمر دولة السلاجقة العظام، ما يقرب من مائة عام. ذلك أن الانقسامات الحادة داخل الدولة بين السلاطين والأمراء للسيطرة على العرش، وكثرة الحروب الداخلية بينهم بالإضافة إلى الأخطار الخارجية التي أحاقت بهم، كخطر الحشيشية والخطر الصليبي، شجّع قلج أرسلان على التدخل في شؤون الشرق للسيطرة على مقاليد الحكم، وليوحَّد من جديد كل القوى السلجوقية في المشرق وكان باستطاعته تحقيق حلمه هذا، فالظروف السياسية الداخلية والخارجية مواتية غير أن وفاته ساهمت السلاجقة العظام من الزوال وأطالت أمد عمرها.
تُعدُّ وفاة قلج أرسلان مرحلة بالغة الأهمية في انفصال سلاجقة الروم عن سلاجقة المشرق. ذلك أن الأخطار الداخلية والخارجية التي أحاقت بدولة السلاجقة العظام حالت بينهم وبين التدُّخل في شؤون الفروع السلجوقية الأخرى وبخاصة في بلاد الشام وآسيا الصغرى، والجدير بالذكر أن دولة سلاجقة الروم كانت لا تزال حتى ذلك الوقت تابعة اسمياً للسلاجقة العظام، ولم تستقل تماماً إلا في عام 552ه/1157م().
حرم موت قلج أرسلان، سلاجقة الشام من قوة كانت كفيلة بإقامة الوحدة بينهم، ذلك أن السيادة السلجوقية في بلاد الشام، أخذت تتقلصَّ سريعاً، لأن ابني تتشى، رضوان ودقاق لم يتمتعا بالمقدرة السياسية التي تمكَّنهما من مواجهة الأوضاع القلقة التي عاشتها بلاد الشام في أواخر القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، وأوائل القرن التالي، ولعل أكبر مظهر لانحلال سلطان السلاجقة في بلاد الشام والعراق وغيرهما، هو ظهور عدد كبير من البيوت الحاكمة التي تجمعها رابطة الاتصال بالبيت السلجوقي وظهرت من تلك البيوت، وحدات سياسة أطلق عليها اسم الأتابكيات وعلى أصحابها اسم الأتابك ().
أزالت وفاة قلج أرسلان خطراً شديداً عن صدر الأمبراطورية البيزنطية في وقت حرج، إذ كان بوهيموند يستعهد لمهاجمة بلاد البلقان في عام 501ه/1107م انطلاقاً من حصن دورازو المنيع وقد ضحى الكسيوس كومنين بحدود بلاده الجنوبية الشرقية من أجل إنقاذ دورازو، فعقد معاهدة مع قلج أرسلان حصل بموجبها منه على مساعدة عسكرية، إلا أن وفاته المفاجئة، وعدم وجود شخصية قوية تحل محله، أعطاه الفرصة ليتفرَّغ وهو مطمئن، لمواجهة خطر بوهيموند، الذي انهزم أمامه عام 502ه/1108م ().
جعلت وفاة قلج أرسلان الموقف في آسيا الصغرى مائعاً إذ أن أكبر أولاده الأربعة وهو ملكشاه أضحى أسيراً في يد السلطان محمَّد بعد معركة الخابور، بينما استولت أرملته على ملطية والأقاليم الشرقية بمساعدة الأمير أيدبر الذي اعترف بسيادة طغرل أرسلان، أصغر أولاد قلج أرسلان، على بلاد الروم، أما الاخوان الآخران، وهما مسعود وعرب، فقد عاش الأول في بلاد الدانشمنديين في حين استقر الثاني في قونية ().
لم يكن انهيار الحكم المركزي لسلاجقة الروم لصالح البيزنطيين، لأن أولئك استمروا في شنَّ الغارات على أراضي الأمبراطورية، وعلى الرغم من ذلك، فقد تمكَّن الأمبراطور البيزنظي من الاستيلاء على بعض الحصون في المناطق الحدودية () ، على أنه لم يشأ أن يغامر بالذهاب إلى قيليقية أو إلى بلاد الشام، وكان هذا التصرف منه لصالح السلاجقة الذين تفَّرغوا لمعالجة مشكلاتهم الداخلية ().



يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

32 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي: 2- جهاد جكرمش صاحب الموصل وسقمان بن أرتق صاحب ماردين وديار بكر:


32

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:

2- جهاد جكرمش صاحب الموصل وسقمان بن أرتق صاحب ماردين وديار بكر:

جعلت وفاة أتابك الموصل كربوغا الموقف مائعاً وأدت إلى إثارة الحرب الأهلية. ذلك أن كربوغا أوصى بالولاية من بعده إلى سُنقرجه، وهو أحد أمرائه، وأمر الأتراك بطاعته، لكن نازعه موسى التركماني نائبه في حصن كيفا، بعد أن استدعاه أعيان الموصل، واستطاع أن يقتل منافسه بحكم الموصل بوصفه نائباً عن السلطان بركياروق ()، واستغل شمس الدولة جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر، فرصة الاضطرابات، ليتدخل في النزاعات الداخلية، فزحف إلى نصيبين واستولى عليها، فهرب موسى إلى الموصل وتحصَّن بها، وهناك حاصره جكرمش مدة طويلة واضطر موسى إلى الاستعانة بسقمان الأرتقي في ديار بكر، فعرض عليه إعطاءه حصن كيفا ومنحه عشرة آلاف دينار، مقابل مساعدته، قَبِل سقمان هذا العرض وقّدم له مساعدة عسكرية فاضطر جكرمش إلى فكَ الحصار عن الموصل ولما خرج موسى لاستقبال سقمان، قتله بعض غلمانه في الطريق فتشتَّت جيشه، وعاد سقمان مسرعاً إلى حصن كيفا، فاستولى عليه بينما تقدم جَكَرمش إلى الموصل ودخلها وسـط ترحيب سكانها () .

تولى جكرمش إمارة الموصل عام 495ه - 500ه/1101- 1106م وعقد تحالف مع سقمان بن أرتق أمير الأراتقة في ديار بكر، استهدف التصدي لتقدم الصليبيين شرقاً باتجاه قلب الجزيرة، إذ كان للانتصارات السريعة التي أحرزها الصليبيون، واعتزامهم الاستيلاء على حران الواقعة في مفرق الطرق إلى العراق والجزيرة والشام، مستغلين فرصة الصراع بين الأمراء المسلمين، فضلاً عما يعنيه الاستيلاء على حران من قطع الصلة بين المسلمين في بلاد فارس والعراق والجزيرة والشام، وإعطاء الصليبيين فرصة لمهاجمة الموصل، وتأمين الرها، والسيطرة على إقليم الجزيرة، كان لهذه العوامل جميعاً الأثر الحاسم في تناسي كل من جكرمش وسقمان خلافاتهما القديمة، والعمـل سوية لإيقاف تقُّدم الصليبيين ().

أ- معركة البليخ وانتصار المسلمين على الصليبيين " وتسمى معركة حران "
أرسل كل من جكرمش وسقمان إلى صاحبه يدعوه إلى الاجتماع لتلاقي أمر حّران. ويعلمه أنه قد بذل نفسه لله تعالى وثوابه " فأجاب كل منهما صاحبه، واجتمعا على الخابور عند رأس العين، حيث عززا تحالفهما وتوجها على رأس عشرة آلاف فارس من الترك والعرب والأكراد لمنازلة الرها قبل أن يتعرضا للهجوم، وعندما سمع بلدوين الثاني أمير الرها نبأ احتشادهم في رأس العين أرسل إلى جوسلين وبوهمند يستنجد بهما، واقترح عليهما أن يحَّولا وجهة الهجوم بأن يقوما بمحاولة لمنازلة حران، وبعد أن أبقى بلدوين حامية صغيرة في الرها اتخذ طريقه إلى حران على رأس جماعة صغيرة من الفرسان والأرمن، وانحاز إليه بالقرب من حران كل من جوسلين أمير تل باشر وبوهمند أمير أنطاكية، وابن أخته تانكرد، وبطريرك إنطاكية، وجيش ضم فرسان الصليبيين وأمراءهم وعدداً كبيراً من الأرمن ورجال الدين، بلغ عدده نحو ثلاثة آلاف فارس، ونحو ثلاثة أمثال هذا العدد من الرجالة، والواقع أن هذا الجيش يمثل القوة الضاربة الكاملة لدى صليبيين شمالي الشام، عدا حاميات الحصون، وعندما احتشد هذا الجيش أمام حران كان جكرمش وحليفه لا يزالان يزحفان نحو " الرها " () .

كاد الصليبيون أن يستولوا على حران، بعد وقت قصير من فرض الحصار عليها، إلا أن الخلاف الذي نشب بين بلدوين بي بور، وبوهمند، وإصرار كل منهما على رفع رايته على المدينة بعد الاستيلاء عليها، ساعد على صمود حران، وأتاح للمسلمين فرصة التحرك لقتال الصليبيين قبل سقوط هذا الموقع بأيديهم، وتم اللقاء بين الطرفين على نهر البليخ في التاسع من شعبان، حيث أظهر المسلمون الهزيمة، فتبعهم الصليبيون نحواً من فرسحين، فأعـاد المسـلمون الكرة عليهم، وأبادوا معظم قواتهم () ، وغنموا مقادير كبيرة من الأموال والممتلكات () ، وكان بوهمند أمير إنطاكية وابن أخته تانكر، قد كمنَا خلف إحدى المرتفعات لينقضا على المسلمين من مؤخرتهم حين يشتد القتال، فلما خرجا شاهدا هزيمة رفاقهم ونهب معسكراتهم، فأقاما في أماكنهما إلى الليل، ومن ثم تسللاَّ هاربين، فتبعهما المسلمون وقتلوا وأسروا من أصحابهما عدداً كبيراً، بينما تمكّنا هما من الفرار إلى الرها. أما بلدوين وجوسلين فقد تم أسرهما. وكان بلدوين قد انهزم مع جماعة من قواده وخاضوا نهر البليخ، إلا أن الأوحال أعاقت تحُّركهم السريع، فلحقهم قائد تركماني من أصحاب سقمان وتمكن من أسرهم؛ حيث حمل بلدوين إلى سيده سقمان ().

ب- الخلاف بين جكرمش وسقمان: وعندما رأى أصحاب جكرمش أنّ قوات سقمان قد استولت على حصة الأسد من غنائم الصليبيين قالوا لسيدهم : أي منزلة تكون لنا عند الناس وعند التركمان إذا انصرفوا بالغنائم دوننا؟ وحسنوا له اختطاف بلدوين، فأرسل جكرمش بعض أصحابه، حيث تمكنوا من اختطاف الأمير الصليبي من معسكر سقمان. فلما علم هذا بما حدث، وكان خلال ذلك غائباً عن مقره، شق عليه الأمر، وتهيأ أصحابه للقتال، إلا أنه ما لبث أن ردّهم وقال لهم: لا أوثر شفاء غيظي بشماتة الأعداء بالمسلمين() ، ومن ثمّ تقَّدم على رأس قواته، وأخذ سلاح الصليبيين وراياتهم، وألبس، أصحابه ملابسهم وأركبهم خيلهم وجعل يأتي حصون إقليم شبختان من ديار بكر، فيخرج الصليبيون منها، ظناً منهم أن أصحابهم قد انتصروا فيجابههم سقمان ويقضي عليهم ويقتحم حصونهم، وتمكن بذلك من وضع يده على عدد من حصون المنطقة، وقفل عائداً إلى مقر إمارته في ديار بكر() .

ج- هزيمة جكرمش : قرر جكرمش المضي في القتال بعد عودة حليفه، وقام باقتحام قلاع الصليبيين في إقليم شبختان الممتد إلى شرق الرها، ليحمي مؤخَّرته، ومن ثم واصل السير إلى الرها نفسها وإذ أدى تمهل الصليبيين من قبل إلى الإبقاء على حران بأيدي المسلمين، فقد أبقى الرها للمسيحيين ما حدث من تمهل المسلمين إذ توفر لتانكرد من الوقت ما يكفي لإصلاح وسائل الدفاع وبذلك استطاع أن يردَّ أول هجوم قام جكرمش، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى ما أظهره الأرمن والمحليون من الولاء والبسالة غير أن ما أحسن به تانكرد من ضغط شديد، حمله على المبادرة بالاستنجاد بيوهند، ومع أن هذا كان يواجه مشاكل عديدة، إلاَّ أنه رأى ألاَّ من جعل الأسبقية لدرء الخطر عن الرها، فنهض لمساندة ابن أخته، غير أنه عطله ما كانت عليه الطرق من أحوال سيئة. واستبَّد اليأس بتانكرد فأمر رجال الحامية بأن يتخذوا أماكنهم للهجوم قبل بزوغ الفجر، وتحت جنح الظلام انقَّض رجاله على الأتراك الذين استغرقوا في نومهم مطمئنين، واكتمل الانتصار الصليبي بوصول بوهمند، فهرب جكرمش مذعوراً، وخلف من ورائه معسكره الزاخر بالثروة فانتقم الفرنج من هزيمة حران، وتم إحتفاظهم بالرها () وكان من بين الأسرى الذي وقعوا في يدي تانكرد أميرة سلجوقية من عقائل بيت جكرمش الذي بلغ من تقديره لهذه السيدة أنه بادر لافتدائها مقابل مبلغ كبير من المال 15ألف بيزنت، أو مبادلتها بالكونت بلدوين نفسه، وبلغت بيت المقدس أنباء هذا العرض، فأسرع الملك بلدوين بالكتابة إلى بوهمند بألاَّ يجعل هذه الفرصة تفلت حتى يتم إطلاح سراح بلدوين. غير أن بوهمند وتانكرد احتاجا إلى المال على حين أن عودة بلدوين سوف تخرج تانكرد من وظيفته الحالية – كمسؤول على الرها – ليعود إلى إنطاكية ولذا ردَّا على رسالة الملك: أنه ليس من الدبلوماسية في شيء أن يظهرا لهفتهما الشديدة على قبول العرض، على حين أنهما إذا ترّددا في القبول ربما لجأ جكرمش إلى زيادة الفدية. غير أنه في تلك الأثناء تم اتفاقهما مع جكرمش على قبول عرضه النقدي، وبذا بقي بلدوين في الأسر ().

س: نتائج معركة البليخ أو حرّان: كانت لمعركة البليخ نتائج بالغة الأهمية على الصعيدين الإسلامي والصليبي، لعل أهمها :
أوقفت تقدم الصليبيين وتوسعهم باتجاه الشرق على حساب المسلمين، وقضت على آمالهم في التقدم نحو العراق وإتمام سيطرتهم على إقليم الجزيرة.
تلاشت أحلام بوهيموند في السيطرة على حلب، وتحويل إمارة إنطاكية إلى دولة كبيرة، وقضت على آمال الصليبيين بقطع الاتصال بين القوى الإسلامية في الشام والجزيرة وآسيا الصغرى عن طريق الاستيلاء على حلب.
قرَّرت مصير إقليم الرها. ذلك أن هذه الإمارة تعرضت لكثير من المتاعب الداخلية التي أضعفتها وبخاصة من جانب الأرمن الذين سرعان ما أبدوا تذمراً من الحكم اللاتيني بفعل تعسف هؤلاء مع الكنسية الأرمينية، واضطهاد رجالها مما دفع الأرمن إلى الاتصال بالأتراك وأضحى احتمال سقوطها في أيدي المسلمين وشيكا () .
أتاحت للمسلمين فرصة استعادة الأملاك التي خسروها في السابق، وضُمَّت إلى إمارة أنطاكية.
أضحى تانكْرِد، بعد أسر بلدوين، وصياً على إمارة الرها، كما أصبح بوهيموند أقوى الأمراء الصليبيين في الشمال.
أدَّت ظروف الانتصار إلى زيادة التقارب بين القوى الإسلامية والبيزنطيين ضد عدوهم المشترك وأوضح ابن القلانسي خطورة النتائج بقوله: وكان نصراً حسناً للمسلمين؛ لم يتهيأ مثله، وبه ضعفت نفوس الإفرنج، وقلَّت عدتهم، وفلَّت شوكتهم وشكتهم، وقويت نفوس المسلمين، وأرهقت عزائمهم في نصرة الدين، ومجاهدة الملحدين، وتباشر الناس بالنصر عليهم، وأيقنوا بالنكاية فيهم والإدالة منهم.
حطَّمت أسطورة أن الصليبيين لا يقهرون () .
استغل الإمبراطور البيزنطي الكسيوس فرصة ضعف مركز بوهمند إثر تعّرضه للانتقاد بسبب عدم افتدائه لرفيقه بلدوين، فضلاً عن التزامه بالمعاهدات التي كان عقدها مع الإمبراطور الذي راح يشجع الانتفاضات التي قام بها سكان قليقية ضد حكامهم النورمان، كما أوعز إلى قواته بالاستيلاء على عدد من المدن والمواقع التي كان تانكرد قد استولى عليها من قبل، واشترك الأسطول البيزنطي في السيطرة على بعض المدن الساحلية بين اللاذقية وطرطوس، يضاف إلى ذلك أن البيزنطيين تمكنوا من استغلال قواعـدهم البحرية في قبرض لتقديم المساعدات لريموند الضجيلي – عدو بوهمند اللدود – الذي كان يسعى لتأسيس إمارة حول طرابلس تحاذي إنطاكية من الجنوب في الوقت الذي لم يتقـدم فيـه أحـد مـن القدس لنصرة بوهمند ومساعدته في هذه المحنة ().

وهكذا قدر لجكرمش، بتحالفه مع سقمان، أن يلعب دوراً خطيراً في تاريخ الحروب الصليبية، وأن يقدم وحليفه للعالم الإسلامي، أول نصر حاسم على الصليبيين، فتح به الطريق لظهور قيادات وأحلاف إسلامية وجهت الضربات المتتالية للقوى الصليبية، تلك القيادات التي بدأت بمودود حاكم الموصل السلجوقي، وانتهت بصلاح الدين، عبر إيلغازي وبلك الأرتقيين، وآق سنقر البرسقي، ثم عماد الدين ونور الدين الزنكيين ().

ش- مواصلة جكرمش للجهاد: ورغم بعض البوادر السلبية التي أعقبت انتصار المسلمين في البليخ فإن جكرمش ظل يطمح لتحقيق انتصارات أخرى في هذا الميدان، وبعد أقل من سنتين أتيح له ذلك عندما تلقى في أواخر عام 499ه - 1106م أمراً من السلطان محمد بالقيام بحملة جديدة لمهاجمة الصليبين، فاتصل بأمراء المنطقة وتمكن من تشكيل حلف يضم رضوان أمير حلب وإيلغازي الأرتقي أمير ماردين وألبي تمر تاش صاحب سنجار والأصبهذ صاوا أحد كبار أمراء فارس إلاَّ أن ما طرحه إيلغازي على الأمراء المذكورين، أعاق تنفيذ الخطة المقترحة؛ إذ طلب منهم أن يبدؤوا حملتهم ضد جكرمش بقصد الاستيلاء على الموصل لكسب رضا السلطان محمد الذي كان يخفد على حاكم الموصل بعض تصرفاته، فضلاً عن إمكانية الاستفادة المباشرة من ميزان الموصل وإمكانياتها المالية والعسكرية ضد الصليبيين فواقفه زملاؤه على ذلك ومضوا سوية لمهاجمة نصيبين التابعة لحاكم الموصل. إلا نواب جكرمش هناك نجحوا – بتوجيه من سيدهم في الموصل – في إثارة النزاع والكراهية بين رضوان وإيلغازي، فاغتنم رضوان فرصة إقامة وليمة أمام أسوار نصيبين وقام باختطاف إيلغازي وتكبيله واعتقاله، إلا أن أتباعه من التركمان تمكنوا من تخليصه، وقاموا بهجوم مباَغت على معسكر رضوان أرغمه على الإنسحاب والعودة إلى حلب وبدا تمزق هذا التحالف قبل أن يخطو خطوة واحدة صوب هدفه الأساسي في قتال الصليبيين () ، إلا أن ذلك كله لم يثن جكرمش عن عزمه على مهاجمة أعدائه الحقيقيين، إذ إنه ما أن تمكن من إحباط مساعي الأمراء المتحالفين ضده حتى بادر بشن الهجوم على الرها، إلا أنه ما لبث أن عاد إلى الموصل ليواجه متاعب جديدة تجاه السلاجقة بعد أن نجح في التغلب على هجوم قامت به عساكر ريتشادر (سالرنو) الذي كان يحكم الرها آنذاك نيابة عن بلدوين المأسور. ولم يمضي وقت قصير على ذلك حتى تحرك قلج أرسلان بن سليمان، سلطان سلاجقة الروم، لمهاجمة الرها، فانتهز نواب جكرمش في حران الفرصة وأرسلوا إليه يستدعونه ليسلموا إليه البلد، فتقَّدم قلج أرسلان إلى هناك ودخل حران، وفرح به الناس لأجل جهاد الفرنج ()، وأقام هناك أياماً اضطر بعدها للعـودة إلى بلـده بسبب مرض شديد ألّم به تاركاً في حران جماعة من أصحابه لحمايتها () ، ويبدو أن شخصية قلج أرسلان بدأت تطغى، بما تمتع به من قوة واستقلال ونفوذ، على شخصيات رفاقه من الأمراء المسلمين في المنطقة بسبب خلافاتهم المستمرة، وتطاحنهم الدائم من أجل تحقيق مكاسب إقليمية محدودة فضلاً عن أن المشاكل التي جابهت جكرمش في الموصل، وتدهور علاقته مع السلاجقة صرف اهتمامه كلية عن ساحة الجهاد ضد الصليبيين، الأمر الذي أدّى إلى أن يستقطب قلج أرسلان اهتمام نواب جكرمش في حران فاستدعوه وسلَّموه البلد، مما يفسر لنا – كذلك – ما حدث بعد قليل من استدعاء قلج أرسلان من قِبل أهالي الموصل كي يتولى حكمهم، إثر مقتل حاكمهم السابق جكرمش ().




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

31 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي: 1- جهاد قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل :


31

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:

1- جهاد قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل :

وقد اتخذت فكرة المقاومة الإسلامية مظهرها العملي منذ سنة 491ه/1097م حيث قام قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل بجمع ما استطاع جمعه من العساكر بقصد منع أنطاكية من السقوط بيد الصليبيين ولكن كربوقا لم يلبث أن توقف في الطريق حيث حاصر الرها لمدة ثلاثة أسابيع فأعطى بذلك فرصة كبيرة للصليبيين جدوا فيها لفتح أنطاكية، وقد تم لهم ذلك، ولو أن كربوفا أنفذ إلى أنطاكية مباشرة لا سلمه ياغى سيان مدينة أنطاكية، وتغيرت ظروف المحاصرين () ولكن كربوقا رفع الحصار عن الرها حين سمع بسقوط أنطاكية بيد الصليبيين، وعبر الفرات إلى الشام وأقام بمرج دابق حيث اجتمع هناك دقاق بن تتش صاحب دمشق وظهير الدين طغتكين أتابك دقاق، وجناح الدولة حسين صاحب حمص، وأرسلان تاشى صاحب سنجار، وسقمان بن أرتق صاحب بيت المقدس، وغيرهم من الأمراء ممن ليس مثلهم في القدوة والكفاية على حد قول ابن الأثير(). وانضم الأمراء جميعاً تحت قيادة كربوغا وسار بهم صوب أنطاكية في سنة 491ه/1097م التي كانت قلعتها لا تزال في أيدي المسلمين، فاقتربوا منها وشددوا عليها الحصار حتى تغير موقف الصليبيين وساءت حالتهم، إذ وجدوا أنفسهم محاصرين من الداخل والخارج، فتعرضوا لأزمة قاسية بسبب قلة الغذاء مما اضطرهم إلى أكل الجيف وأوراق الشجر () ، ودفع ذلك الصليبيين إلى إرسال وفد إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من أنطاكية، غير أن كربوقا رفض طلبهم وقال لهم : لا تخرجون إلا بالسيف ()، وهذا ما دفع أحد رجال الدين المسيحيين واسمه بطرس "بورشلميوا" إلى اختلاق قصة الحربة المقدسة التي أدت إلى دفع معنويات الصليبيين والتفافهم حول زعمائهم، فقويت نفوسهم على الاندفاع تجاه المسلمين والخروج من الباب جماعات متفرقة حتى تكامل خروجهم فزحفوا على المسلمين وهم في غاية من القوة والكثرة فكسروا المسلمين وفرقوا جموعهم ()، وهكذا فشل كربوقا في قيادة التحالف الإسلامي الذي أراد من ورائه منع سقوط أنطاكية في أيدي الصليبيين سنة 491ه/1097م وقد ذكر المؤرخون أسباب فشل كربوقا في منع سقوط أنطاكية في أيدي الصليبيين في الوقت الذي كان فيه الصليبيون قد وصلوا إلى درجة من الضعف والتدهور داخل أنطاكية ومن أهم هذه الأسباب.

ما ذكره مؤرخ أعمال الفرنجة من أن كربوقا صاحب الموصل قد أضاع ثلاثة أسابيع في حصار الرها مما مكن الصليبيين من الاستيلاء على أنطاكية، والاحتياط بما عسى أن يطرأ لهم من هجوم مباغت سواء من المسلمين الذين كانوا داخل قلعة أنطاكية أو من اخوانهم في بلاد الشام وغيرها ().
عدم وجود تجانس بين قوات كربوقا التي تكونت من العرب والترك وغيرهم، ثم ما قام به رضوان صاحب دمشق من بث روح الشقاق بين العرب والترك.
عدم وجود خطة عسكرية واضحة أمام كربوغا، ولعل أبرز ما يوضح ذلك هو عدم رغبة كربوقا في السماح لرجاله بتوجيه الضربة القاضية للصليبيين وهم يخرجون جماعات متفرقة من أنطاكية. وهذا يعود إلى أن كربوقا كان يخشى على ما يبدو من أنه إذا فعل ذلك فسوف لا يقضي إلا على مقدمة الصليبيين () .
سوء معاملة كربوقا لمن معه من الأمراء، كانت سبباً من أسباب هزيمته وفشله، فقد شرع بنوع من الاستعلاء عليهم: ظناً منه أنهم يقيمون معه على هذا الحال، مما أدى إلى استيائهم من تصرفاته() .
ارتفاع الروح المعنوية عند الصليبيين بعد اختلاف قصة الحربة المقدسة، بالإضافة إلى ما قام به زعماء الصليبيين قبل وصول كربوقا إلى أنطاكية من مراسلة دقاق صاحب دمشق وإخباره أن مطامعهم لا تتعدى الاستيلاء على ما كان بيد الإمبراطور البيزنطي في شمال الشام ()، ولا يمنع هذا من القول بأن محاولة كربوقا منع أنطاكية من السقوط بيد الصليبيين كانت نقطة انطلاق في بعث فكرة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين وكشفت للصليبيين عن مدى قوة المسلمين في حالة اتحادهم، كما أنها رسمت الطريق الصحيح لمن أتى بعده من زعماء المسلمين الذين أخذوا على عواتقهم حمل لواء الجهاد الإسلامي ليكملوا المسيرة من بعده، وتتمثل هذه الحقيقة إذا علمنا أن عماد الدين زنكي قد عاش في كنف كربوقا بعد موت والده () على أن كربوقا صاحب الموصل قد وافته منيته عند مدينة خوى بأذربيجان سنة 495ه/1102م أثناء النزاع بين السلطان بركياروق بن ملكشاه وأخوه محمد بن ملكشاه، فخلت الموصل من أحد الزعماء الذين لم يشغلهم، النزاع القائم بين السلاجقة عن مواصلة العمل على بعث فكرة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين ().





يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

30 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:



30


موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:

من الحقائق المسلم بها في تاريخ الحركة الصليبية، أن حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين انبعث لأول مرة في بلاد المشرق الإسلامي من منطقة الجزيرة وهي تقع بين دجلة والفرات مجاورة لبلاد الشام وتشتمل على ديار مُضر وديار بكر، وسميت الجزيرة لوقوعها بين نهري دجلة والفرات، وتمتاز منطقة الجزيرة بأنها صحية الهواء جيدة الريع والنماء، واسعة الخيرات، بها مدن جليلة وحصون منيعة وقلاع كثيرة () ، ومن الأسباب التي جعلت حركة المقاومة تبعت من منطقة الجزيرة هي:

أن منطقة الجزيرة أول أقطار المسلمين في المشرق الإسلامي أكتوت بنار الخطر الصليبي عندما استولى الصليبيون على الرها وتأسست بها أولى الإمارات الصليبية سنة 490ه/1097م، فأدرك السكان خطر توغل الصليبيين في بلادهم، مما بعث المسلمين على التفكير الجدي في المبادرة إلى مهاجمة الصليبيين.

أن منطقة الجزيرة قد ظهرت شخصيتها منذ عصر صدر الإسلام بسبب مجاورتها لأطراف الدولة البيزنطية، مما نشأ عنه خطر شديد على المسلمين أيام الأمويين والعباسيين فأصبحت خط الدفاع الأول عن ثغور المسلمين ضد الروم، وبعد الغزو الصليبي أصبحت منطقة الجزيرة تواجه إمارة الرها الصليبية التي شكلت أكبر خطر على الخلافة العباسية في بغداد.
شهدت منطقة الجزيرة خلال النصف الثاني من القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي دخول الأتراك السلاجقة إليها مع ما اشتهروا به من حبهم لتربية الخيول والمغامرة مع حماسهم للإسلام بسبب قرب عهدهم به، وانتمائهم للمذهب السني وأمد السلاجقة التركمان منطقة الجزيرة بدماء جديدة شديدة التحمس إلى الجهاد في سبيل الله، بعكس القوى الإسلامية الأخرى في بلاد الشـرق الإسـلامي التي خبت جذوة الحماس الديني في نفوسها وخمدت روح القتال لديها ().

الثروات الضخمة والموارد الكبيرة التي حوتها منطقة الجزيرة بسبب توفر مصادر المياه، وخصوبة الأرض، وسعة الرقعة الزراعية وكثرة المراعي اللازمة للخيل والماشية، الأمر الذي مكنها من مد المجاهدين بمصدر لا ينفذ من المؤن والعتاد هذا فضلاً عن الحصانة الطبيعية التي تمتعت بها كبرى مدن وقلاع الجزيرة التي انطلقت منها حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين مثل الموصل وآمد وماردين وحصن كيفا وغيرها، إذ أن تلك المدن التي امتازت بحصانة جغرافية فريدة جعلت اقتحامها عنوة أمراً بالغ الصعوبة وبالتالي أصبحت في مأمن من الهجمات الصليبية المضادة، ولايستبعد أن يكون قد اختمر في نفوس زعماء حركة الجهاد بعث فكرة الجهاد الإسلامي ما يمثله وجود إمارة الرها الصليبية في منطقة الجزيرة من خطورة بالغة على مركزهم بالإضافة إلى خوفهم من تقدم الصليبيين جنوباً للقضاء على الخلافة العباسية في بغداد () . ومن هنا فلا غرو أن تنبعث فكرة الجهاد الإسلامي في منطقة الجزيرة بقصد انتزاع الرها من أيدي الصليبيين ().



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

29 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: ثالثاً: الشعراء ودورهم في حركة المقاومة :


29

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

ثالثاً: الشعراء ودورهم في حركة المقاومة :

قام بعض الشعراء بدور كبير في تحريض المسلمين ووصف أحوال الأمة وطبيعة الغزو الصليبي الذي احتل البلاد وهتك الأعراض ومن أشهر هؤلاء ما قاله القاضي الهروي وقيل لأبي المظفر الأبيوردي القصيدة التي أولها :


مزجنا دماءً بالدموع السواجم
          
    فلم يبق منا عرضه للمراجم ()
ج      
وشر سلاح المرء دمع يفيضه
          
    إذا الحرب شُبَّت نارها بالصوارم ()
   

إنه، في هذا المطلع، يصّرح ببكاء الناس بكاءً أنزل الدم من العيون لشدته واستمراره، وأنهم بكوا حتى لم يبق فيهم مجال للذم، ولكنه لا يلبث أن يفطن إلى أن البكاء على شدته، لن يغني في شيء في معركة لا يسّعر نيرانها إلا السيوف القواطع ومنها :


فإيها بني الإسلام إن وراءكم
          
    وقائع يلحقن الذُرا بالمناسم
ج      
أتهويمةً في ظلَّ أمن وغبطةٍ
          
    وعيشٍ كنّوار الخميلة ناعم ()
      
وكيف تنام العين ملء جفونها
          
    على هفوات أيقظت كلَّ نائم
      
وأخوانكم بالشام يُضحي مقيلُهم
          
    ظهور المذاكي أو بطون القشاعم ()
      
تسومهم الروم الهوان، وأنتم
          
    تجرون ذيل الخفض، فعل المسالم ()
   

وهنا يستصرخ الشاعر المتخلفين عن القتال مع أخوانهم المسلمين في بلاد الشام، فيبدأ هذا المقطوعة بتوجيه نداء حار للمسلمين : إيهاً بني الإسلام أن اصُحوا من نومكم فمادهمكم من الغزو يجعل أعزتكم أذلة. ثم يعجب لهم ولنومهم، إذ كيف ينامون ملء عيونهم ويعيشون ناعماً آمناً وغير بعيد منهم تجري فظائع الأمور التي تقع على رؤوس أخوانهم من أهل الشام، فلا يجدون وقتاً قصيراً ينامون فيه في بيوتهم، فجلّ أوقاتهم على صهوات خيولهم يحاربون أو تكتب لهم الشهادة فتتخطفهم نسور الجو ولا من يدفن جثثهم، وربما يقعون تحت إذلال أعدائهم من الفرنجة، أما أنتم فيبدو عليكم التقلب في ثياب النعمة كما أنكم مسلمون أو متحالفون مع الأعداء ومنها :


وكم من دماء قد أبيحت ومن دمىً
          
    تواري حياءً حسنها بالمعاصم()
      
بحيث السيوف البيض محمرة الظبا
          
    وسمرُ العوالي دامياتُ اللَّهاذِم ()
      
   
 
وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة
          
    تظل لها الولدان شيب القوادم
      
وتلك حروب من يغب عن غمارها
          
    ليسلمٍ يقرع بعدها سنَّ نادم
      
سَللن بأيدي المشركين قواضباً
          
    ستُغمد منهم في الطُلا والجماجم ()
      
يكاد لهن المستجنُّ بطيبة
          
    ينادي، بأعلى الصوت، يا آل هاشم
   

وفي هذه الأبيات يصور شراسة المعارك التي وقعت بين المسلمين وأعدائهم من الفرنجة، فقد أُبيحت فيها دماء كثير من المسلمين ولقد اقتحم فيها على النساء خدورهن وما وجدت ما يدفعن به عن أجسامهن المصونة غير معاصمهن المشتبكة حياءً وخوفاً، وقد اشتدت هذه الحروب واستحّر فيها القتل حتى بدت أسنَّة السيوف والرماح حمراء لاهبة، وحتى أن الصبيان ربما يظهر في شعرهم الشيب لما فيها من هول الطعن والضرب ثم يعود لتنبيه المتخلفين بأنهم سوف يندمون على تخلفهم عن الاشتراك في هذه الحروب، التي يعود ليتحدث عن أخطارها فيهّون من شأن الأعداء وأسلحتهم فيما استلّوه من سيوف قاطعة تعود إلى نحورهم وجماجمهم. وفي آخر الآبيات يؤكد فظاعة هذه الحروب بأن الرسول صلى الله عليه وسلم، في ضريحه الطاهر في المدينة المنورة يستنجد على الأعداء، بالعرب والمسلمين وليس بآل هاشم فحسب (). تحت إذلال أعدائهم من الفرنجة، أما أنتم فيبدو عليكم التقلب في ثياب النعمة كما أنكم مسلمون أو متحالفون مع الأعداء ومنها :


وكم من دماء قد أبيحت ومن دمىً
          
    تواري حياءً حسنها بالمعاصم()
      
      
بحيث السيوف البيض محمرة الظبا
              
    وسمرُ العوالي دامياتُ اللَّهاذِم ()
      
وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة
          
    تظل لها الولدان شيب القوادم
      
وتلك حروب من يغب عن غمارها
          
    ليسلم يقرع بعدها سنَّ نادم
      
سَللن بأيدي المشركين قواضباً
          
    سُتغْمد منهم في الطُلا والجماجم ()
      
يكاد لهن المستجنُّ بطيبة
          
    ينادي، بأعلى الصوت، يا آل هاشم
   

وفي هذه الأبيات يصور شراسة المعارك التي وقعت بين المسلمين وأعدائهم من الفرنجة، فقد أُبيحت فيها دماء كثير من المسلمين ولقد اقتحم فيها على النساء خدورهن وما وجدن ما يدفعن به عن أجسامهن المصونة غير معاصمهن المشتبكة حياءً وخوفاً، وقد اشتدت هذه الحروب واستحّر فيها القتل حتى بدت أسنَّة السيوف والرماح حمراء لاهبة، وحتى أن الصبيان ربما يظهر في شعرهم الشيب لما فيها من هول الطعن والضرب ثم يعود لتنبيه المتخلفين بأنهم سوف يندمون على تخلفهم عن الاشتراك في هذه الحروب، التي يعود ليتحدث عن أخطارها فيهّون من شأن الأعداء وأسلحتهم فما استلّوه من سيوف قاطعة تعود إلى نحورهم وجماجمهم. وفي آخر الآبيات يؤكد فظاعة هذه الحروب بأن الرسول صلى الله عليه وسلم، في ضريحه الطاهر في المدينة المنورة يستنجد على الأعداء، بالعرب والمسلمين وليس بآل هاشم فحسب ().


أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا
          
    رماحهم، والدين واهي الدعائم
      
ويجتنبون النار خوفاً من الردى
          
    ولا يحسبون العار ضربة لازم
      
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى
          
    ويغفي على ذلَّ كماة الأعاجم () ؟
      
فليتهم إذ لم يذودوا حمية
          
    عن الدين، ضنوا غيرة بالمحارم
      
وإن زهدوا في الأجر، إذ حمي الوغى
          
    فهلاً أتوه رغبة في الغنائم ؟
   

ويرى الشاعر قعود بعض بني قومه عن الجهاد فيتألم لذلك ألماً يصور معه واقعهم المتخاذل عن نصرة دينهم الذي يحاول الأعداء إضعافه، جبناً وخوفاً وغفلة عما يلحق بهم من العار في حالة الهزيمة، ويعجب لشجعان المسلمين، من عرب ومن عجم، كيف يقبلون بهذا كله ثم يقلب لهم أسباب الدفاع عن الدين وعن البيضة تقليباً منطقياً، فيه الألم الذي يعصر قلبه، والتبكيت الذي يهز أحاسيسهم من الأعماق، فيطالبهم بالدفاع عن الدين أولاً فإن لم ينهضوا له فليحموا محارمهم من النساء والبلدان والعقار، وهذا أضعف الإيمان، أن يهتموا بالدنيا وعَرضَها من غنائم وأسلاب إن فقدوا الثأر للدين والخروج للجهاد ونيل الشهادة !!. وفي نهاية القصيدة يبلغ به الألم مبلغاً أشد فعلاً وتأثيراً، فيكشف لهم عن مستقبل أيامهم وما يلاقون فيه من إذلال وصغار في أيام أبنائهم الوارثين للخنوع إن قبلوا باحتلال الأعداء لبلادهم، ثم يهددهم بعار تسليم النساء للأعداء إن هم ظلوا على ما هم عليه من الخنوع والحين والقعود عن الجهاد ولم يزل الشاعر يستصرخهم والحرب مستعرة، ليغيروا على المعتدين غارة شعواء تلقن الفرنجة درساً قاسياً، كما تعّودوا في كل مرة يهاجمون فيها بلاد الإسلام :


لئن أذعنت تلك الخياشيم للبُرَى
          
    فلا عطست إلا بأجدع راغم ()
      
دعوناكم والحرب تدعو ملحة
          
      إلينا بألحاظ النسور القشاعم ()
      
تراقب فينا غارة عربية
              
    تطيل عليها الروم غَضَّى الأباهم ()
      
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه
              
    رمينا إلى أعدائنا بالجرائم ()
   

وقال شاعر آخر في الغزو الصليبي لبيت المقدس :


أحلَّ الكفُر بالإسلام ضيماً
          
    يطول عليه للدين النحيب
      
فحقُّ ضائع وحمىً مباح
          
    وسيف قاطع ودم صبيب ()
      
وكم من مسلم أمسى سليباً
          
    ومسلمة لها حرم سليب
      
وكم من مسجد جعلوه ديراً
              
    على محرابه نُصبَ الصليب
      
دم الخنزير فيه لهم خَلوقٌ
          
    وتحريف المصاحف فيه طيب()
      
أمور لو تأملهن طفل
          
    لطفَّل في عوارضه المشيب ()
      
أتسبى المسلماتُ بكل ثغر؟
          
    وعيش المسلمين إذن يطيب
      
أما لله والإسلام حق ؟
          
    يدافع عنه شبان وشيب
      
فقل لذوي البصائر حيث كانوا
          
    أجيبوا الله، ويحكم، أجيبوا ()
   

- الشاعر ابن الخياط : أبو عبدالله أحمد بن محمد ابن الخياط: فقد حاول هذا الشاعر تحريك همة عضب الدولة زعيم الجيوش في دمشق فقال قصيدة طويلة يحثه على إعداد العدة للجهاد مطلعها قوله:


فدتك الصَّواهل قُبَّا وجرداً
          
    وشُمُّ القبائل شيباً ومرداً
      
وذلت لا سيافِك البيض قضباً
          
    ودانت لأَرماحك السُّمر مُلْدا ()
   

إلى أن يقول:


وإني لمهد إليك القريض
          
    يُطوى على النُّصح والنُّصحُ يهُدَي
      
إلى كم وقد زخر المشركون
          
    بسيل يُهال له السيل سداً
      
وقد جَاشَ من أرض إفرنجة
          
    جيوش كمثل جبال تردا
      
أنوماً على مثل هدَّ الصفاة
          
    وهزلا وقد أصبح الأمر جِدَّاً
      
وكيف تنامون عن أعين
              
    وترتم فاسهر تموهنَّ حقداً
      
بنو الشرك لا يُنكرون الفساد
          
    ولا يعرفون مع الجور قصداً
      
ولا يردعون عن القتل نفساً
          
    ولا يتركون من الفتك جُهداً
      
فكم من فتاة بهم أصبحت
          
    تدق من الخوف نحراً وخداً
      
وأمَّ عواتق ما إن عرفن
          
    حَّرا ولا ذُقن في الليل برداً
      
تكاد عليهنَّ من خيفة
          
    تذوب وتتلف حزناً ووجدا
   

وبعد أن وصف الشاعر حال المشركين وقسوتهم، وحال المسلمين معهم بدأ يحرض عصب الدولة على الجهاد فقال:


فحاموا عن دينكم والحريم
          
    محاماة من لا يرى الموت فقداً
      
وسُدُّوا الثغور بطعن النحور
          
    فمن حق ثغر بكم أن يُسَدَّا
      
فقد أينعت أرؤس المشركين
          
    فلا تغفلوها قِطافاً وحصدا
      
       

 
فلابد من حدَّهم أن يُفَلَّ
          
    ولابد من ركنهم أن يُهَدّا ()
   

وكانت لجهود العلماء والفقهاء والقضاة والأدباء والشعراء أثر في تقوية حركة المقاومة المسلحة والتي قادها أمراء السلاجقة والتي سيأتي الحديث عنها بإذن الله في الصفحات القادمة.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

28 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: ثانياً : حركة المقاومة في العهد السلجوقي :


28

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

ثانياً : حركة المقاومة في العهد السلجوقي :

أيقظت صدمة سقوط القدس غفوة العديد من الفقهاء والقضاة والأمراء وأدركوا حقيقة ذلك الغزو بعد أن هدد وجودهم ومكانتهم في مدن تلك البلاد فضلاً عن الأرض والعقيدة الإسلامية ولذلك بادر فقهاء وقضاة الشام من دمشق وحلب وطرابلس للاستنجاد بالسلطة المركزية ببغداد والإمارات المحلية باعتبارها تملك القوة العسكرية القادرة على مواجهة ذلك الغزو () ولم يكن الاستجابة من قبِل الفقهاء والقضاة في بلاد الشام ضد الغزو الصليبي مقتصرة على الاستغاثة وطلب النجدة، بل تعدت إلى العديد من الوسائل الأخرى التي من بينها الكتابة والتأليف في الجهاد ضد الغزو، لتهيئة الأجواء الفكرية، وتثقيف المسلمين عامة، حيث نالت اهتماماً كبيراً من جملة الفقهاء، والعلماء، قبل وأثناء الغزو الصليبي، فقد كانت حاجة العصر للتعبئة الفكرية، ونشر الثقافة الإسلامية، أصبحت من الأمور الأساسية آنذاك في وقت كانت بلاد الشام تخوض صراعاً سياساً، ومذهبياً وعسكريا انعكس على تدوين التاريخ في الشرق الإسلامي، وظهور العديد من المصنفات والتراجم حول سير السلاطين والملوك والأسر الحاكمة وأحداث القتال والصراع ضد الصليبيين ولذلك اندفعت فئة الفقهاء والقضاة إلى تنوير مجتمعاتها الإسلامية، الذي جاء مجسداً عبر مؤلفاتهم وكتبهم خلال مجموعتين الأولى ركزت على التأليف والوعظ بصورة تقليدية به؛ وتوضيح أمور وأركان الدين الحنيف للناس، والثانية التي توجهت للتحريض والتأليف في الجهاد، وحث المسلمين عليه، لأنها أدركت الضعف العام في إيمان المسلمين عليه وتركهم لأمور دينهم لذلك كتبت الكثير من المصنفات قبل وأثناء الغزو الصليبي في بلاد الشام والذي يهمنا هنا مؤلفات الفقهاء التي حرضت على الجهاد الإسلامي وتعبئة المسلمين بأمـور دينهم للوقوف بوجه ذلك الغزو ()  ومن أبرز أولئك الفقهاء:

- الفقيه على بن طاهر السلمي (431 - 500ه/1039 – 1106م):

 هو على بن طاهر بن جعفر القيسي السلمي الدمشقي الشافعي، كان من علماء بلاد الشام وعلى إثر مجيء ذلك الغزو تحول إلى واعظ ومحرض على الجهاد، بالقائه الخطب والدروس في المساجد التي تنقل فيها عبر مدن بلاد الشام وفلسطين، حيث جسد ذلك في كتابه الجهاد، الذي جاء عقب سقوط بيت المقدس عام 492ه/1098م). وذلك من خلال إحدى خطبة التي يحث فيها المسلمين على الجهاد ضد ذلك الغزو. فإن المجاهدين لهذه الطائفة الظافرين بهم الموقفين إخراجهم من بيت المقدس وغيرها من هذه البلاد () ، وركز السلمي في أبوابه الأولى من كتابه الجهاد على العديد من القضايا والأفكار الهامة التي كانت عليها.. بلاد الشام، والعالم الإسلامي آنذاك. مبتدئاً سياسة صليبية عامة استهدفت الأندلس وصقلية وبلاد الشام. إذ أنه أول من نبه إلى وحدة أهداف الحروب الصليبية سواء في الأندلس، أو في صقلية أو في بلاد الشام، تلك الفكرة التي أخذها المؤرخون فيما بعد، وطوروها فقد ذكر ابن الأثير : وكان ابتداء دولة الإفرنج واشتداد أمرهم وخروجهم إلى بلاد الإسلام، واستيلائهم على بعضها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة فملكوا مدينة طليطلة، وغيرها من بلاد الأندلس.. ثم قعدوا سنة أربع وثمانين وأربعمائة جزيرة صقلية وملكوها .. فلما كانت سنة تسعين وأربعمائة خرجوا إلى بلاد الشام () . وأدرك السلمي أن ضعف العالم الإسلامي، وتشرذمه وتجزئته هو العامل الرئيسي وراء نجاح الغزو الصليبي في المشرق أو المغرب الإسلاميين وليس قوة الصليبيين أنفسهم: وركز على التجزئة السياسية لبلاد الشام بصورة خاصة، لأنه عاش وأحس بالمعانات هناك، وتثاقل السـكان عن جهادهم () ، وذكر السلمي المسلمين بفكرة استمرارية الجهاد سواء في الحرب أو السلم كجزء من سياسة عامة يجب على الأمراء والخلفاء المسلمين القيام بها كشرط  أساسي للمواجهة الناجحة، ففي كل عام يجب على الأمير المسلم القيام بحملة خارج ديار الإسلام لا لطمع، أو لغنيمة يبتغيها، وإنما للمحافظة على دار الإسلام من عدوان غير المسلمين، وإشعارهم بالرهبة وقوة المسلمين بالاستمرار تجسيداً للرأي القائل في العصر الحاضر بضرورة نقل المعارك إلى أرض العدو دوماً ()، وذكر السلمي الأمراء المسلمين بأن ذلك الغزو لم يكن هدفه الأرض والعقيدة فقط وإنما هدفه هو إزالتهم من سلطاتهم، وإخراجهم من البلاد التي تحت أيديهم، وذلك بهدف إثارة حميتهم، وحثهم على الجهاد () ، وطلب من عامة الناس مساندة أمرائهم وقادتهم المجاهدين الذين يتبعون السلف الصالح لمواجهة تلك المحنة، وطرد الصليبيين () ، والقارئ لكتاب السلمي في الجهاد يدرك مباشرة عمق المعاناة التي كان يعانيها السلمي وهو الفقيه الذي يرى بيت المقدس تنتهك حرمته، وتداس قدسيته، ولذلك أول ما حث عليه هو تخليص بيت المقدس من أيدي أولئك الغزاة (). فاجتهدوا رحمكم الله في هذا الجهاد لعلكم تكونوا الظافرين بمزية هذا الفتح العظيم () ، ويعتبر السلمي أول من أدرك ضرورة الوحدة الجهادية بين بلاد الشام والعراق، ومدن آسيا الصغرى، قبل عصر الوحدة الإسلامية ضد الصليبيين بقيادة آل زنكي والأيوبيين () ويعتبر في هذا المجال من الرّواد، ودعا السلمي المسلمين إلى تطهير النفوس وإصلاحها، فهي الأساس في وحدة إسلامية لعقد العزم والإصرار على مجاهدة ذلك الغزو : وقدموا جهاد أنفسكم على جهاد أعدائكم فإن النفوس أعدى لكم منهم، واردعوها عما هي عليه من عصيان خالقها سبحانه تظفرون بما تؤملونه من النصرة عليهم () . إن الغزو الصليبي لبلاد الشام من وجهة نظر السلمي لم يأت من فراغ وإنما أدرك ضعف المسلمين لعدم تمسكهم بدين الله الحنيف ولذلك اجتهد في نصحهم بالعودة إلى الله وتطهير النفوس؛ بالرجوع إلى كتاب الله، والإقلال عما تقدم منهم، والنهوض إلى قرع باب الجهاد: وليكن قصدكم بجهادكم هذا إرضاء ربكم، والذب عن أنفسكم، وعن غيركم من إخوانكم ليمحص لكم ثواب غزوكم () ولا يكون ذلك أمام تقدم الغزو الصليبي، وأخده لمدن عديدة إلا المبادرة إليهم، والمرابطة على المدن التي لم تحصل في أيديهم () ، فإن النفير إليهم وقصدهم في البلاد التي قد تملكوها علينا إنما هو حرب يقصد بها الدفاع عن النفوس، والأولاد والأهل والأموال والحراسة لما بقي في أيدينا من البلاد () ، وكان دعوة السلمي للمسلمين عامة لوحدة القوى الإسلامية : شاميها وجزريها ومصريها. ونصحهم باتباع منهاجه في تطهير النفوس، والتعافي فيما بينهم والإقدام على الجهاد وحتى يحققوا مبتغاهم في النيل من ذلك الغزو () ، حيث رأى : إن لم يتناسى الحكام المسلمون أحقادهم وخلافاتهم فإنهم ما زالوا على جاهلية غير مقتدين بالمثل النابع من التراث عند الشدائد تذهب الأحقاد () ، واستمر السلمي في مواضع عديدة من كتاب الجهاد يحث ويحرض ويعظ وينبه، ويعلم الحكام عامة على ضرورة الجهاد بخطبه ودروسه التي ألقاها في الجامع الأموي بدمشق، وفي مدن بلاد الشام وفلسطين في اثنين وثلاثين بابا () ، ولم يترك شاردة ولا واردة في الجهاد إلا وتطرق إليها () ، ونلاحظ أن السلمي في كتابه الجهاد تطرق إلى توضيح التجزئة والتشرذم في المشرق الإسلامي، وخاصة في بلاد الشام من ضعف القوى الإسلامية، وتفككها مع ضعف الإيمان بفرض الجهاد، وهي نقطه استغلها الغزاة، ولكنه عالج ذلك الخلل بطرحه قضية تطهير النفوس والعودة إلى التمسك بدين الله الحنيف؛ وإصلاح الأمر فيما بينهم، والإقدام على الجهاد لمواجهة ذلك الغزو، وأنه لا يتم ذلك إلا بوحدة القوى الإسلامية، لذا جاء كتابه الجهاد عاماً، لم يخصصه لسلطة سياسية معينة أو لفئة من المسلمين من بلاد الشام مثلاً وفق رؤية إسلامية مبنية على إسناد متين تمثل في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وكتب السير والمغازي، والتفاسير وربط موضوعاتها بالخطر الصليبي على بلاد الشام، وهذا دليل على مدى إطلاعه وفكره الثاقب في جمع المعلومات وتسخيرها في مكانها المناسب () ، ونلاحظ من خلال البحث بأن الدعوة الأولى للجهاد لم تصدر عن مجالس الحكام بل صدرت من محافل الفقهاء والعلماء المسلمين من أساتذة وعلماء وفقهاء وكّتاب، ويعتبر السلمي من أوائل من حث على الجهاد ومن ضمن تيار الرفض العام الإسلامي المدعوم من قِبل الفقهاء والقضاة () لقد كتب السلمي كتابه في فترة مبكرة من تلك الحروب وهذا دليل على ذكائه وفطنته في إدراكه لمشاكل بلاد الشام المعقدة، ولكن إن لم تتوفر الظروف العامة لإنجاح دعوته للجهاد في تلك الفترة المبكرة ذاتها، فهو قد ساهم في كتابه للتمهيد لمرحلة الزنكيين والأيوبيين. ولقد قام الأستاذ رمضان حسين الشاوش بدراسة وتحقيق، كتاب الجهاد للسلمي وقدمه كرسالة ماجستير بجامعة الفاتح بطرابلس الغرب عام 1992م ().

5- المشاركة الفعلية للفقهاء والقضاة في ساحات الجهاد :

إن من أبرز الأمثلة على مشاركة أولئك الفقهاء للعساكر النظامية في ساحات القتال للتعبير عن حالة الإيمان المثالية بالجهاد، والدفاع عن الأرض والنفس كانت حالة القاضي أبو محمد عبدالله بن منصور المعروف بابن صليحة قاضي حصن جبلة، الذي تولى إمارة وفقهاء ذلك الحصن بعد وفاة أبيه منصور عام 494ه/1100م وكـان ذا خبرة عسكرية جيـدة لأنه أحب الجندية واختار الجند فظهرت شهامته () ، وقد برزت مواهب ذلك الأمير القاضي عند محاصرة الإفرنج حصن جبلة للاستيلاء عليه عام (494ه/1100م) واستخدامه لما يسمى اليوم بالحرب النفسية أولا؛ وذلك عندما خطط بدهاء، لنشر الذعر بين صفوف قوات الفرنج، حيث أظهر أن السلطان بركياروق قد توجه إلى الشام () ، لمساعدته، مما أثار الفرنج، والقلق بين عسكر الفرنجة، ورحيلهم فيما بعد. وعندما أدرك الفرنجة حقيقة تلك الخدعة، عادوا فحاصروا المدينة مرة أخرى، ولكن كرر ذلك القاضي تلك الحيلة بصورة أخرى، ونشر بين صفوف الصليبيين: أن المصريين قد توجهوا لحربهم ومساعدته هذه المرة ولذلك تركوا محاصرة ذلك الحصن ()، ويبدو أن الفرنجة لم يكن لديهم المعلومات الكافية عن حالة الحصن، ولا عن عدد قوات ذلك القاضي وإلا لما تركوا محاصرة ذلك الحصن في المرتين السابقتين، ولكن سرعان ما فطن الإفرنجة لتلك الحرب النفسية وأهدافهان، فعادوا لمحاصرة الحصن للمرة الثالثة في شهر شعبان عام 494ه، إلا أن ذلك القاضي أدرك أن الفرنجة قد عرفوا أساليبه القديمة ولذلك لجأ إلى أسلوب جديد لمواجهة أولئك الفرنجة بأن : قرر مع النصارى الذين في الحصن، واتفق معهم على إرسال وفد منهم إلى الفرنجة للتفاهم حول تسليم الحصن وإرسال مجموعة من فرسانهم لاستلام الحصن، وأن : يبعثوا ثلاثمائة رجل من أعيانهم وشجعانهم، فوافق الفرنجة على ذلك ويبدو أن القاضي ابن صليحة قد نصب الكمين لهم () : فلم يزالوا يرقون في الحبال واحد بعد واحد وكلما صار عند ابن صليحة، وهو على السور رجل منهم قتله إلى أن قتلهم أجمعين، فلما أصبحوا رمى الرؤس إليهم ()، ورغم ذلك لم يسترح الصليبيون للطعم والفخ الذي نصبه لهم قاضي جبلة، وتحقيق ذلك النجاح. ولذا قرروا أخذها منه بأية وسيلة، ونصبوا على البلد برج خشب، وهدموا أبراجاً من أبراجه. ولكن ما يملكه ذلك القاضي من الدهاء والحيلة جعله يفطن لذلك الخطر المحدق به، حيث لم يركن للهدوء والاستسلام، وإنما بادر إلى وضع خطة ذكية على غرار تلك الخطط الناجحة التي كبدت ذلك الغزو الخسائر والفشل أكثر من مرة. ولذلك عمل هذه المرة على استدراج الصليبيين في كمين آخر وضعه لهم بخطة محكمة حيث أحدث ثقوبا في أسوار المدينة. ويبدو أنه كان السور الخلفي، وذلك لتسهيل مهمة خروج مجموعة من جيشه ونقب في السور نقباً () ، وعندما خرج القاضي ابن صليحة وجيشه من الأبواب لقتالهم تظاهر بالهزيمة أمامهم. بحيث انطوت الحيلة على أولئك الغزاة الذين لهم يفطنوا لها، وبادروا إلى مطاردته حتى أبواب المدينة في الوقت الذي استغل فيه جنده الفرصة في الخروج من تلك الثقوب، والتفوا من حوله، فأتوا الفرنج من ظهورهم فولوا منهزمين () ، إن القاضي ابن صليحة لابد له وأن أطلع على فنون الحرب، وبعض الأساليب العسكرية الإسلامية، فأسلوب الحرب النفسية ليست جديدة على التراث العسكري الإسلامي في الفترة الصليبية، إذ استخدام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ذلك الأسلوب في غزوة الخندق من العام، الخامس للهجرة عندما حفر الخندق وهزم جيوش الأحزاب، وكذلك معركة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة عندما حول القائد خالد بن الوليد المعركة من الهزيمة إلى النصر على الروم وذلك باستخدامه الحرب النفسية عن طريق تكثيف الغبار بفرسانه حتى ظن أولئك الروم بوصول الإمدادات إلى المسلمين فولوا منهزمين، وانسحب الجيش الإسلامي من أرض المعركة دون أية خسائر أخرى، وقد طبق تلك الحرب النفسية في العديد من المعارك الأخرى، والتي من بينها معركة اليرموك عام 13ه عندما عمل على تقسيم قواته، بحيث جعل الميمنة ميسرة والخلف إلى الأمام وبهذا الأسلوب العسـكري التكتيـكي أرهـب جيوش الروم الكبيرة العدد وأوقع بهم الهزائم () .

6- تحريض الفقهاء والقضاة على القتال في ساحات المعارك :
تبرز شخصية القاضي أبو الفضل بن الخشاب قاضي حلب المعروف في هذا المجال، فعندما اشتد الحصار الصليبي على حلب عام 513ه/1119م) أقبل القاضي ابن الخشاب يحرض الناس على القتال وهو راكب على حجر وبيده رمح حيث ألقى فيهم خطبة بليغة، استنهض بها همهم وألهب مشاعرهم، فأبكى الناس وعظم في أعينهم، حتى أقدموا على قتال الغزاة، () ورغم تمكن الحلبيين من تخليص مدينتهم في ذلك العام لم يتردد الصليبيون من محاولة أخرى لأخذ حلب عام 518ه/1124م وذلك عندما قاموا بتخريب كل القرى المجاورة لحلب، حتى لا يقدموا المساعدة لمدينة حلب ونزل الفرنج حران ثم حلب من ناحية مشهد الجف من الشمال، وكان للقاضي ابن الخشاب دور في التحريض على قتال ذلك الغزو، بل كان له دور في تحريض الأمير أقسنقر البرسقي أمير الموصل وسيأتي بيان ذلك بإذن الله عند الحديث عن دور أمراء السلاجقة في الموصل ودمشق وغيرها في صد هجمات الصليبيين.





يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ