إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 1 فبراير 2016

1661 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الرابع بعد المئة الاسواق اسواق العرب الموسمية


1661

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
    
الفصل الرابع بعد المئة

الاسواق

اسواق العرب الموسمية

وللعرب أسواق يقيمونها شهور السنة وينتقلون من بعضها إلى بعض ويحضرها سائر العرب بما عندهم من حاجة إلى بيع أو شراء. وتقع هذه الأسواق في مواضع مختلفة متناثرة من جزيرة العرب. فهي إذن أسواق عربية. وهناك أسواق أخرى قصدها العرب للاتجار في مواسم وفي أوقات مختلفة، كانت خارج جزيرة العرب، في العراق أو في بلاد الشام أو في الحبشة، وقد كان العرب يقصدونها أيظاً للاتجار والامتيار.

وقد ذكر "اليعقوبي"، إن أسواق العرب كانت عشرة أسواق يجتمعون بها في تجاراتهم ويجتمع فيها سائر الناس ويأمنون فيها على دمائهم وأموالهم. ويظهر من قول "اليعقوبي" هذا من انهم كانوا يأمنون فيها على دمائهم وأموالهم أثناء التقائهم بها. إن من دين أهل الجاهلية، اعتبار هذه الأسواق أماكن حرماً، يأمن الإنسان فيها دمه وماله ما داموا في ضيافة السوق وحرمته. ولهذا كان لكل سوق "قومة" يقومون بأمر السوق وبالمحافظة على الأرواح والأموال فيه. فقد "كان في العرب قوم يستحلون المظالم، إذ حضروا هذه الأسواق، فسموّا "المحلون". وهؤلاء "المحلون"، هم مثل "المحلون" الذين كانوا لا يقيمون وزناً لحرمة "الحرم" و "إلحرمات"، مثل حرم مكة، ولا يقيمون للاشهر الحرم قدراً، فكانوا يعتدون فيها وفي كل شهر، ولذلك قيل لهم "المحلون".

ومن المحلّين قبائل من اسد وطيء وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة وقوم من بني عامر بن صعصعة.

ولحماية الأسواق والمجتمع من "المحليّن"، الذين أباحوا لأنفسهم استحلال المظالم، ظهر قوم من أهل المروءة والمعروف، تواصوا فيما بينهم على ردّ السفيه عن سفهه والغاوي عن غيهّ،ونصبوا أنفسهم حماة على الأسواق، يحملون سلاحهم فيها في الأشهر الحلّ وفي الأشهر الحرم للذود عن الحرمات. وقد عرف مثل، هؤلاء ب "الذادة المحرمون". وقد تحدث عنهم "اليعقوبي"، فقال: "وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق، فسموا المحلوّن، وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك السماء وارتكاب المنكر، فيسمون: الذادة المحرمون. وأما المحلون، فكانوا قبائل من أسد وطيء وبني يكر بن عبد مناة بن كنانة وقوم من بني عامر ابن صعصعة. وأما الذادة المحرمون، فكانوا من بني عمرو بن تميم، وبني حنظلة بن زيد مناة، وقوم من هذيل، وقوم من بني شيبان وقوم من بي كلب بن وبرة. فكانوا هؤلاء يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس، وكان العرب جميعاً بين هؤلاء تضع أسلحتهم في الأشهر الحرم".

والذود في اللغة السوق والطرد والدفع. فالذادة هم المدافعون الذابون عن المظلومين، والواقفين أمام الظالمين. وقد ورد "ذادة" بمعى يذودون عن الحرم. ولم تكن هذه الأسواق محصورة في موضع معين، انما كانت تعقد في مواضع مختلفة متعددة من جزيرة العرب. وقد خصصت في للغالب بامتيار الأعراب وبشراء ما عندهم من سلع فائضة عليهم: ولا يستبعد بالطبع ورود التجار الأجانب إليها من غير العرب،فقد كان الروم مثلا يتوغلون إلى مسافات بعيدة في هذه الأرضين الشاسعة للبيع والشراء.

وبحكم ورود أناس إلى هذه الأسواق لا يسهل الاجتماع والاتصال بهم في الأوقات الآخرى، فقد قصدها أناس من أماكن بعيدة بحثاً عن طلب أو ترويجاً لرأي، فقصدها المبشرون للاتصال بالقبائل وللتأثر في بعض أفرادها لادخالهم في دينهم. وفي كتب السير: إن الرسول نفسه كان يخرج في المواسم، لعرض نفسه على للقبائل، ولهدايتهم إلى الإسلام.

ومن أشهر أسواق العرب عند ظهور الإسلام: "سوق دومة الجندل"، و "سوق هجر"، و "سوق عمان"، و "سوق المشقر"، و "سوق عون أبن"، و "سوق صنعاء"، و "سوق حضرموت"، و "سوق ذي المجاز"، و "سوق مجنة"، و "سوق عكاظ"، و "سوق حبلشة"، و "سوق صحار"، و "سوق بدر"، و "سوق بني قينقاع"، و "سوق الشحر"، و "سوق عثر، وأسواق محلية أخرى تاتيها القبائل والعشاثر للامتيار وقد ذكر بعض أهل الأخبار أن أسواق العرب للكبيرة كانت في الجاهلية ثلاث عشرة سوقاً، وأولها قياماً دومة الجندل.

وذكر "الهمداني"، أن من أسواق العرب القديمة: عدن، ومكة،والجند، وتجران، وذو المجاز، وعكاظ، وبدر، ومجنة، ومنى، وحجر اليمامة، وهجر البحرين. وسوق "همل" من الحارف ببلد حاشد. وهناك أسواق أخرى عديدة وردت أسماؤها عرضاً في روايات أهل الأخبار.

اما "دومة الجندل"، فكانوا ينزلونها أولَ يوم من شهر ربيع الأول، يجتمعون في أسواقها للبيع والشراء والتبادل. وكان أكيدر صاحب دومة الجندل يرعى الناس وبقوم بأمرهم أول يوم، وتدوم سوقهم نصف الشهر. وكان "أكيدر" يعشر الناس،. وربما يتولاها بنو كلب الذين ياتونهم متأخرين، فيتولونها، وتسوم عندئذ إلى آخر الشهر، ويتولون هم حينئذ تعشير للناس. ويعرف البيع فيها ب "بيع الحصاة"، وهو نوع من انواع المقامرة ابطله الإسلام. وكانت تقصدها قبائل الشام والحجاز والأقسام الشمالية والغربية من اعالي نجد، وتقيم بالقرب منها كلب وجديلة طيء.

وكان الذي يشرف على هذه السوق سادات العرب من كلب أو من غسان، يتنافسون عليها ويتزايدون، فأي الحيين فاز، خضع ودان له الآخر. وكان مكس هذه السوق لمن يتولى الاشراف عليها. وهم جميعاَ يأخذون الاذن بالإشراف على السوق من الملك الذي يحكم الموضع في ذلك الوقت. وكان الإشراف على هذه السوق عند ظهور الإسلام بين "الأكيدر" وبين "قنافة الكلبي" الذي كان ينافسه على الملك.

وذكر "ابن حبيب" انه "كان لكلب فيها قنّ كثير في بيوت شعر، فكانوا يكرهون فتياتهم على البغاء ويأخذون كسب أولئك البغايا، ولما كان الإسلام حرم هذه العادة بالآية: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ًلتبتغوا عرض الحياة الدنيا".

ودومة الجندل في غائط من الأرض خمسة فراسخ، ومن مغربه عين تثج فتسقي ما به من النخل والزرع، ودومة ضاحية بين غائطها وا!ميم حصنها ماردْ. وهو حصن قديم، ورد ذكره في الشعر الجاهلي وفي كتب الأدب. وقد اكتسب شهرة كبيرة بين الجاهليين حين ضربوا به وب "الأبلق" حصن السموأل المثل في العزّ والمنعة، فقالوا: "تمرد مارد وعز الأبلق"، قالوا: قصدتهما الزباء فعجزت عن قتالهما، فقالت: "تمرد مارد وعزّ الأبلق"، وذهب مثلاً لكل عزيز ممتنع. ويظهر أن حصن "مارد" كان من الحصون الحصينة القديمة التيبنيت ب "الجندل"، أي الحجر.

ولم تكن دومة الجندل سوقاً يقصدها التجار في موسم واحد معين، بل كانت مفرقاً مهماً من مفارق الطرق، وموضعاً يقصده أصحاب القوافل الذاهبون من جزيرة العرب إلى العراق والى بلاد الشام، وبالعكس، لوجود الماء العذب بها، وما يحتاج المسافر اليه من زاد وماء. وهي اليوم "الجوف" في المملكة العربية السعودية.

ويقصد سوق المشقر الأعراب الساكنون في العربية الشرقية والأعراب القريبون إلى هذا الموضع، ويرد إلى هذه السوق تجار فارس ببياعاتهم يقطعون البحر، فيتاجرون مع من يقصد هذه السوق من القبائل والحضر. وكانت بنو تميم وعبد القيس جيرانها. أما المشرف عليها فرؤساء تميم من بني عبد الله بن زيد رهط المنذر بن ساوى، وكانوا يتلقبون بألقاب الملك. ويسيرون في معاملتهم في هذه السوق سيرة الملوك بدومة الجندل،ويأخذون العشر. وكان من يؤمها من التجار يتخفرون بقريش، لأنها لا تؤتي إلا في بلاد مضر. وكان بيعهم فيها الملامسة والهمهمة. وتقوم سوقها أول يوم من جمادى الآخرة إلى آخر الشهر.

وقد قصد هذه السوق أحياء من العرب من مختلف أنحاء جزيرة العرب، كما وفدت إليها اللطائم. وطالما اعجبت أرض هجر، وموضع المشقر منها، بعض هؤلاء الأعراب فيبقون فيها ولا يرتحلون عنها، فمن هناك صارت بهجر طوائف من كل حي من العرب وغيرهم.

ويحمي المشقر حصن قديم قويم، يقال ورثه "امرؤ القيس"،وقد أشير اليه في الشعر. قال عنه "المخبل": فلئن بنيت لي المشقر في  صعب تقصر دونه الهمم

لتنقبن عني الـمـنـيّة  إن الله ليس كعلمه علم

وكان من الحصون التي تحمي قرى ساحل الخليج من الأعراب، به حامية كبيرة، تغلق عليها الأبواب عند دنو الخطر. ويظهر من قصة فتك المكعبر بتميم، انه كان ذا بابين، وكان قد بني لحماية المنطقة من الأعراب وللمحافظة على الأمن. وقد كان حصناً كبيراً ادخر فيه الفرس الميرة والأرزاق لتوزيعها على الأعراب أيام المجاعة. وبه جنود من الفرس، يحكمهم قواد منهم، يقومون بضبط الأمن ومراقبة حركات الأعراب.

وتعقد سوق هجر في شهر ربيع الآخر، وكان الذي يتولى تعشير التجار بها "المنذر بن ساوى"، أحد بني عبد الله بن دارم. وهو ملك البحرين. وهجر اسم لجمع أرض البحرين، وقصبة بلاد البحرين. وقد عرفت بكثرة تمرها، ومنه المثل كمبضع تمر إلى هجر. وذكر أن "عمر" تذكرها فقال: عجبت لتاجر هجر وراكب البحر، كأنه أراد لكثرة وبائها، فتاجرها وراكب البحر في الخطر سواء. ويظهر أنها كانت موبوءة.

ثم يرتحلون نحو عمان من البحرين أيضاً، فتقوم سوقهم بها. ثم يرتحلون فينزلون "إرم" وقرى الشحر،فتقوم أسواقهم بها أياماً. ثم يرتحلون فينزلون سوق عدن.

أما "سوق عدن"، فكانت تقوم أول يوم من شهر رمضان إلى عشر يمضين منه. وكانت الأبناء هي التي تعشر التجار بها، والأبناء هم أبناء الفرس. الذين فتحوا اليمن مع وهرز وقتلوا الحبشة. وكان التجار لا يتخفرون فيها بأحد، لأنها أرض مملكة، وأمرها محكم. أما ما قبل حكم الأبناء، فقد كان يعشر هذه السوق ملوك حمير، ثم من ملك اليمن من بعدهم. وأشهر ما يباع فيها الطيب. ولم يكن أحد يحسن صنع الطيب من غير العرب، حتى إن تجار البحر ترجع بالطيب المعمول تفخر به في السند والهند، ويرحل به كذلك تجار البر إلى فارس و الروم.

وأما سوق صنعاء، فكانت تقوم في النصف من شهر رمضان إلى آخره. وكانت الأبناء تعشرهم. وكان بيعهم بها الجس جس الأيدي. وقد اشتهرت ببيع الخرز والأدم والبرود. وكانت تجلب إليها من معافر. والقطن والكتاّن والزعفران والأصباغ وأشباهها مما يتفق بها،. ويشترون بها ما يريدون من البر والحديد وحاصلات اليمن وما يأتي إلى اليمن من نجارات البحار.

وسوق ذي المجاز، قريبة من عكاظ، وتقوم أول يوم من ذي الحجة إلى يوم التروية. ثم يصيرون إلى منى. وقد كانت لهذيل. وكانت مبايعة العرب بها بإلقاء الحجارة، وذلك أنهم كانوا يجتمعون حول السلعة يساومون بها صاحبها، فأيهم أراد شراءها ألقى حجراً، وربما اتفق في السلعة الرهط، فلا يجدون بداً من أن يشتركوا وهم كارهون. وربما ألقوا الحجارة جميعاً فيوكسون صاحب السلعة إذا تظاهروا عليه. وكانت قريش تخرج قاصدة إليها من مكة، فإن اخذت على حزن لم تتخفر من القرب حتى ترجع، وذلك أن مضر عامتهم لا تتعرض لتجار قريش ولا يتهجّمهم حليف لمضري مع تعظيمهم لقريش ومكانتهم في البيت.

وأما سوق حُباشة،فمن أسواق العرب المشهورة القديمة في الجاهلية في العربية الغربية. وهي سوق بتهامة، يتاجر فيها أهل الحجاز. وأهل اليمن. وكان في جملة من حضرها وتاجر فيها الرسول. وكانت تقام في شهر رجب. وحباشة سوت أخرى كانت لبني قينقاع.

وكان الجلندي بن المستكبر، هو الذي يعشر تجار سوق صُحار بعمان، وكذلك تجار سوق "دبا". وكان يقصد سوق "دبا" تجار السند والهند والصين ومواضع أخرى، فهي سوق عظيمة كبيرة، ذات تجارة مع العالم الخارجي. احدى فرضتي العرب. ويقوم سوقها آخر يوم من رجب. وكان بيعهم فيها المساومة. وتقوم سوق صُحار أول يوم من رجب. تقوم خمس ليالي. ويذكر بعض أهل الأخبار إن البيع في سوق صحار هو بالقاء الحجارة.

وقد اشتهرت "صحار" بثيابها، فعرفت بأسمها، كما كانت سوقاً للتجارات المستوردة من اليمن والصين والبحرين والهند. ولذلك كانت برقاً نشطة، وبها أصحاب حرف وصناعة.

وأما "بدر"، فكان موضعاً فيه ماء وفيه وقعت معركة بدر الكبرى. وكان موسماً منمواسم العرب، تجتمع لهم بها سوق كل عام، يجتمعون فيه للتجارة وللتنزه، فكانوا ينحرون ويطعمون ويشربون ويسمعون الغناء. وذكر إن موضع "بدر" بئر حفرها رجل من غفار، ثم من "بني النار" اسمه بدر. وذكر انه "بدر بن قريش بن يخلد"، وبه سمي الموضع بدراً، وقيل بدر رجل من "بني ضمرة" سكن المكان فنسب اليه ، وهو بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء، وهو إلى المدينة أقرب، وبينه وبين "الجار"، وهو ساحل البحر ومرفأ ليلة. ويظهر انه كان من المواضع المقدسة على شاكلة "سوق عكاظ" به أحجار، يتقرب إليها الناس، وبه ماء فصار سوقاً في موسمه المخصص له، يقصده الناس من مكة ومن المواضع القريبة لبيع ما عندهم من ناتجهم فيه،ولشراء ما يحتاجون اليه منه.

وأما سوق بني قينقاع،فسوق لليهود يذهب إليها الناس للاتجار وابتياع ما عند يهود من سلع، ولبيع ما عندهم ليهود.

أما "سوق الشحر" شحر مهرة، فتقوم السوق تحت ظل الجبل الذي عليه قبر هود. ولم تكن بها عشور،لأنها ليست بأرض مملكة. وكانت التجار تتخفر فيها ببني محارب بن هرب، من مهرة. وكان قيامها للنصف من شعبان. وكان بيعهم بها إلقاء الحجارة. وكان غالب ما يعرض فيها الأدم والبزُ وسائر المرافق. ويشرون بها الكندر، والمرّ، والصبر، ويقصدها تجار من البرّ والبحر ،وأما سوق الرابية بحضرموت، فلم يكن يصل إليها أحد إلاّ بخفارة،لأنها لم تكن أرض مملكة. وكان من عز فيها بزّ صاحبه. فكانت قريش تتخفر فيها ببني آكل المرار، وسائر الناس يتخفرون بآل مسروق بن وائل من كندة.

وتقوم سوق نطاة بخيبر وسوق حجر باليمامة يوم عاشوراء إلى آخر المحرم. وأشهر الأسواق المتقدمة وأعرفها "سوق عكاظ"، وهي سوق تجارة وسوق سياسة وسوق أدب، فيها كان يخطب كل خطيب مصقع،وفيها علقت القصائد السبع الشهيرة افتخاراً بفصاحتها على من يحضر الموسم من شعراء القبائل على ما يذكره بعض أهل الأخبار. وكان يأتيها قريش وهوازن وسليم والأحابيش وعقيل والمصطلق وطوائف من العرب. وكانت تقوم للنصف من ذي القعدة إلى آخر الشهر. ولم تكن فيها عشور ولا خفارة. وكان بيعهم السرار: إذا وجب البيع  

وعند التاجر فيها إلف ممن يريد الشراء ولا يريده أشركه في الربح.

وذكر إن عكاظ نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال، وبه كانت تّقام سوق العرب. وقيل: عكاظ ماء ما بين نخلة والطائف إلى بلد يقال له الفنق، كانت موسماً من مواسم الجاهلية. تقوم هلال ذي القعدة وتستمر عشرين يوماً. وكانت تجتمع فيها قبائل العرب فيتعاكظون،أي يتفاخرون ويتناشدون ما احدثوا من الشعر، يقيمون على ذلك شهراً، يتبايعون ثم يتفرقون. فلما جاء الإسلام هدم ذلك.

وذهب فريق من أهل الأخبار إلى أن انعقاد سوق عكاظ إنما كان يقوم بهلال شهر ذي القعدة ويستمر لمدة عشرين يوماً. وهم يخطئون رأي من يذهب إلى أن انعقاد السوق كان في شهر شوّال،وحجتهم أن انعقاد السوق كان في الأشهر الحرم، ليراعي الناس حرمة تلك الأيام فلا يعتدون على من يقصد أسوق،وشهر شوال لا يدخل في جملة الأشهر الحرم، لذلك فلا يمكن أن يكون انعقاد السوق فيه. ويستدلون بدليل آخر، هو تقاتل بعض العرب في أيام عكاظ، ونظراً لوقوع ذلك القتال في شهر حرام، أطلقوا على تلك الأيام، أيام الفجار، وهي أربعة أيام: يوم شمطه،ويوم العبلاء،ويوم الحريرة،ويوم شرب، وهذه الأسماء هي أسماء أماكن في عكاظ. وما كان العرب ليطلقوا على تلك الأيام أيام الفجار لو لم تكن قد وقعت في أيام حرم.

وجاء في بعض الأخبار إن أشراف العرب كانوا يتوافون بتلك الأسواق مع التجار من أجل إن الملوك كانوا يرضخون للأشراف، لكل شريف بسهم من الأرباح. فكان شريف كل بلد يحضر سوق بلده، إلا عكاظ، فإنهم كانوا يتوافون بها من كل أوب. فسوق عكاظ، اذن سوق حرة، لا عشور فيها ولا خفارة. وهي تختلف بذلك عن بقية الأسواق التي كان يعشرها الملوك، إذا كانت في حكم "ملك"، أو في حكم الأمراء وسادات القبائل، على أن يؤدوا سهماً من الأرباح المتجمعة من العشور والخفارات إلى أشراف العرب، أي سادات القبائل الذين تقام تلك الأسواق في أرضهم. فأشراف "تميم" وإن اشرفوا على هذه السوق، وحكموا بها، ونظموا أمورها، إلا انهم لم يكونوا يجبون شيئاً من التجار. ولعل ذلك كان بتأثير قريش عليهم ط، فقد كان رجال مكة هم المستأثرون الأثيرون في عكاظ. وكانوا يشجعون العرب على حضورها، لما لهم فيها من منافع اقتصادية،وقد كان لهم أنفسهم إشراف على نواح من أمور السوق. ويظهر انه لأجل تشجيع القبائل على حضور "عكاظ" وجمع أكثر مَن ممكن جمعه منِ التجار، اتفقوا مع سادات تميم، ولا سيما مع "بني دارم" على آن يتركوا السوق حرة، ليقصدها أي تاجر، فلا يكلف احد منهم بكلفة العشور والخفارة،ولا يهان أو يعتدى عليه، وهو بالطبع في شهر حرام، ليضمنوا بذلك حضور أكبر عدد ممكن من الناس، وليضمنوا مجيئهم بعد ذلك إلى مكة، وقد كانوا يسعون جهد طاقتهم لجلب العرب إليها من الأماكن البعيدة، ليستفيدوا منهم في موسم الحج، وليكوّنوا معهم صلات طيبة، وعلاقات وثيقة تؤمن لهم ولقوافلهم ولتجارتهم حق المرور بأمن وسلام، وتقديم كل ما يحتاج اليه رجال القوافل من ماء وطعام ومأوى وحماية.

ويعرض للبيع وللشراء في سوق عكاظ وفي الأسواق الآخرى كل أنواع البضاعات، من أدم ومن حبوب وأقمشة إلى بضاعة حية ناطقة هي الحيوان، أو الإنسان، حيث يعرض الرقيق في السوق. وقد كان شراء "خديجة" زوجة الرسول ل "زيد بن حارثة" من سوق عكاظ. وقد اشتهرت سوق عكاظ بأديمها حتى عرف بين تجار الأديم ب "الأديم العكاظي" مع أنه لم يكن من حاصل عكاظ، بل كان يورد إلى السوق من مختلف الأنحاء.

وذكر بعض أهل الأخبار أن "سوق عكاظ" موسم عظيم من المواسم،وقّد اتخذت سوقاً بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة. وهي من أعظم أسواق العرب على الاطلاق في الجاهلية وفي الإسلام. ثم تضاءل شأنها وخربت بعد سنة "129" للهجرة، عندما ظهر الخوارج الحرورية مع المختار بن عوف في مكة، فنهبت هذه السوق، وخاف الناس على أنفسهم من الذهاب إليها، فتركت.

ولو أخذنا بهذه الرواية، نكون قد جعلنا مبدأ هذا السوق سنة "585" أو "586" للميلاد تقريباً. أي إن تأريخ سوق عكاظ لم يكن بعيد عهد كل عن الإسلام. فهو قبله بنحو قرن. وقد أقيمت وعمر الرسول آنذاك "5ا" عاماً.

ويذهب الناس بعد سوق عكاظ إلى سوق أخرى، هي سوق مجنة، فيقيمون بها عشرة أيام. فإذا رأوا هلال ذي الحجة في نهاية هذه الأيام العشرة قصدوا ذا المجاز، وهي سوق جاهلية، فيقيمون فيها ثمانية أيام يبيعون ويشترون، ثم يخرجون يوم الرّوية من ذي المجاز إلى عرفة، فيأخذون ذلك اليوم من الماء ما يرويهم من ذي المجاز. وقد سمي هذا اليوم باسم يوم التروية لترويهم من الماء بذي المجاز، حيث كان ينادي بعضهم على البعض الآخر أن يترووا من الماء لأنه لا يوجد ماء بعرفة. كذلك لا يوجد ماء بالمزدلفة يومئذ. ويعتبر يوم التروية نهاية أسواقهم. وكان العرب لا يتبايعون في يوم عرفة ولا في أيام منى. فلما جاء الإسلام أحل لهم ذلك.

وذكر إن "ذا المجاز" موضع بمنى، وذكر انه سوق كانت في الجاهلية على فرسخ من عرفة، بناحية كبكب ، سمي به لأن إجازة الحج كانت به. و "كبكب"، جبل بعرفات خلف ظهر الإمام إذا وقف، وقيل هو ثنية.

ويذكر علماء التفسير إن متجر الناس في الجاهلية كان سوق عكاظ وذو المجاز،فلما جاء الإسلام تركوا ذلك.. وكانوا لا يتجرون في أيام الحج، فكانوا لا يبيعون أو يبتاعون في الجاهلية بعرفه، ويبتاعون ويبيعون قبل وبعد أيام الحج، اذ كانوا يتأثمون من الاتجار في أيام الحج.

وقد كان الحج من أكبر مواسم الربح لقريش،تبيع قريش ما عندها للأعراب القادمين إليها من البادية ولأهل القرى البعيدة عن مكة، وتشتري منهم ما يحملونه منهم من مواد وسلع، ثم تقوم قوافلهم بنقل الفائض مما اشترته إلى الأسواق الخارجية في بلاد الشام أو العراق، وتشتري في مقابل ذلك ما يحتاج اليه الحجاز وأعراب البادية من سلع ومواد.

ومكة في مواسم الحج وفي المناسبات الآخرى سوق تجارية مهمة، لا تقل شأناً في الواقع عن الأسواق الآخرى. وقد تمكن أهلها النشطون في جمع المال من اكتناز الأموال ومن استثمار ما يحصلون عليه من أرباح حتى صاروا من أغنى الناس في الحجاز.

ويظهر من روايات أهل الأخبار إن حظ المفاخرة والمباهاة والتمدح والذم، لم يكن بأقل من حظ البيع والشراء في سوق عكاظ. فقد كان الشعراء يعرضون أجود وأحدث ما عندهم من شعر على الحاضرين. وكان كثر من هؤلاء الحاضرين إنما يفدون إليها للوقوف على أحدث ما يقال من صنوف الشعر، وهو صنف رائج أكثر من رواج النثر بالطبع، لما فيه من ايقاع وموسيقى ووزن وسهولة في الحفظ وأثر في النفس، لذلك كان للشاعر في هذه السوق مكانة تزيد كثيرا على مكانة التاجر فيها، لما لشعره من أثر في الحياة العامة لمجتمع ذلك اليوم.

ويقال إن الشاعر الشهير "النابغة الذبياني"،كان يحضر سوق عكاظ، فتضرب له قبة من أدم، يجلس تحتها، فيفد اليه من الشعراء من يريد أن يفتخر بشعره على غيره، لينشد أمامه شعره، فيحكم على شعره برأيه، لما لرأيه من أثر في الناس. وكان الشاعران الأعشى وحسان بن ثابت ممن احتكما اليه وكذلك الشاعرة الخنساء.

ومن حضر عكاظ الخطيب الجاهلي الشهير "قس بن ساعدة الايادي" "شيشرون" العرب، وعمرو بن كلثوم التغلبي،الشاعر المعروف. ويذكر أهل الأخبار إن الرسول رأى "قس بن ساعدة الأيادي" يخطب في هذه السوق، وقد قصد الرسول سوق عكاظ وسوق مجنة وذي المجاز، يدعو من كان يحضر المواسم إلى دين الله. وقيل انه مكث سبع سنين يتبع الناس في مواسمهم في سوق عكاظ، وكان في من كلمهم ودعاهم إلى الإسلام "بنو عامر بن صعصعة".

وحال الأسواق الآخرى مثل حال سوق عكاظ من حيث ورود الشعراء إليها لعرض ما عندهم من شعر جديد. والظاهر إن قرب سوق عكاظ من مكة، وورود الحجاج إليها قبل البدء بالحج، ثم ورود اسمها في أخبار الرسول،ولكونها سوق مكة وتجار قريش، ووقوعها في أرض يتكلم أهلها باللغة التي نزل بها الوحي، هذه الأسباب وغيرها هي التي خلّدت اسم هذه السوق، وربطت بينها وبين الشعر والنثر، أكثر من الأسواق الآخرى التي كانت بعيدة عن مكة، وبعيدة لذلك عن ذاكرة أهل الأخبار،هذا وان للباحثين في موضع سوق عكاظ آراء متباينة فيه. ولا زالت هذه الآراء متباينة فيه حتى اليوم.

هذا، وقد كان موضع عكاظ في الأصل مكاناً مقدساً على ما يظهر من أخبار أهل الأخبار. فقد ذكروا أن العرب كانت تطوف بصخور كانت هناك ويحجون إليها، وكانوا يذبحون وينحرون إلى تلك الأصنام والأنصاب. حتى تلطخت تلك الأنصاب والأرض التي تحيط بها بدماء البدن. ويظهر أن أهمية ذلك المكان الدينية كانت قد قلت بالتدريج، إذ غطت قدسية مكة عليه. ولما جاء الإسلام، وأزال الأنصاب والأصنام ذهبت كل أهمية لمحجة عكاظ واختفت أهمية السوق معه حتى ماتت على نحو ما ذكرت.

ويتقدم سادات الناس في مثل هذه المناسبات إلى آلهتم بإطعام الفقراء واضافة الناس. وكان "خويلد بن فضيل بن عمرو بن كلاب" المعروف ب "الصعق"، لأن صاعقة نزلت عليه فأحرقته، ممن يطعم بعكاظ. وكان من سادات قومه. ويترك هذا الكرم أثراً في نفوس من يحضر السوق، ويكون سبباً للحصول على ثناء ومديح الشعراء على أولئك الكرماء.

والظاهر من روايات أهل الأخبار عن هذه الأسواق، انها كانت كلها في الأصل، مواضع مقدسة، لها أصنام تعبدها القبائل وتأتي للتقرب إليها في مواسم معينة، هي مواسم حجها، فتتحول تلك المواسم إلى أسواق للبيع والشراء. فقد ذكروا إن "بني وبرة"، كانوا يفدون إلى "دومة الجندل" للتقرب إلى "ودّ"، وكان سدنته من "بني الفرافصة بن كلب"، وأن "بني عبد القيس " كانوا يتقربون إلى صنم لهم اسمه "ذو اللّب"، وكان بالمشقر، وسدنته "بنو عامر" ويجب ألا ننظر إلى هذه الأسواق نظرتنا إلى السوق بالمعنى المفهوم من اللفظة في الوقت الحاضر. فقد كانت أسواق الجاهلية أوسع مجالاً من ذلك بكثير. كانت مجامع لأهل اللسان من شعراء ومن خطباء، من مرموقين معروفين ومن مغمورين طلاب شهرة، قصدوا هذه الأسواق للحصول على اسم وسمعة، كما هو شأن سوق عكاظ. كما كانت مجتمعات تعقد فيها العقود والمعاهدات والاتفاقات القبلية والعائلية، ومواضع يعلن فيها عن التبني وعن الخلع، أي خلع الأفراد، لجرائم يرتكبونها، وهي ساحات محاكم، يجلس فيها المتخاصمون للاستماع إلى قرار حاكم مهاب محترم، اتفقوا على تحكيمه في نزاعهم. وقد كانت الحكومة في هذه السوق إلى "بني تميم"، وكان آخر من حكم منهم فيها: الأقرع بن حابس التميمي.

ويروي اهل الأخبار أن فرسان العرب كانوا إذا حضروا موسم عكاظ تقنعوا إِلا "أبا سليط" "طرفة بن تميم"، فارس عمرو بن تميم في الجاهلية، فإنه كان لا يتقنع ولا يبالي أن تقع عيون الفرسان عليه، وذلك اعتماداً على نفسه وازدراءً لشأن أعدائه ومن يريد إلحاق الأذى به. وقد كانت سوق عكاظ وبقية الأسواق، من أهم المواضع التي تجلب أنظار الفرسان إليها، إذ كان الكثير منهم يتصيدون فرص الأخذ بالثأر، بعد انفضاض موسم السوق، أو الحصول على غنائم بمهاجمة التجار ومن يحمل تجارة دسمة أو حمولة ثمينة، ولهذا كان لا بد للفرسان ومن يريد الحصول على مغنم أو تنفيذ مأرب ما من التحفظ والاحتراز حذر انكشاف أمره، فيكون عرضة للغدر.

وإذا وقعت في هذه الأسواق خصومات في مثل اختلاف في سعر أو اختلاف في تجارة، فهناك حكام يلجأ المتخاصمون اليهم للنظر في خصوماتهم وللنظر في كل خصومات أخرى قد تقع على الحاضرين. فيقوم هؤلاء الحكام بفض ذلك النزاع. وقد اشتهر سادات بني تميم بالنظر في الخصومات التي تقع في الأسواق القريبة منهم أو التي تقع قي ديارهم، وكان من أواخر حكامهم "الأقرع بن حابس".

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

1660 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الرابع بعد المئة الاسواق


1660

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
    
الفصل الرابع بعد المئة

الاسواق

والسوق المحل للذي يتسوق منه. وهي إما ثابتة مع أيام السنة، يبيع فيها الباعة ويقصدها المشترون للشراء، وإما موسمية، تعقد في مواسم معينة، فإذا انتهى الموسم رفعت. ويقال للسوق القسيمة كذلك.

وتكون الأسواق الثابتة في مواضع السكن، كالقرى والمدن والمستوطنات، أي بين "الحضر"، حيث القرار والاستقرار والإقامة، فيجلس الناس في السوق يبيعون ما عندهم من سلع، يبسطونها على الأرض، أو على "الدكة" المبنية للجلوس عليها، ولعرض البضاعة فوقها، أو على مائدة أو ما شابه ذلك، وهم من صغار الباعة ممن لا تكون عندهم سلع كثيرة. أما الباعة الكبار فيجلسون في "حوانيت"، وهي "الدكاكين"، يبيعون فيها سلعهم التي توضع فيها، ولها أبواب، فإذا انتهوا من البيع، أغلقوها ليعودوا إليها في اليوم الثاني. ويقال للحانوت "المبيعة" كذلك.

ولم يكن كل الباعة يملكون حوانيتهم، أو ما يعرضونه من سلع للبيع. فبينهم من كان يشتغل لغيره، كأن يكون مملوكاً، أقامه سيده في "مبيعته"، ليبيع عنه، وليأتي بثمن ما باعه اليه، ومنهم من كان أجراً اتفق مع صاحب الحانوت ومالكه على أن يشتغل عنده في مقابل أجر يقسمه اليه، فهو لا ينال من الدكان إلا أجر عمله.

والبيع في العربية من الأضداد، يقال: باع فلان إذا اشترى، وباع من غيره. والبائع هو كل من البائع والمشتري، والبياعة: السلعة، والتبايع المبايعة، وللبيعة الصفقة على ايجاب البيع وعلى المبايعة، والمبيعة الدكان، أي موضع البيع. وقد تخصص بعض الجاهليين في عمله، فمنهم من كان حدّاداً، حرفته معالجة الحديد، ومنهم من كان نجاراً، ومنهم من كان بزازاً، ومنهم من كان عطاّراً، ومنهم من كان "جزاراً" حرفته "الجزارة". وقد يجتمع صنف واحد من الباعة في مكان واحد، يكونون سوقاً خاصة بهم، فتسمى سوقهم بأسم ذلك الصنف.

وهناك مصطلحات تطلق على السوق من حيث الرواج والكساد. فإذا نشطت السوق وراج عمل أصحابها قيل نفقت السوق، واذا كسدت قبل انحمقت.

و "الصفقة" البيعة. يقال صفقة رابحة وصفقة خاسرة، أي بيعة. وإنما قيل للبيعة صفقة، لأنهم إذا تبايعوا تصافحوا بالأيدي، ويقال لمن لا يشتري شيئاً إلا ربح فيه: إنه لمبارك الصفقة. والصفقة تكون للبائع والمشتري. والصفق للتبايع. وفي حديث "ابن مسعود" صفقتان في صفقة ربا، أراد بيعتان في بيعة، وهو على وجهين، أحدهما أن يقول البائع للمشتري بعتك عبدي هذا بمائة درهم على أن تشتري مني هذا الثوب بعشرة دراهم، والوجه الثاني أن يقول بعتك هذا الثوب بعشرين درهماً على أن تبيعني سلعة بعينها بكذا وكذا درهماً. و "الصفاق" الكثير الأسفار والتصرف في التجارات.

وقد يشهد الأسواق للتجارة قوم لا رأس مال عندهم ولا نقد لديهم، فإذا اشترى التجار شيئاً دخلوا معهم فيه. ويقال لهؤلاء: "الصعافقة".

وقد ترد التجارة من الخارج لبيعها في السوق. ويقال للذين يجلبون الإبل والغنم للبيع الأجلاب والجلب. وذكر إن الجلب ما يجلب من إبل وغنم وخيل ومتاع وسبي. وفي المثل: النفاض يقطر الجلب، أي إذا نفض القوم، بمعنى نفدت أزوادهم قطروا إبلهم للبيع، كالجليبة و "الجلوبة. ويقال لموضع بيع النعم: "المربد".

وتمتار القبائل ميرتها من أسواق الحضر، والميرة الطعام يمتاره الإنسان، وجلب الطعام. فكان رجالها يقصدون الأسواق في المواسم وعند الحاجة لشراء ما فيها من طعام محتاجون اليه، ومن حاجيات أخرى محتاجون إليها،ثم يعودون إلى منازلهم. و "الميار" جالب المرة، ويقال للرفقة التي تنهض من البادية إلى القرى لتمتار "ميار ة".

و "السواقط" الذين يردون اليمامة لامتيار التمر، و "السقاط" ما يحملونه من التمرْ.

ويقال لكل سوق يجلب إليها غير ما يؤكل من حر الطيب والمتاع غير الميرة "لطيمة". والميرة لمآ يؤكل. وذكر أن اللطيمة سوق فيها أوعية من العطر ونحوه، وربما قيل لسوق العطّارين لطيمة.

ويقال للابل التي تخرج ليجاء عليها بالطعام "ركاباً"، حين تخرج وبعدما تجيء. وتسمى عيراً على هاتين المنزلتين. والتي يسافر عليها إلى مكة أيضاً ركاب تحمل عليها المحامل والتي يكثرون ويحملون عليها متاع التجار وطعامهم كلها ركاب، ولا تسمى عيراً، وإن كان عليها طعام إذا كانت مؤاجرة بكرى. وليس العير التي تأتي آهلها بالطعام ولكنها ركاب. ويقال زيت ركابي، لأنه يحمل من الشام على ظهور الإبل.

ويباع في الأسواق كل شيء: سلع مختلفة الأصناف والألوان ومنها البشر والحيوان. وقد ذكر العبيد والإماء مع الحيوانات في بعض الأوامر والأنظمة التي أصدرها الملوك في تنظيم البيع والشراء، وفي كيفية جباية حصة الحكومة من البيع والشراء، كما في هذه الجملة المقتبسة من أمر ملكي أصدره الملك "شمر يهرعش ملك سبأ وذي ريدان" في تنظيم التجارة والجباية: "بن انسم وابلم وثورم وبعرم وشامت بمنمو ذ يشامتم عبدم فعو امتم وبعرم". ومعناها: "من انس "بشر" وإبل وثيران وبعر تشتري. ومن يشتري عبداً أو أمتاً أو بعراً". فذكر "انسم" أي "انس" وذكر بعدهم الإبل والثيران والبعر وغير ذلك. وكيف يميز بين الإنسان والحيوان، والانسان في ذلك الوقت سلعة، مثل سائر السلع تباع وتشترى، ليكون عبداً وخادماً ومملوكاً لمشتريه! والبضاعة، القطعة من مال يتجر فيه. وأبضعه البضاعة أعطاه اياها. وهي من الألفاظ التجارية التي لا زالت رائجة جارية على كل لسان في الأسواق. ويقال لثمن الشيء: "القيمة"، وهو ثمن الشيء بالتقويم. وقومت السلعة ثمّنتها. ويقول أهل مكة: "استقمتها" ت أي ثمنّتها، ويقولون استقمت المتاع، أي قوّمته.

و"العينة" خيار المال. وعن التاجر، إذا باع من رجل سلعته بثمن معلوم إلى أجل معلوم ثم اشتراها منه بآقل من ذلك الثمن الذي باعها به. وقد كره العينة أكثر الفقهاء وروى فيها النهيْ.

وقد كانت بالقرى والمدن أسواق محلية، فكان بمكة والمدينة أسواق بها مبيعات. ويظهر أن "ملا" القرى كانوا. يشرفون عليها ويأخذون ضرائب البيع والشراء منها. وقد ورد أن "عمر" استعمل على سوق المدينة "السائب بن يزيد" وسليمان بن أبي خيثمة وعبدالله بن مسعود. ولم تشر الرواية إلى الأعمال التي أناطها "عمر" بهؤلاء. ولكني لا استبعد احتمال كون هذا التعيين استمرار لعادة قديمة كانت متبعة بيثرب قبل الإسلام، لمراقبة السوق، ولمنع للتلاعب به وأخذ الحقوق من التعامل بالسوق.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

1659 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثالث بعد المئة طرق الجاهليين


1659

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
   
الفصل الثالث بعد المئة

طرق الجاهليين

لا أملك نصاً جاهلياً فيه أخبار عن الطرق التي كان يسلكها الجاهليون في تنقلاتهم من مكان إلى مكان، لأغراض خاصة، أو للرعي أو للاتجار، وما سأذكره عن الطرق مأخوذ من الموارد الإسلامية فقط، وهي موارد تعرضت لموضوع "المسالك" والطرق التي كان يسلكها الحجاج والمسافرون والتجار في أيام الخلافة، داخل أرض الخلافة وخارجها. وعلى رأس هذه الموارد كتب "المسالك والممالك"، وبقية كتب "الجغرافيا" والسياحات ووصف جزيرة العرب ففي هذه الموارد وصف للسالك والطرق ولسكك البريد التي كانت في بلاد العرب وهي وإن كانت طرقاً إسلامية، إلا أنها بنيت على الطرق الجاهلية القديمة في الأغلب،وما فعله المسلمون، هو أنهم اختصروا بعضاً منها، أو أقاموا مستوطنات جديدة عليها، أو حفروا آباراً بين منازلها التي كانت متباعدة، بدليل أن المنازل والمواضع الجاهلية التي ترد أسماؤها في الشعر الجاهلي ترد كذلك في وصف الإسلاميين لطرق جزيرة العرب على النحو الوارد في ذلك الشعر، أو في أخبار أيام العرب أو في كتب السير والتواريخ.

ولهذا فسيكون اعتمادي في وصف طرق القوافل عند أهل الجاهلية، على هذه الموارد الإسلامية، مع العلم بأن بعض المسالك الجاهلية، قد ماتت وذهب أثرها، وان بعضاً منها بقي على حاله، وان بعضاً من الطرق المسلوكة في الوقت الحاضر، والتي مهدت وعمرت تعميراً حديثاً بالوسائل الفنية المعروفة في هذا اليوم، هي طرق جاهلية قديمة، كانت مسلوكة قبل الإسلام. وهي طرق طبيعية كانت مسلوكة لوجود الماء فيها في مواضع متقاربة، و قد أقيمت عندها مستوطنات، وبقيت على حالها، لم تذهب فائدتها، ولم تتغير مراضع الاستيطان فيها، لذلك صارت السبل التي تسلك بين أجزاء جزيرة العرب الى هذا اليوم.

ومما يؤسف له كثيراً، هو إن الموارد الإسلامية التي تحدثت عن غزوات الرسول وسراياه وعن الوفود التي قصددته من مختلف أنحاء جزيرة العرب، والعمال والرسل الذين أرسلهم الرسول الى سادات القبائل أو لجمع الصدقات،.ثم عن حروب الردة وعن عمال ا الخلفاء على أقاليم جزيرة العرب،سكتت عن ذكر الطرق التي سلكت والمنازل التي نزلت، ولم تفصل في ذكر المنازل والمراحل، فأضاعت علينا بذلك معرفة الطرق الجاهلية التي كان يسلكها الجاهليون في تجاراتهم وفي أسفارهم، ثم إن الذين بحثوا في الإسلام عن المسالك والطرق، وذكروا المنازل مع أبعادها بالأميال أو بالفراسخ، أو بالمراحل، لم يهتموا بالاشارة إلى ذكر تواريخ هذه الطرق أو المنازل والى أصلها، هل هي جاهلية أم هي اسلامية، أم معدلة، ولمثل هذه الملاحظات التي أملوها أهمية كبيرة باًلنسبة للبحث بالطيع. وسأبدأ بالطرق التي سلكها أهل الجاهلية فيما بين العراق وبلاد الشام. وقد كان منهم من يحاذي الفرات، حتى لا يبتعد عن الماء والغذاء وأهل الحضر، ثم يسلك الطرق الشمالية التي مهدها الروم، لدخول بلاد الشام، وهي في أيدي الروم في الغالب، غير إن الفرس استولوا عليها في بعض الأحايين، ونظراً إلى ما لهذه الطرق من الأهمية من الناحية الاقتصادية والعسكرية، فقد تشدد الروم في مراقبة القوافل التي تقصد بلاد الشام، أو تخرج منها للذهاب إلى العراق،وتصعبوا في السماح لها وللتجار بالمرور.

ومن التجار من كان يخرج من الحيرة إلى بلاد الشام، فيسلك طريق "القطقطانة"، وهو موضع سبق أن تحدثت عنه في أثناء كلامي على نهاية الملك "النعمان بن المنذر"، إذ جاء في رواية أن "كسرى" أمر به فسجن به. وهو موضع غير بعيد عن الكوفة من جهة البرية بالطف. ثم يسلك الطريق إلى "البقعة"، ثم إلى "الأبيض"، ثم إلى "الحوشي"، ثم إلى "الجمع"، ثم إلى "الخطى"، ثم إلى "الجبة"، ثم الى "القلوفي"، ثم إلى "الأعناك"، ثم إلى "أذرعات"، ثم إلى "دمشق".

وطريق آخر سلكه الناس من العراق إلى بلاد الشام يبدأ من "عين التمر"، وهو موضع تحدثت عنه في مواضع من هذا الكتاب، ويتجه نحو "الأخدمية"، ثم إلى "الخفية"، ثم إلى "ا الخلط"، ثم إلى "سوى"، ثم إلى "الأجيفر"، ثم الى "الغربة"، ثم إلى "بصرى".

وفد سبق لي إن تحدثت عن بصرى في مواضع من هذا الكتاب. وهي المدينة التي وصل إليها الرسول مع عمه "أبي طالب"، وبها كان "بحيرا" الراهب على ما جاء في كتب السير، واليها كان يقصد تجار مكة، حيث يتاجرون بأسواقها. وبها قبر "بحيرا"، وهو يزار.

وأما طرق العربية الشرقية مع العراق، فقد كان من الجاهليين من يسلك الطرق المائية فيتجه نحو سواحل اللخليج عن طريق الأبلة، فيحاذي الساحل، ومنهم من كان يتجه إلى الشرق نحو جزر الخليج، ثم يتجه منها إلى ساحل "عمان"، ومنهم من كان يسلك طرق البر. وقد ذكر "ابن خرداذبه"، إن الطريق من البصرة إلى عمان على الساحل، يمر إلى "عبادان"، ثم ا الى "الحدوثة"، ثم إلى "عرفجا"، ثم إلى "الزابوقة"، ثم إلى "المقر"، ثم إلى "عصى"، ثم إلى "المعرس"، ثم إلى "خليجة"، ثم إلى "حسان"، ثم إلى "القرى" "القرنتين"، ثم إلى "مسيلحة" "مسلحة"، ثم إلى "حمص"، ثم إلى ساحل "هجر"، ثم إلى "العقير"، ثم إلى "قطر"، ثم إلى "السبخة"، ثم إلى "عمان".

ومن الطرق المهمة التي تربط اليمامة بجنوب العراق، طريق يأخذ من الاْبلة "البصرة"، ثم يتجه نحو "كاظمة"، ثم إلى منازل ثلاثة لم يذكر أسماءها "ابن خرداذبه"، ثم إلى "القرعاء"، ثم إلى "طخفة"، ثم إلى "الصمّان"، ثم منازل ثلاثة لم يشر إلى اسمها "ابن خرداذبه"، و منها إلى "جب التراب"، ثم إلى منزلين اخرين، ومنهما إلى "سليمة"، ثم إلى "النباك"، ومنه إلى "اليمامة". ويتفق وصف هذا الطريق، وأسماء المواضع مع ما ذكره "قدامة بن جعفر" في كتابه "الخراج" سوى إن "إبن خرداذبه"، يبدأ بالبصرة، ثم ينتهي باًليمامة، أما "قدامة"، فيبدأ باليمامة وينتهي بالبصرة.

ونجد في كتاب بلاد العرب، للحسن بن عبد الله الاصفهاني وصفاً لطريق آخر يتجه من "حجر" اليمامة حتى ينتهي بالبصرة، ذكر فيه أسماء المواضع ووصف الأرض والمياه، وينتهي طريقه ب "سفوان"، "صفوان"، المعروف اليوم في العراق. وقد ذكر "كاظمة"، وذكر أنها على ساحل البحر، وبها حصن وتجار ودور مبنية، ثم ذكر أسماء مواضع تقع بينها وبين "سفوان". ولما كانت البصرة إسلامية، بنيت في زمن "عمر"، فإن الجاهليين، كانوا يسافرون من "الأبلة" التي حلت البصرة محلها إلى جزيرة العرب.

ويبدأ هذا الطريق بالحرمليّة، وهو ماءة في قف في شُعبة عليه نخلات، ثم تركب القف، فتأخذ على واد يقال له "ذو جراف"، فتجزعه عرضاً، ثم تنتهي إلى "المديدان"، ثم تجًزع "الحرملية" ثم وادي "بنبان" حتى تصل "سويس"، ثم "البديع"، ثم "الطنب"، ثم "ا لجرداء"، و هي رو ضة تشرب من وادي جراف. ثم "الراح". فإذا جزته وقعت في العرمة ثم تخترق وادي حرج حتى تنتهي إلى "الجرباء" وعلى يسار الجرباء في العرمة ماء يقال له "الرداع"، فإذا فصلت من العرمة من حيال الجرباء صرت إلى واد يقال له "مجمع الأودية" ثم تصير إلى "ذات الرّئال"، ثم تنتهي إلى "الحفر"، حفر سعد، ثم تفوز إلى "الدهناء"، فتصل "خشاخِش" فتقع في معبر، فتعبر جبال الدهناء، فتصل الى أبرق يقال له "القنفذ"،.ثم تستقبل "الصمان"، فتمضي فيه حتى تنتهي إلى "المعا"، ثم ترد "طويلعا"، وهو وسط الطريق بين حجر وبين البصرة. وهو موضع فيه ماء وفيه تجار، وحصن يتحصنون به من اللصوص.

ثم تجوز "طويلعاً" إلى واد يقال له "الشيط"، فإذا انحدرت من عقبة الشيط تأتي "الوريعة"، فإذا جزته، تأتي "الدوّ". فإذا فصلت في "الدو" صرت إلى "كفة العرفج"، وفي منقطع "الدو" حين تجوزه واد يقال له "وادي السيّدان"، وعلى الطريق ماء "النحيحة"، تخرج منه إلى "تياس"، وقريب منه ثمد يقال له "الفارسي"، ثم تجوز ثماد أخرى حتى تصل "المخارم"، فتهبط "كاظمة". ثم تخرج من "كاظمة" إلى "النجفة"، ثم تمضي إلى "الصليف" "الصليب"، ثم تهبط الى "أيرمى" "أيرمى الركبان"، وهو علم مبني من حجارة للطريق، وهو شبه شخص إنسان. ثم تصل "الحزيز"، ثم تهبط "سفوان"، ثم تخرج حتى تهبط "الأحواض"، وهو ماء للسانية، ثم تصل البصرة.

وهناك طريق يوصل "حجراً" باًلكوفة، يبدأ بالحبل، وهو ماء في ناحية القف. لراعية اليمامة، ثم تخرج منه فترد القف، ثم تمضي حتى ترد "البالدية"، فإذا خرجت منها وردت ماءً يقال له "الغميم"، ثم ترد وادياً يقال له "العتك"، ثم "مبايض"، ثم تجوزه إلى "تعشار"، ف "مويهة"، ثم "تلعة"، ثم "السقيا"، ثم تجوز الدهناء، فتعلو قفاً يوصلك إلى "المجازة" وهي من طريق مكة الذي يأخذ عليه البصريون، عليه المنار من بطن فلج. وهي منهل، ثم تجوزها فتقع في "اللوى" ثم تصير إلى "لينة"، وهي ماءة كبيرة، ثم تسير فترد "زبالة". وهي سوق من أسواق طريق الكوفة المؤدي إلى مكة. فإذا خرجت من "زبالة" وردت "القاع"، ثم تخرج منه إلى "العقبة" ثم ترد "الشقوق"، ثم "واقصة": ثم "العذيب".

ويذكر علماء اللغة إن العرب أطلقت "القعقاع" على الطريق من اليمامة إلى الكوفة، وذكر بعضهم إلى مكة.

وكان بين أهل "الحيرة" وبين أهل مكة اتصال تجاري وثيق، بل واتصال ثقافي أيضاً، فمنها حمل الخط العربي إلى مكة على رواية أهل الأخبار. وكان التجار يرحلون منها إلى "القادسية"، وهو موضع معروف سبق إن تحدثت عنه، وبه كانت وقعة القادسية. ومنه إلى "العذيب"، وهو مسلحة بين العرب وفارس في حد البرية، وبها حائطان متصلان من القادسية إلى العذيب ومن الجانبين كليهما نخل ، وبالعذيب أحساء، غزير الماء، يخرج الماء خريراٌ من قوة اندفاعه على ما يفهم من شعر ورد على لسان بعض الضبيين. ويخرج الإنسان من العذيب فيدخل المفازة، ويكون بنجد حتى يبلغ موضع "ذات عرق". والعذيب بين القادسية ومغيثة، وفي الحديث ذكر العذيب. وهو ماء لبني تميم. وهو طرف أرض العرب.

ويتجه الطريق من "العذيب" إلى المغيثة، وفيها برك. وماؤها ماء السماء، ثم يتجه إلى "وادي السباع"، ثم إلى "القرعاء"7، وفيه آبار، ثم إلى "واقصة"، ثم إلى "العقبة"، وبها آبار، ثم إلى "القاع"، ومن "القاع، الى "زبالة"، ومن "زبالة" الى "ا لشقوق"، ومن "الشقوق" إلى "البطان"، وهو قبر العبادي: ثم إلى "الثعلبية"، وهو ثلث الطريق فيها برك ، ثم إلى "الخزيمية"، وهي مدينة سميت "خزيمة" لأن خزيمة صيرّ فيها سواني، وكانت تسمى "زرود"، ثم إلى "الأجفر"، ثم إلى "فيد"، وهي نصف الطريق، وبها منزل العامل في الإسلام. وبها أسواق وقناة وزروع ، وبرك وآبار وعيون جارية، وفد عظم شأنها في الإسلام، ذكر أن بها حصناً، عليه باب حديد وعليها سور دائر، وكان الحجاج يودعون فيها فواضل أزوادهم إلى حين رجوعهم وما ثقل من أمتعتهم، وهي قرب "أجأ" و "سلمى" جبلي طيء. وقد ذكرت في شعر "زهير بن أبي سلمى"، إذ قال: ثم استمروا وقالوا إن مشربكم  ماء بشرفيّ سلمى فيد أوركك

وتقع في فلاة فيَ الأرض بين أسد وطيء، اقطعها الرسول إلى "زيد الخيل". ثم إلى "توز"، فيها برك وآبار وحصن بناه "ابو دلف". ثم الى "سميراء" ، ثم الحاجر. فمعدن القرشى، وهو "معدن النقرة". وعنده تفترق الطريق، فمن أراد مكة نزل "المغيثة"، ومن أراد "المدينة" أخذ نحو العسيلة فهبطها. وهو منزل حاج العراق بين "اضاخ" و "ماوان". وفيه بركة وثلاثة آبار، بئر تعرف بالمهدي، وبئران تعرفان بالرشيد وآبار صغار للأعراب تنزح عند كثرة الناس وماؤهن عذب.

فمن أخذ على المدينة، فمن المعدن إلى العسيلة، ثم إن بطن نخل، ثم إلى الطرق، ثم إلى المدينة. وهي."يثرب". وذكر بعض أهل الأخبار إن "مرزبان اليادية" كان قد عينّ على المدينة في الجاهلية عاملاّ يجبي خراجها، وكانت قريظة والنضر ملوكاً ملكوها على المدينة على الأوس والخزرج، وفي ذلك يقول شاعر الأنصار: تؤدي الخرج بعد خراج كسرى  وخرج من قريظة والنضـر

ومن المدينة الى " السيالة"، ومنها إلى "الروحاء"، ثم إلى "الرويثة"، ومنها إلى "العرج"، ثم إلى "السقيا"، ثم إلى "الأبواء"، ثم "الجحفة"، ثم إلى "قديد"، ثم إلى "عسفان"، ثم إلى "مر الظهران"، ثم إلى مكة.

ومن أراد "مكة" قصد "مغيثة الماوان" ، ومن "مغيثة" إلى إالربذة" وماؤها كثير. واليها هاجر "أبو ذر" الغفاري، وبها مدفنه. وقد خربت سنة "319" للهجرة بالقرامطة. ومن الربذة إلى معدن بني سليم، ومن معدن بني سليم إلى العمق، ومنه إلى "أُفاعية" "الأفيعية" إلى "المسلح"، ثم إلى "الغمرة"، ومنه يعدل إلى اليمن، ومن الغمرة إلى "ذات عرق"، ومنه يقع الاحرام ، ثم إلى "أوطاس"، ثم إلى بستان بني عامر "بستان ابن عامز"، ثم غمر ذي كندة، ثم مشاش، ثم مكة.

ويلاحظ أن هذا الطريق هو من أقصر الطرق المؤدية من "الحيرة" إلى "المدينة"، وهو يمر بجبلي "طيء"، أي "جبل شمر"في الوقت الحاضر. ويمر على "حائل" بجبلي طيء، وهو مدينة في الوقت الحاضر ورد ذكرها في شعر "امرىء القيس" إذ يقول: يا دار ماوية بـالـحـائل  فالفرد فالجبتين من عاقل

وبجيل "سلمى".مدينة اسمها "أُرك" ، عرفت بمدينة "سلمى"، وأصحابهما من "طيء": وقد انحاز إليها "خالد بن الوليد"، لما أرسله "أبي بكر". من "ذي القصة" لمحاربة المرتدين. وقد نزل "خالد" بأجأ، ثم تعيأ لملاقاة "طليحة الأسدي"، فالتقى به على "بزاخة".

ويسلك هذا الطريق في الوقت الحاضر الحجاح الذين يقصدون الحج عن طريق النجف بالسيارات.

و "الربذة" من القرى القديمة في الجاهلية، وهي عن المدينة من جهة الشرق على طريق حاج العراق على تحو ثلاثة أيام سميت ب "خرقة الصائغ" " بها مدفن "أبي ذر".

ومعدن بني سليم، هو لبني سليم، الذبن غزاهم الرسول غزوة "قرارة الكدر"، ويقال: "قرقرة بني سليم وغطفان"، لما بلغه إن بقرارة الكدر جمعاً من غطفان وسليم يريد الكيد للمسلمين. و "الكدر" ماءة لبني سليم في ديار غطفان ناحية المعدن. والى هذا الموضع أيضاً وصل للرسول في غزوته المعروفة بغزوة السويق، وسببها إن "أباسفيان" نذر ألا يمس راًسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً، انتقاماً لبدر، فسلك النجدية حتى نزل بصدور قناة إلى جبل يقال له "تيت"، من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج إلى "بني النضير"، ثم خرج فأرسل رجالاً من قريش إلى ناحية من المدينة يقال لها "العرُيض"، فحرقوا في أصوار من نخل لها، وقتلوا رجلين، ثم انصرفوا راجعين، فخرج رسول الله في طلبهم حتى بلغ "قرقرة الكدر"، فوجد إن "أباً سفيان" قد فاته وأصحابه، وكان أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب الدقيق ويتخفون، وكان ذلك عامة زادهم، فلذلك سميت غزوة السويق.

وقد غزا الرسول "بني سليم" مرة أخرى فسار عليهم حتى بلغ موضع "بحران" معدناً بالحجاز من ناحية الفرع، فلما لم يجد أحداً منهم، وكانوا قد تفرقوا رجع عنهم. ويظهر إن قريشاً كانوا قد جاءوا اليهم، واتفقوا معهم على مهاجمة المدينة، بدليل ما ورد في خبر هذه الحملة من انه " غزا يريد قريشاً وبني سليم".

و "بحران" موضع بناحية الفرع من الحجاز، به معدن للحجاج بن علاط البهري. و "الفرع" باًلحجاز، من أضخم أعراض المدينة.

وهذا الطريق هو الطريق الذي كان أهل مكة في الجاهلية ليسلكونه إلى العراق. ولما خافت قريش طريقها الذي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة "بدر" ما كان، قررت سلوك طريق العراق، اًي هذا الطريق، واستأجرت لها دليلاً خريتاً بالطرق عالماً بها، هو "فرات بن حيان"، وخرجت القافلة تحمل مالاً كثيراً، فيه فضة كثيرة، وهي عظم تجارتهم، سلكت طريق "ذات عرق"، ثم خرج الدليل بهم على "غمرة"، وانتهى إلى النبي خبر العير وفيها المال الكثير، فأرسل "زيد بن حارثة" على سرية، التقت بالقافلة بموضع "القردة"،فظفر بالعير، وأفلت أعيان القوم. وأتى بدليلها أسيراً، وخمست الغنائم، فبلغ الخمس عشرين ألف درهم.

وقد ذكر "الهمداني"، أسماء منازل طريق الكوفة - يثرب، والكوفة - مكة على هذا النحو. الكوفة، فالقادسية، فالمغيثة، ثم القرعاء، ثم واقصة ثم العقبة، ثم القاع، ثم زبالة، ثم الشقوق، ثم البطان، ثم الخزيمية، ثم الأجفر، ثم فبد، ثم توز، ثم سميراء، ثم الحاجر، ثم معدن النقرة، ثم العسيلة، ثم بطن نخل، ثم الطرف، ومنه إلى المدينة.

ومن الطرف يؤدي الطريق إلى مكة، فيمر بالسيالة، ثم الروحاء، ثم الرويثة، ثم العرج، ثم السقيا، ثم الأبواء، ثم الجحفة، ثم قديد، ثم عسفان، ثم مرّ الظهران، ثم مكة.

ومن أخذ الجادة من مكة إلى معدن النقرة، فمن مكة إلى البستان، ثم ذات عرق، ثم الغمرة، ثم المسلح، ثم الأفيعية، ثم حرة بني سليم، ثم العمق، ثم السّليلة، ثم الربذة، ثم ماوان، ثم معدن النقرة. وهو ملتقى الطريقين.

وقد عرف طريق العراق من الكوفة إلى مكة ب "المثقب". يقال: سلكوا المثقب، أي مضوا إلى مكة. وقيل انه طريق ما بين اليمامة والكوفة. وذكر بعض العلماء انه طريق كان بالشام والكوفة وكان يسلك في أيام بني أمية. ويظهر إن الاسم من الأسماء القديمة، بدليل اختلاف العلماء في تعليل التسمية، فقال بعضهم سمي لمرور رجل به يقال له مثقب، وقال بعض آخر سمي بذلك لأن بعض ملوك حمير بعث رجلاً يقال له مثقب على جيش كثير إلى الصين فأخذ ذلك. الطريق فسمي به.

وكان حاج البصرة إذا أرادوا الحج، اتجهوا إلى "المنجشانية" على ستة أميال من اليصرة، تنسب إلى "منجش" مولى "قيس بن مسعود" ، ثم إلى "الحفير"، وهو ركايا ما بين "ماوية" و "المنجشانيات" ، ثم إلى "الشجى"، ثم إلى "الخرجاء"، وهو ماءة احتفرها "جعفر بن سليمان " على طريق حاج البصرة ، ثم الى "الحفر" ، ثم إلى "ماوية"، ثم إلى ذات العشر، ثم إلى "الينسوعة"، ينسوعة القف، منهل من مناهل طريق مكة على جادة البصرة، بها ركايا كثيرة عذبة الماء عند منقطع رمال الدهناء بين ماوية النباج. ثم الى "السُمَينة"، أول منزل من النباج لقاصد البصرة ، ثم إلى "النباج"، ويقال له نباج بني عامر بن كريز، وهو بحذاء "فيد"، وبه يوم من أيام العرب، مشهور لتميم على يكر بن وائل. وقد استنبظ ماءه "عبد الله ين عامر ابن كريز"، شقق فيه عيوناً وغرس نخلاً، وسكن به رهطه بنو كريز.

و "عامر بن كريز بن ربيعة" القرشي العبشمي، والد "عبد الله"، وهو من المحمقين في قريش، ذكر انه أسلم يوم الفتح، وكان ابنه "عبد الله" أميراً على البصرة زمن عثمان ، كما كان صهراً لمعاوية، ومن أغنياء المسلمين.

ومن النباج إلى "العوسجة"، ثم إلى "القريتين"، ثم إلى "رامة"، ثم إلى "امرة"، ثم إلى "طخفة"، ثم إلى ""ضرية"، ثم إلى "جديلة" ثم الى "فلجة"، ثم إلى "الدثينة" "الدفينة"، ثم إلى "قبا"، ثم إلى "مران"، ثم الى "وجرة"، ثم إلى "أوطاس"، ثم إلى "ذات عرق" ثم إلى بستان ابن عامر، ثم إلى مكة.

ويلاحظ أن مبدأ هذا الطريق، قد عمر في الإسلام، وذلك بسبب تأسيس البصرة، ولكنه يسلك أيضاً الطريق الجاهلى القديم في مواضع كثيرة منه.

و "بستان ابن عامر" عند مكة، ويرى بعض العلماء أن هذه التسمية مغلوطة وأنها من أقوال سواد الناس وأن الصحيح بستان ابن معمر، وهو مجتمع النخلتين اليمانية والشامية. بينما يرى بعضهم العكس، إذ قال: "وبستان ابن عامر بنخلة. هو عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة. ولا تقل بستان ابن معمر، فإنه قول العامة. وورد أيضاً "بستان ابن عامر لعمر بن عبد الله بن معمر ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ين تميم بن مرة بن كعب بن لؤي ، ولكن الناس غلطوا فيها، فقالوا: بستان ابن عامر، وبستان بني عامر، وإنما هو بستان ابن معمر، وقوم يقولون نسب إلى ابن عامر الحضرمي، وآخرون يقولون نسب إلى ابن عامر بن كريز". وذكر أنه على مقربة من هذه البستان موضع يقال له "المسدّ"، وهو مأسدة.

ويقع موضع "السّيّ"، وهو ماء من ذات عرق إلى "وجرة" على ثلاث مراحل من مكة إلى البصرة وخمس من المدينة. فهو من منازل طريق البصرة - مكة. واليه أرسل الرسول "شجاع بن وهب" الأسدي، على "بني عامر" بناحية "ركبة". ووجرة في طريق البصرة. وأما "ذات عرق" فحد يفصل في عرف علماء جزيرة العرب بين الحجاز ونجد. فمن ذات عرق إلى الغرب الحجاز، ومن ذات عرق مشرقاً، فهو نجد. واذا جزت "وغرة" ووجرة فأنت في نجد إلى أن تبلغ "العذيب"، و "غمرة" في طريق الكوفة. وهي فصل ما بين تهامة ونجد.

وعلى مقربة من "ذات عرق"، يقع قبر أبو رغال في موضع يقال له "الغمير"، بين ذات عرق وبين البستان.

وقد ذكر "القلقشندي" طريقاً يبدأ بالبصرة ويتجه نحو "اليمامة"، على هذا النحو: "البصرة"، ثم "المنجشانية"، ثم إلى "الكفير?" "الحُفير"، ثم إلى "الرحيل"، ثم إلى "الشجى"، ثم إلى "الحفر"، ثم الى "ماوية"، ثم إلى "ذات العشر"، ثم إلى "الينسوعة"، ثم إلى "السمنية"، ثم إلى "النباج"، ثم الى "العمومية ثم" "العوسجة"، ثم إلى "القربتين"، ثم إلى "سويقة"، ثم إلى "صداة"، ثم إلى "السدّ"، ثم إلى "السقي"، ثم الى "المنبية"، ثم إلى "السفح"، ثم إلى "المريقة"، ثم إلى "اليمامة".

وذكر "الهمداني" أسماء بعض المواضع التي كان يسكنها المسافرون من الكوفة إلى العراق، وهي الطرق السالكة التي عرفت ب "المحجة"،لأنها طرق الحج.

وقد ذكر "الهمداني" أسماء مواضع يمر بها الطريق من "نجران" إلى البصرة. وهي: نجران، ثم كوكب، ثم الحفر، ثم العقيق، وهو معدن ذهب، ثم "الفلج"، ثم "الخرج"، ثم "الخضرمة"، ثم "الفقى"، ثم البصرة.

وإذا أراد أهل اليمامة السفر إلى مكة ،سافروا إلى العرض، وهو بطن العرض، عرض بني حنيفة، الوادي المعروف اليوم باًسم الباطن، وفيه مياه وقرى ، ثم "الحديقة"، ثم إلى "السيح"، وهو سيح "آل ابراهيم بن عربي" والى اليمامة في عهد "عبد الملك" و "هشام"، ثم إلى "الثنية"، ثم إلى"سقيراء"، ثم إلى "السدّ"، ثم إلى صداة ، ثم إلى "شريفة"، ثم إلى "القريتين" من طريق البصرة، فيتصل الطريق بطريق البصرة، ويسلكها على نحو ما مرّ. وقد ذكر " قدامة" منازل هذا الطريق على هذا النحو: "العرض"، ثم "حديقة"، ثم "السيح"، ثم "الثنية العقاء"، ثم "سقيراء"، ثم "السدّ"، ثم "مراره"، ثم "سويقة"، ثم "القريتين"، ثم طريق البصرة.

ونجد في "بلاد العرب" وصف طريق يبدأ ب "حجر" اليمامة وينتهي بمكة. ويبدأ ب "بطن العرض" ، ثم "السيح"، ثم "ثنية الأحيسى"، ثم ناحية من "قر قرى" اليمامة، ثم "المنفطرة"، ثم "الغزُ يز"، ثم "الو ركة"، ثم "أهو ى" و "أضيمر"، ثم "العفافة"، ثم "عكاش"، ثم "المروت"، ومنه إلى "السحامة" وعليها طريق المنار، واذا جزت أهوى، فمن ورائها مويهة يقال لها "الأسودة"، ثم تعبر رملة يقال لها "جراد"، ثم تصل "الهلباء" بحايل، فإذا جزت "الهلباء" وقعت في واد، تجوزه فترد "عكاشا"، ثم ترد "العيصان"، وهو معدن ، ثم ترد معدن الأحسن، وهو من أول عمل المدينة، ثم تجوزه إلى "العلكومة"، ثم ترد "الدثينة" "الدفينة"، قرية على طريق البصرة إلى مكة ، ثم يسلك هذا الطريق المواضع التي ذكرتها عند حديثي على طريق البصرة - مكة.

وكان لأهل اليمامة طرق توصلهم إلى اليمن، منها طريق يؤدي إلى "الخرج"، ثم الى "نبعة"، ثم إلى "المجازة"، و "المعدن"، و "الشفق"، "الشقق ?"، ثم "الثور"، ثم "الفلج"، وهو قرية كبيرة بها نخيل ومزارع وعين يقال لها "الذبا" يخرج منها سبعة عشر نهراً، وهي من الأفلاج. ثم "الصفا"، وبئر الآبار ونجران، ثم الحمى وبرانس، ومريع، والمهجرة. ثم يسلك طريق المهجرة ألمؤدي إلى صنعاء.

وذكر "الهمداني" طريقاً يصل نجران باليمامة ثم ينتهي بالبصرة. ومعنى ذلك طريق يوصل البصرة باليمن، فنجران من أهم عقد الطرق المؤدية إلى اليمن.

ويبدأ الطريق بنجَران ، ومنها إلى "كوكب"، ثم الى "الحفر"، ثم "العقيق"، وهو معدن يعق عن الذهب، وهو لجرم وكندة، ثم "المقترب"، ثم "الفلج"، ثم "الخرج"، ثم "الخضرمة"، ثم "الفقى" ، وهو طرف اليمامة: ثم البصرة.

وذكز "الهمداني" أن من يريد التوجه من "الفلج" إلى اليمامة، سلك طريق "العقيمة"، أو "مخمسة". ومن أخذ "الثفن" من الفلج إلى اليمامة أخذ أسافل أودية جعدة، فيأخذ الغادي على اًسفل الغيل من الثفن، ثم يقطع "غلغل" و "الثجة" و "النضخ" " فإن أحب شرب بدلاميس، ثم نسلة إلى الخرج، وإن اًحب شرب بالمرّاء، ثم برك ثم بريك.

وإذا أراد أهل البحرين التوجه إلى اليمامة، صعدوا الطريق، فيكون عن يمينهم "خرشيم"، وهي هضاب وصحراء مطرّحة إلى "الحفرين" وإلى "السلحين"، ثم "الحابسية"، ثم "مزَلقَّة"، ثم "الموارد" ثم الفروق الأدنى ثم الفروق الثاني، ثم الخوار، خوّار الثلع، ثم الصليب، وعن يمينك الصلب، صلب المِعَي والبرقة برقة الثور. ثم الصتمان، ثم ترجع إلى طريق "زَرٌى"، فعن يسارك "الدُبيب"، وعن يمينك "الدحرض"، ثم تقطع بطن "قو"، ثم السمراء، ثم تأخذ في الدهناء وتأخذ على الشجرة، ثم إلى "الخل" خل الرمل، ثم قَلْت هبل، ثم "النظيم" نظيم الجفنة، ثم شباك العرمة والغرابات، ثم تقطع العرمة و "شيعا"، ثم تسير في "السهّباء"، ثم تقطع جبيلاّ يقال له "أنقد"، ثم الروضة، ثم ترد "الخضرمة" جو الخضارم. وهي أول اليمامة قبل البحرين.

وكان لأهل نجد جملة طرق يسلكونها في اتجاههم نحو "مكة" أو المدينة أو اليمن. وقد عرف طريق نجد إلى مكة ب "الجلال" وب "مثقب" وب "القعقاع". وذكر أن "المثقب" طريق العراق من الكوفة إلى "مكة"، وكان فيما مضى طريقاً بن اليمامة والكوفة يسمى "مثقباً"، وذكر أنه طريق العراق إلى مكة، وقد أوجدوا لذلك جملة تعاليل لحلّ مشكلة التسمية. فقالوا: إنهُ سميّ مثقباً لمرور رجل به يقال له مثقب. وقالوا: بل لأن بعض ملوك حمير بعث رجلاً يقال له مثقب على جيش كثير إلى الصين، فأخذ ذلك الطريق فسمي به. وذكر بعض آخر. أنه طريق كان بين الشام والكوفة، وكان يسلك في أيام بني اًمية.

وذكر إن "القعقاع" الطريق لا يسلك إلا بمشقة، وهو طريق من اليمامة إلى الكوفة، وقيل إلى مكة.

و قد يكون طريق نجد إلى المدينة و مكة جزءاً من طريق العراق إلى المدينتين، و قد ذكرت أسماء بعض المواضع التي يسلكها القادمون من الكوفة أو الحيرة ثم من البصرة إلى المدينة أو مكة، و هي تمرّ بعد اجتيازها حد العراق بنجد. و من هذه المواضع: "القَرْدة" "الفَردة"، الذي كانت إليه سرية "زيد بن حارثة" للتعرض بقافلة لقريش تنكبت طريق الشام خوفا من تحرش المسلمين بها و سلكت طريق العراق في الشتاء، فالتقى بها "زيد بن حارثة" بهذا الموضع فظفر بالعير.

و من مواضع طرق نجد "قطن"، و هو جبل بناحية "فيد"، به ماء لبني أسد غابن خزيمة بنجد، و إليه أرسل الرسول، "أبا سلمة بن عبد الاسد"، و قد نكب بالسرية عن طريق و سار بها ليلاً و نهاراً حتى يعجل إلى ملاقاتها، فنذر بهم القوم و تفرقوا، ثم عاد بعد أن وجد سرحاً و معه ثلاثة رعاء مماليك. و "قطن" جبل في غرب "القصيم" من نجد لا زال معروفاً بقرب بلدة "الفوارة".

و نَجْدٌ في اصطلاح بعض العلماء، ما بين "العذيب" إلى "ذات عرق" و إلى اليمامة و إلى اليمن و إلى جبلي طيئ، و من المربد إلى "روجرة". و ذات عرق أول تهامة إلى البحر. وذكر ان الاعراب يقولون: إذا خلقت "عجلز" مصعداً، فقد انجدت. و "عجلز" فوق "القريتين"، فإذا أنجدت عن ثنايا ذات عرق، فقد أتهمت، فإذا عرضت لك الحرار بنجد قيل ذلك الحجاز. و ذكر أن نجداً الاربضة التي تقع جنوب العراق و الشام، و شمال تهامة و اليمن. و ذكر أن كل ما وراء الخندق على سواد العراق، فهو نجد. و الغور كل ما انحدر سيله مغربياً و ما أسفل منها مشرقياً فهو نجد. و تهامة ما بين ذات عرق إلى مرحلتين من وراء مكة، و ما وراء ذلك من المغرب فهو غور، وما وراء ذلك من مهب الجنوب فهو السراة إلى تخوم اليمن.

وأما طرق العربية الغربية، فأهمها الطرق الممتدة من بلاد الشام إلى اليمن، و تتصل بها الطرق الآتية من مصر. و قد كان الجاهليون يقصدون دمشق للاتجار بها وللاصطياف، ولزيارة أمراء الغساسنة الذين كانوا قد امتلكوا قصوراً بها، غير أن بعضاً منهم كان يقف عند "بصرى"، يتاجر في أسواقها ثم يعود. ومنهم من كان يتوجه إلى "غزة"، للاتجار بها لوجود تجار بها قصدوها من سواحل البحر الأبيض، معهم تجارة ساحل البحر. وقد كان "هاشم" ممن قصد هذه المدينة.

ويبدأ طريق دمشق ب "الكسوة " ومن "الكسوة" إلى "جاسم"، وهو موضع ورد ذكره في شعر لحسان بن ثابت، إذ قال: قد عفا جاسم إلى ببت رأس  فالجوابي فحارث الجولان

ومن "جاسم" إلى أفيق، وأفيق من أعمال حوران، وهو عقبة طويلة، وأفيق في أول العقبة ينحدر منها إلى غور الأردن ومنها يشرف على طبرية. ومن "أفيق" إلى "طبرية". وتعد "سرغ"، في آخر الشام وأول الحجاز، بين "المغيثة" و "تبوك"، وفيها لقي "عمر" أمراء الأجناد ، ثم "تبوك" وهي قرية مهمة يرد خبرها في أخبار غزوات الرسول، إذ عرفت بغزوة "تيوك". وبها صالح رسول الله "يحنة بن رُ ؤبة". صاحب أيلة، وأهل جرباء وأذرح.

ومن "تبوك" يتجه الطريق إلى "المحدثة" ثم إلى "الأقرع"، ثم إلى "الجنينة"، ثم إلى "الحجر"، وهي في نظر أهل الاْخبار ديار ثمود وبلادهم، وقد أشير إليها في القرآن: )كذب أصحاب الحجر المرسلين" ، وقد مر بها رسول الله في غزوته لتبوك، ونهى عن دخول مساكنها وعن الشرب من مائها، واستحث راحلته، وأسرع حتى خلفها. وذكر "إن بيوتها منحوتة في الجبال مثل المغاور، كل جبل منقطع عن الآخر، يطاف حولها، وقد نقر فيها بيوت تقلّ وتكثر على قدر الجبال ا لتي تنقر فيها. وهي بيوت في غاية الحسن فيها بيوت وطبقات محكمة الصنعة وفي وسطها البئر التي كانت تردها الناقة. وهي قرية لا تزال معروفة مسكونة.

ثم إلى "وادي القرى"، فتمر القوافل في قرى عديدة، ثم إلى "الرحيبة"، ثم إلى "ذي المروة"، وهو قرية بين "ذي خشب"، و "وادي القرى" ، ثم إلى "المر"، ثم إلى "السويداء" ، ثم إلى "ذي خشب"، وهو وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة، ذكر في الأحاديث والمغازي، ويقال له "واديً خشب"، فيه عيون ، ثم الى المدينة.

ولما سار الرسول إلى "تبوك" نزل "ذا خشب"، ثم "ثنية الوداع"، ثم مرَّ بوادي القرى، ثم بالحجر، ثم تبوك.

وهناك طريق يمتد من "أيلة" إلى "حقل"، ثم "مدين"، ثم إلي الأغواء، ثم إلى "الكلابة"، ثم إلى "شغب"، ثم إلى "بدا". وشغب موضع ذكر في حديث الزهري، انه كان له مال بشغب وبدا، وهما موضعان كانا في الشام، وبه كان مقام "علي بن عبد الله بن عباس" وأولاده إلى أن وصلت اليهم الخلافة. وبشغب مات الزهري، وهو "أبو يكر محمد بن مسلم ابن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري"، المدني، مات سنة "124 ه" في أمواله بها. وذكر انه قبر بأداما، وهي خلف شغب وبدا، وهي أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز، وبها ضيعة "الزهري" التي كان فيها.

ومن "بدا" يتهجه الطريق إلى"السرحتين"، ثم إلى "البيضاء"، ثم إلى "وادي القرى"، ثم إلى "الرحيبة"، ثم إلى "ذي المروة"، ثم إلى "المر"، ثم إلى " السويداء"، ثم إلى "ذي خشب"، ثم إلى المدينة، ومنها إلى مكة. وقد كان حجاج مصر يسلكون هذا الطريق،إذا جاؤوا من البر.

وهناك طريق ساحلي سلكه حجاج مصر أيضاً، يبدأ بشرف البعل، ثم إلى "الصلا"، ثم الى "النبك" ، ثم إلى "ظبة"، ثم إلى "عونيد"، ثم إلى "الوجه"، ثم إلى "منخوس"، ثم إلى "الجرة"، ثم. إلى "الأحساء" ثم إلى "ينبع"، ثم إلى "مسئولان"، ثم إلى "الجار"، ثم الى المدينة.

و "الجار" على ساحل البحر، وهو فرضة المدينة، ترفأ اليه السفن من أرض الحبشة ومصر وعدن، وبحذائه جزيرة في االبحر ميل في ميل يسكنها التجار. و "ينبع" حصن له عيون فوّارة، ذكر بعضهم أنها ماثة وسبعون عيناً، ونخيل وزروع، بطريق حاج مصر عن يمين الجائي من المدينة إلى "وادي الصفراء"، وقد جفت عيونه فيما بعد، كما ذكر من زارها من الباحثين.

وأما طريق المدينة المؤديَ الى مكة، فيمر ب "الشجرة"، وهو ميقات أهل المدين ، ثم إلى "ملل"، ثم إلى "السيالة". وقد ذكر أنها أول مرحلة لأهل المدينة، إذا أرادوا مكة، وأنها بين "ملل" والروحاء. ثم إلى "الرويثة" ثم إلى "السقيا"، فيها نهر جار، بين المدينة ووادي الصفراء. ثم إلى "الأبواء"، وهي قرية من أعمال "الفرع" بين المدينة والجحفة ، ثم إلى "الجحفة"، وهي من تهامة، وفيها آبار، وهي ميقات أهل الشام، وكانت تسمى "مهيعة"، فنزل بها "بنو عبيل"، وهم اخوة عاد وكان أخرجهم العماليق من يثرب فجاءهم سيل جحاف فاجتحفهم فسميت الجحفة. وهكذا فسر "ابن الكلبي"، سبب تسمية هذه القرية القريبة من البحر بهذه التسمية.

والأبواء من المنازل التي كان يطرقها المسافرون إلى بلاد الشام، فهي على طريق التجارة القديم. وللرسول غزوة عرفت بغزوة الأبواء وبغزاوة ودّان،وصل فيها إلى موضع "ودّان"، وكان يريد اعتراض عير لقريش، مرت بهذا المكان، وهي أول غزوة غزاها الرسول. وقد وادع فيها "بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة" على ألا يكثروا عليه ولا يعينوا أحداً عليه ، مما يدل على إن هذا الموضع كان لبني ضمرة في ذلك العهد. وورد انه كان لبني ضمرة ولغفار وكنانة.

وودّان قرب الأبواء والجحفة من نواحي "الفرع"، بينها وبين "هرشى" ستة أميال، وبينها وبين "الأبواء" نحو من ثمانية اًميال، وكانت قرية سكنها "الصعب بن جثامة" الليثي من أصحاب الرسول، فنسب إليها.

و "هَرشٌى" ثنية قرب "الجحفة" في طريق مكة يرى منها البحر، ولها طريقان فكل من سلكهما كان مصيبأ، وهي على طريق الشام وطريق المدينة إلى مكة في أرض مستوية، وأسفل منها "ودّإن" على ميلين مما يلي المغرب. ويتصل بها من الغرب خبت رمل في وسط هذا الخبت جبل أسود شديد السواد صغير يقال له طفيل.

ومن الجحفة يتجه المسافر إلى "قُد يد" ، ثم إلى "عسفان"، ثم إلى بطن مر، ثم الى مكة. و "بطن مر"، قرية كبيرة، وعلى أربعة أميال منها قبر "ميمونة" زوجة النبي، وعلى مسافة منها مسجد عائشة، ومنها بحرم أحل مكة، وهو حد الحرم.

والجحفة من منازل طريق تجارة مكة إلى الشام، ولذلك صارت هي والمواضع التي تقع على هذا الطريق من الأهداف ا التي قصدها المسلمون للتحرش بقوافل قريش. ومن نواحي الجحفة "ثنية المرة"، ومنها سار "عبيدة بن ا الحارث ابن المطلب" على عر لقريش يحرسها مائتان من المشركين بقيادة "أبو سفيان"، أو غيره وذلك في السنة ا الأولى من الهجرة، فالتقى بها على ماء يقال له "أحياء" من بطن "رابغ" على عشرة أمال من الجحفة، وأنت تريد قديداً عن يسار الطريق.

و "رابغ" وادٍ عند الجحفة قرب البحر بين "البزواء" و "الجحفة" دون "عزور"، وقرية لا تزال معروفة. بينها وبين "بدر" خمس مراحل. الأول "قاع البزواء"، ثم عقبة وادي السويق، ثم آخر ودان، ثم شقراء، ثم رابغ. وهي اليوم قرية، مياهها عذبة ذات مزارع ونخيل.

وأرسل الرسول سرية أخرى إلى "الخرّ ار" للتعرض لعير قريش التي كانت تسلك الجحفة، فلما وصلت "الخر"از" من الجحفة قريباً من "خم"، وجدت عير قريش قد سبقتها، ونجت. و "خم" غدير دون الجحفة وقيل بالجحفة.

وعلى مسيرة يوم من "ينبع"، يقع جبل "رضوى" الذي يبعد سبع مراحل عن المدينة، ومن نواحي هذا الجبل ناحية "بواط"، واليها خرج الرسول غازياً معترضاً عير قريش، التي كانت مارة بهذا المكان. وكانت قافلة كبيرة تتألف من ألفين وخمسمائة بعير، يحرسها مائة رجل من قريش، فيها "أمية بن خلف"، وقد أفلتت القافلة ونجت، دون أن يقع أي قتال.

وببطن ينبع موضع يقال له: "ذو العشيرة"، "ذات العشيرة"، اليه كانت غزوة "العشرة" "غزوة ذات العشيرة"، حين بلغ الرسول خبر خروج عير لقريش إلى بلاد الشام، وقد جمعت قريش أموالها في تلك العير، ولكن القافلة نجت، فوصلت سالمة إلى بلاد الشام، وهي التي خرج الرسول في طلبها لما عادت، وكانت وقعة بدر. فرجع الرسول إلى لمدينة، بعد أن صالح "بني مدلج" وحلفاءَهم "بني ضمرة".

ولما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة سلك به الدليل طريقاً لا تسلكه القوافل، أي طريقاً لا يسلكه المسافرون عادة إلى المدينة، ليتجنب من ملاحقة قريش له. سلك به وبصاحبه "أبي يكر" أسفل مكة، ثم مضى بهما حتى حاذى بهما الساحل، وعارض الطريق أسفل من "عسفان"، ثم سلك بهما على أسفل "أمج"، ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعدما جاوز "قديداً"، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما "الخرّار"، ثم سلك بهما "ثنية المرة" "ثنية المراة"، ثم أجاز بهما "مدلجة لفف " "لقف"، ثم استبطن بهما "مدلجة مجاج " ، مجاج"، طريق يقال له "المدلجة" بين طريق "عمق " وطريق الروحاء. ثم سلك مرجح من مجاج ، ثم بطن "مرجح ذي العضوين " ثم "بطن ذي كشد" "بطن ذات كشد" "ذي كشد"، ثم أخذ بهما على "الجداجد"، ثم على "الأجرد"، ثم سلك بهما "ذا سلم" "ذا سمر" من بطن أعداء "مدلجة تعهن"، ثم على "العبابيد"،ويقال "العبايب " ويقال "الغيثانة" "العتبانة"، ثم اجاز بهما "الفاجة"، ويقال "القاحة". ثم هبط بهما "العرج"، ثم خرج بهما دليلهما من العرج، فسلك بهما ثنية "العاثر" "الغابر" "الأعيار" ، ويقال "ثنية الغاثر" ، عن يمين "ركوبة"، ثم هبط "بطن رئم " "بطن ريم " ، ثم قدم بهما "قباء"، ثم "يثرب".

ولما سمع الرسول بقدوم "أبو سفيان " مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم، خرج لملاقاتها في موضع "بدر". وكان بدر طريق ركبان قريش من أخذ منهم طريق الساحل إلى الشام. فخرج من المدينة على نقب المدينة، فنزل بالبقع، ويقال بئر أبي عتبة، وهي على ميل من المدينة، ثم اتجه نحو "بيوت السقيا"، فضرب عسكره هناك. ثم أمر أصحابه إن يستقوا من "بئر السقيا"، وصلى عند بيوت السقيا، وسلك من السقيا بطن العقيق حتى نزل تحت شجرة بالبطحاء، ثم سلك "في ا الحليفة"، ثم على "أولات الجيش " "ذات الجيش"، ثم على "تربان"، ثم على "ملل"، ثم على "غميس الحمام " من "مريين"، ثم على صخيرات اليمام، ثم على "للسيالة"، ثم على "فج الروحاء"، ثم على "شنوكة"، وهي الطريق المعتدلة، ثم على "عرق الظبيتة" "الظبية"، ثم على "سجسج"، وهي بئر الروحاء، حتى إذا كان بالمنصرف، ترك طريق مكة بيسار وسلك ذات اليمين على "النازية" يريد " بدراٌ"، فسلك في ناحية منها، حتى جزع وادياً يقال له "وحقان " بين "النازية" وبين مضيق الصفراء ثم على المضيق انصب منه إلى "الصفراء"، فهي قرية بين جبلن، ثم سلك إلى واد يقال له "ذ فران"، ثم سلك على ثنايا يقال لها "الأصافر"، ثم انحط منها إلى بلد يقال له "الدّبةّ" "الدية"، وترك "الحنان " بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل، ثم نزل بدراً.

و "السقيا"، موضع به ماء، بين المدينة ووادي الصفراء ، يعرف اليوم ب "أم البرك".

و "شنوكة"، جبل جمع على "شنائك " في شعر لكثير، لأنه ثلاث أجيل صغار منفردات من الجبال، بمر منها الطريق إلى بدر والصفراء وإلى النازية ورحقان، ويدع المنصرف إلى يساره. وتقع بين "المنصرف " و بين الروحاء. ولا تزال معروفة.

و "المنصرف"، موضع يقال له "المسيجد" في الوقت الحاضر، وهو قرية كبيرةْ. وتقع على طريق المدينة المتجه الى "الصفراء" فالساحل والذي يتصل بجدة. وهو غير بعيد عن "النازية". و "النازية" عين ثرة على طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء، وهي إلى المدينة أقرب.

و "بدر" أسفل وادي الصفراء، وهو إلى المدينة أقرب، يقال إنه هو منها على ثمانية وعشرين فرسخاً، وبينه وبين "الجار"، وهو على ساحل البحر ليلة. وبه بئر حفرها رجل من غفار، اسمه "بدر بن يخلد بن الضر بن كنانة" وقيل "بدر بن قريش بن بخلد بن النضر بن كنانة، وقيل بدر رجل من "بني ضمرة" سكن ذلك الموضع فنسب اليه، ثم غلب اسمه عليه، وقيل بدر رجل من جهينة كان يملك البئر فسميّت به. ولهم تفاسير أخرى من هذا القبيل في تعليل سبب تسمية بدر بدراً. وبدر قرية كبيرة في الوقت الحاضر أسفل "وادي الصفراء"، يتجه منها طريق إلى "ينبع"، ومن ينبع إلى مكة. وكان "أبو سفيان " لما بلغ "الزرقاء" من بلاد الشام، وهو منحدر إلى مكة، أخبره أحدهم إن محمداً قد كان عرض لعيرهم في بدأنهم، وانه تركه مقيماً ينتظر رجعتهم، فخرج خائفاً من الرصد، فلما بلغ الساحل،أرسل رسولاّ استأجره بعشرين مثقالاً، وأمره إن بخبر قريشاً إن محمداً قد عرض لعيرهم، فذهب اليهم وأخبرهم، فتجهزوا وأسرعوا لانقاذ قافلة "أبي سفيان"، الذي خاف خوفأ شديداً حين دنا من المدينة، فلما أصبح "أبوسفيان " ببدر، ضرب وجه عيره فساحل بها، وترك بدراً يساراً وانطلق سريعاً، حتى بلغ مكة. وكان أهل مكة قد خرجوا من مكة على طريق "مرّ الظهران"، ثم "عسفان "ثم "قديد"، ثم إلى "مناة" من البحر، ثم "الجحفة"، ثم "الأبواء"، ثم "بدر"، حيث التقوا برسول الله، فوقعت معركة بدر.

وكانت قريش تأخذ الساحل: ساحل البحر حين تأخذ إلى الشام. وهو طريقها إلى متجرها هناك، وقد عرف بالمعرقة، وفيه سلكت عير قريش حين كانت وقعة "بدر". ومن هذا قول "عمر" لسلمان أين تأخذ إذا صدرت أعلى المعرقة أم على المدينة ?. ويقع طريق المعرقة بين "عزور" وبنن "رضوى " تختصره العرب إلى الشام والى مكة والى المدينة. وهو بين الجبلين.

ومن مواضع هذا الطريق: العيص، وهو عرض من أعراض المدينة،وموضع على مقربة من ساحل البحرْ. ومن "ذي المروة". وهو موضع على طريق تجارة قريش مع الشام، وبه كان يمر طريق الشام ومصر إلى المدينة ومكة. وإلى سيف البحر ناحية العيص أرسل الرسول "حمزة"، حين بلغه إن "أبا جهل " قد جاء بعير لقريش من الشام يريد مكة في ثلاثمائة راكب. فقد كان هذا الموضع من الساحل مسلك قوافل قريش. ولايزال اسم العيص معروفاً. وفي مقابله "الحوراء"، مرفأ سفن مصر في القديم.

ولم يذكر علماء السير والأخبار أسماء المراحل التي قطعتها قريش عند زحفها على "أحد" بتفصيل وكل ما ذكروه أن قريشاً جاؤوا فنزلوا "عينين "بحبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة. وذكر أنه الجبل.لذي أقام عليه الرماة يوم أحد، ولذلك قيل يوم أحد يوم عنين. وكانوا قد قدموا من "ذي طوى" على طريق "الأبواء" حيث همت وهي هناك أن تنبش قبر "امنة" أم النبي. وسلكوا "العقيق " حتى نزلوا ظاهر المدينة. ثم التقوا بالمسلمين عند احد.

ويظهر من هذه الأسماء، أن قريشاً سلكت في سيرها على المدينة الطريق المألوف الذي يمر بالأبواء. و "ذو طوى" موضع قرب مكة عرف بالزاهر، به بئر حفرها "عبد شمس بن عبد مناف".

ولما سار الرسول للعمرة، سلك طريق "الفرع " "الفروع " نحو "مر الظهران"، ثم "بطن يأجح"، وحبس الهدي ب "ذي طوى" ودخل مكة من الثنية. و "مر الظهران"، واد به عيون ومياه، غير بعيد عن مكة، وبه "مجنة"، ويعرف الآن بوادي فاطًمة.

وخرج الرسول من المدينة، فسلك حرة بني حارثة، ثم "الشوط" بين المدينة وأحد، ثم "الشيخين " حتى نزل الشعب من "أحد" في عدوة الوادي إلى الجيل. ولما عاد الرسول إلى المدينة، بلغه أن "أبا سفيان " كان بموضع "ملل"، يقرر الرجوع على المسلمين، وأن رجلاً أخبره أنه رأى "أيا سفيان " بالروحاء،وهو مجمع مع قريش على السير على المدينة، وسأل الرسول عن موضع قريش فقيل له: إنه بالسيالة ،فخرج من المدينة حتى وصل "حمراء الأسد" فبلغه رجوع قريش إلى مكة، وذهاب شرها فرجع إلى يثرب.

ولما عاد "عمرو بن أمية الضمري " من مكة، وكان قد وجهه الرسول لقتل أبي سفيان، خرج إلى "التنعيم"، ثم أخذ طريق "الصفراء"، ثم "غليل ضجنان"، ثم أخذ المحجة، ثم "النقيع " حتى وصل المدينة. و "التنعيم " على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة، وهو أقرب أطراف الحل إلى البيت، على يمينه جبل نعيم ،وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه "نعمان". و "الصفراء واد بين مكة والمدينة، وراء بدر مما يلي المدينة. و "ضجنان " غليل يظهر من وصف خبر رجوع " عمرو بن أمية" إلى المدينة، انه بعد الصفراء، ذكر انه موضع أو جبل بين مكة والمدينة، ويظهر إن العلماء كانوا قد اختلفوا في تعبين مكانه. و "النقيع " هو "نقيع الخضمات " الذي حماه "عمر" لنعم الفيء وخيل المجاهدين فلا يرعاها غيرها. وورد في الحديث أول جمعة جمعت في الإسلام بالمدينة في نقيع الخضماتْ. ويظهر من شعر لمعبد بن أبي معبد الخزاعي، إن ماء "ضجنان " بعد ماء "قديد".

ولما سار الرسول على "بني لحيان"، خرج من المدينة، فسلك على "غراب " جبل بناحية المدينة على طريقه إلى الشام، ثم على "مخيض"، ثم على"البتراء" ثم صفق ذات اليسار، ثم على "يين"، ثم على "صخيرات اليمام"، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة، حتى نزل على "غُران"، وهي منازل بني لحيان. و "غران " واد بين "أمج " و "عسفان " إلى بلد يقال له "ساية". ثم سار الرسول حتى نزل "عسفان"، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع "الغميم"، ثم "كرا"، ثم قفل الرسول راجعاً إلى ا لمدينة.

ويظهر من هذا الوصف أن الرسول أراد اعماء خبر غزوته عن "بني لحيان"، فسلك طريق الشام، ثم غيرّ اتجاهه، فتوجه نحو "يين " وصخيرات اليمام ،فبلغ الجادة ، ثم أسرع حتى بلغ "غران"، منازل "لبني لحيان " بين "أمج " و "عسفان". فتكون منازل "بني لحيان " في هذه المنطقة.

ولما سار الرسول على مكة عام الفتح ، سلك طريق "العرج"، و "العرج " جبل بين مكة والمدينة يمضي إلى الشام ، وواد يقع بين أم البرك، الموضع المعروف بالسقيا قديماً،" وبين الجيّ، الوادي اًلذي يقطعه المسافرون مع طريق السيارات القديم إلى "المسيجد" ، وذكر أنه على أربعة أميال من المدينة ، وكان الرسول قد نزل "السقيا"، وهي "أم البرك " الآن ، وذكر أنه بين المدينة والصفراء، وفي الحديث أنه كان يستعذب من بيوت السقيا.

و "الصفراء" وراء "بدر" مما يلي المدينة. كما مرّ بثنية العقاب وبالأبواء، وبذي الحليفة، وبالجحفة، وبالكديد، وهو موضع على اثنين وأربعين ميلاً من مكة بين "عسفان " و "رابغ"، وقيل بين عسفان وقديد بينه وبين مكة ثلاث مراحل، أو بين ثنية غزال وأمج ، وب "قديد" ، وبمر الظهر ان.

ولما حج الرسول حجة الوداع، سار من المدينة،فصلى الظهر ب "ذي الحليفة"، ثم استوى بالبيداء، ومرّ إلى "القاحة"، وهو موضع على ثلاث مراحل من المدينة وعلى ميل من "السقيا"، وهو بين "الجحفة" و "قديد". ثم سار إلى "ملل " "يلملم " ، وهو موضع به آبار، على مسافة اثني عشر ميلاً من "الشجرة" ، أو سبعة عشر ميلاً من "المدينة"، وقيل عشرين ميلاّ ، ثم شرف السيالة، وهو موضع بين "ملل " و "الروحاء" في طريق مكة ، ثم "عرق الظّبية" بين "الروحاء" و "السيالة"، وهو دون "الروحاء"، ثم نزل "الروحاء"، ثم راح من "الروحاء" فصلى العصر بالمنصرف. و "المنصرف " على أربعة برُ د من "بدر" مما يلي "مكة" ، وصلى المغرب بالمتعشى وتعشى به، وصلى الصبح بالأثاية. و "أُثاية" بطريق "الجحفة" إلى مكة، فيه مسجد نبوي، قيل بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخاً، أو بئر دون العرج. وأصيح بالعرج يوم الثلاثاء.

ونزل "السقيا" يوم الأربعاء، وأصبح بالأبواء، ثم راح إلى "الجحفة" ، ثم راح منها إلى "قديد"، ثم "عسفان"، ثم "الغميم". م "مر الظهران"، ثم نزل موضع "سرف". ولما انتهى إلى "الثنيتين " بات بينهما، بين "كداء" و "كدى"، ودخل مكه من "كداء".

وأما الطريق من مكة إلى الطائف، فمن مكة إلى بئر ابن المرتفع، ثم إلى قرن المنازل، وهي ميقات أهل اليمن والطائف، ثم إلى الطائف، ومن أراد من مكة إلى الطائف على طريق العقبة يأتي عرفات، ثم بطن نعمان، ثم يصعد عقبة حراء، ثم يشرف على الطائف ويهبط ويصعد عقبة خفيفة، تسمى "تنعم الطائف"، ثم يدخل الطائف.

وبين مكة والطائف، موضع يقال له "بطن نخلة" "نخلة"، اليه أرسل الرسول "عبد الله بن جحش" على رأس سرية، ليرصد بها عير قريش. فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له "بحران" سلك طريقه نحو "نخلة" حتى بلغها، فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة قريش وخمراً، فاستولت على العير وأخذت أسيربن ممن كان يحرس العير، ورجعت إلى المدينة. وذكر أن "عبد الله بن جحش" كان يحمل كتاباً من الرسول، يعين له الهدف، أمره ألا يفتحه إلا بعد أن يسير ليلتين، فلما سار وصار ببطن "ملل" أو عند "بئر ابن ضميرة" فتح الكتاب، فإذا فيه أن يذهب إلى "بطن نخلة" ليتحسس أخبار قريش.

وقد سلك أهل مكة في ذهابهم إلى اليمن وقي إيابهم منها جملة طرق، منها ما تمرّ بالساحل، ومنها ما تمر شرقاً عنه. ومن هذه الطريق: طريق يبدأ بمكة، ثم إلى "قرن المنازل"، قرية كبيرة، وهو ميقات أهل اليمن والطائف، واسم واد. ثم إلى "الفتق"، وهو قرية، ثم إلى "صفن" "صفر" "صقر"، ثم إلى "تربة"، ثم إلى "كرى" "كرا" "كدا" "كدى"، ثم إلى "رنية"، ثم إلى "تبالة"، ويرد اسمها في تأريخ "الحجاج"، فقد استعمل عبد الملك "الحجاج" عليها، فلما أتاها استحقرها ولم يدخلها، فقيل: "أهون من تبالة على الحجاج". ثم إلى "بيشة بعطان"، ثم إلى "جسداء"، ثم إلى "بنات حرب" "بنات حرم"، ثم إلى "يبمبم"، وهو منزل في صحراء فيه بئر واحدة عذبة وليس به أهل، وحوله أعراب من خثعم، وبينه وبين "جرش" نحو أربعة عشر ميلاً، ومنه إلى "كتنة" "كثبة"، ثم إلى "الثجة"، ثم "سروم راح" "شروم راح"، ثم إلى "المهجرة"، وفيما بين "سروم راح" والمهجرة طلحة الملك، شجرة عظيمة تشبه الغرب، غير انها أعظم منه، وهي الحد ما بين عمل مكة وعمل اليمن. وكان النبي حجز بها بين اليمن ومكة.

ومن "المهجرة" يتجه الطريق إلى "عرقة"، وهو أول عمل اليمن، ثم إلى "صعدة"، وهي مدينة يدبغ فيها الأدم، واشتهرت بالنعل. ولصعدة مخاليف، وقرى كثيرة. وقد ذكر "قدامة" أن أكثر تجار "صعدة" من أهل البصرة، وطريق منها للبصريين يرجع إلى "ركبة" "الركيبة". مما يدل على أن التجارة كانت متين ة بين أهل اليمن وبين أهل البصرة في الإسلام. ومن يدري، فلعل هذه التجارة تعود إلى ما قبل تأسيس البصرة، أي إلى ما قبل الإسلام.

ومن صعدة، يتجه الطريق إلى "الأعمشية"، ومن الأعمشية الى خيوان، قرية جبلية الماء من السماء، وفيها كزوم، ومن خيوان إلى "اثافت"، وهي قرية عظيمة وفيها زروع وكروم، وماء الشرب من بركة، ثم إلى صنعاء".

والطريق المذكور،هو الطريق الذي عليه الأميال، وهو طريق العوامل والعمال. فهو الطريق المسلوك الذي يمر به البريد.

وذكر العلماء أن أهل "صنعاء" كانوا إذا أرادوا مكة قصدوا "الرحابة"، ثم إلى "رافدة"، ثم إلى "خيوان"، ثم إلى "صعدة"، ثم إلى "النضح"، ثم "القصبة"، ثم "الثجة" ثم كثبة، "كتنة"، ثم بنات حرم "بنات حرب" ثم جسداء، ثم بيشة، ثم تبالة. ثم رنية، ثم الزعراء، ثم صفر، ثم الفتق، ثم بستان ابن عامر، ثم مكة.

و "تربة" بناحية "العبلاء"، على أربع ليال من "مكة" طريق صنعاء ونجران. واليها أرسل الرسول "عمر بن الخطاب" على رأس سرية فى شعبان سنة سبع. وأصحابها من "عجز هوازن".

وذكر "الهمداني" محجة "صنعاء" إلى مكة على هذا النحو: ريدة، ومنها إلى "أثافت"، م خيوان، ثم العمشية، ثم صعدة، ثم إلى "العرقة"، في المحجة اليسرى القديمة، ثم بقعة في المحجة اليمنى المحدثة، ثم إلى مهجرة، ثم إلى أرينب، ثم سروم الفيض، ثم إلى الثجة، ثم إلى كتنة،ثم الى الهجيرة، ثم إلى يَبمبم، ثم إلى بنات حرب، ثم الى، الجسداء، ثم الى بيشة بعطان، ثم تبالة، ومنها إلى كرى، ثم تربة، ثم الى الصفن، ثم الفتق، ثم إلى رأس المناقب، ثم قرن المنازل، ثم رمة، ثم الزيمة، ثم مكة.

وذكر "الهمداني" إن هنالك طريقاً يمر بتهامة، هو محجة صنعاء إلى مكة. فقال: "من صنعاء صليت من البون، ثم المربد، ثم أسفل العرقة وأخرف، ثم الصرجة، ثم رأس الشقيقة، ثم حرض، ثم الخصوف من بلد حكم ثم الجوينية من قنونا وتسمى القناة، ثم دوقة وهي للعبدين من بقايا جرهم، ثم إلى السّرين، ثم المعجر، ثم الخيال، ثم إلى يلملم ثم ملكان ثم مكة. هذه طريق الساحل". "والمحجة القديمة ترتفع إلى حلي العليا وتسمى حلية، واليها ينسب أسود حلية... ثم إلى عشم، ثم على الليث ومركوب إلى يلملم".

وأما محجة "عدن"، فمن عدن إلى المخنق، ومن المخنق الحُجار، ومن الحجار المسيل، ومن المسيل عبرة، ومن عبرة إلى كهالة، بئر ذي يزن، ومن كهالة الماجلية، ثم المقعدية، ثم إلى زبيد، ثم إلى المعقر، ثم الكدراء" ثم المهجم، وبالمهجم تفضى محجة صنعاء على وادي سهام ثم بلحة من وادي مور، ثم الحسارة، ثم العباية، ثم الشرجة، ثم العرُش، عثر.

وذكر "ابن خرداذبه" طريقاً ساحلياً ربط "عمان" بمكة، وهو الطريق الذي سلك في الإسلام. وقد كان جاهلياً ولا شك، لأن الجاهلين والروم وغيرهم كانوا يساحلون العربية الغربية والجنوبية والشرقبة، ويهبطون بعض المواضع التي يذكرها المسلمون كمراحل هذا الطريق. ويبدأ الطريق بعمان، ثم يمر إلى "فرق"، ثم إلى "عوكلان"، ثم إلى ساحل "هباه" "هماه"، ثم الى "الشحر"، وهي بلاد "الكندر"، ثم إلى مخلاف "كندة"، ثم إلى مخلاف "عبد الله بن مذحج"، ثم إلى مخلاف "لحج"، ثم إلى "عدن أبين"، ثم إلى "مغاص اللؤلؤ"، ثم إلى "مخلاف بني مجيد"، ثم إلى "المنجلة"، ثم إلى مخلاف الركب، ثم إلى المندب، ثم إلى مخلاف زبيد، ثم إلى غلافقة، ثم الى مخلاف عك، ثم إلى الحردة، ثم إلى مخلاف حكم، ثم إلى عثر، ثم إلى مرسى ضنكان، ثم إلى مرسى حلي، ثم إلى السرين، ثم إلى أغيار، ثم إلى الهرجاب، ثم إلى الشعيبة، ثم إلى منزل لم يذكر "ابن خرداذبه" اسمه، ثم إلى "جدة" وهي اسلامية، لم تكن في الجاهلية، وإنما ذكرت هنا، لأن هذا الطريق، كان يسلك فىِ الإسلام، ومن جدة إلى مكة.

ويوجد طريق بري بين مكة وحضرموت يمر ب "نجران" و "الضحيان" و "تثليث"، وهو طريق مختصر يكون الجادة إلى حضرموت.

وذكر "الهمداني" إن محجة حضرموت من العبر إلى الجوف، ثم صعدة، وتنضم معهم في هذه الطريق أهل مأرب، وبيحان، والمسّروين، ومرخة، وهذه محجة حضرموت العليا. وأما محجتها السفلى، فمن العبر في شئز صيهد إلى نجران، ثم من نجران حبونن، ثم الملحات، ثم لوزة، ثم عبالم ثم مريع، ثم الهجيرة، ثم تثليث، ثم جاش، ثم المصامة، ثم مجمعة ترج، والتقت يمحجة صنعاء بتبالةْ.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

1658 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثاني بعد المئة القوافل قوافل الميرة


1658

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
     
الفصل الثاني بعد المئة

القوافل

قوافل الميرة

وقد يجتمع نفر للذهاب إلى سوق للامتيار منه، وقد يذهب أصحاب البيوت إلى الأسواق ليمير أهله بما يحتاجون اليه من طعام ولباس، وكان "الأعشى" المازني الشاعر في جملة من يمتار من سوق "هجر". وقد خرج مرة يمتار في شهر "رجب"، من "هجر" فهربت امرأته بعده ناشزة عليه، فعآذت برجل منهم يقال له "مطرف بن نهشل"، فلما قدم الأعش أخبر أنها نشزت، وأنها عاذت ب "مطرف" فأتاه، فقال له: يا ابن عم عندك امرأتي معاذة فادفعها اليّ فامتنع مطرف، وكان أعزّبه، فخرج حتى أتى الي فعاذ به وأنشد شعراً، فكتب الرسول إلى "مطرف" أن يدفع زوجة الأعشى اليه، فدفعها اليه.

وقد استغل بعض الناس هذه الطرق للتعيش منها، فعمل على حفر ارضها، وعلى تهيئة ما يمكن تهيئته من وسائل الراحة للمسافريين،لينزلوا بها وليخففوا بذلك عنهم عناء السفر،: ليتزودوا بالماء الطيب العذب. فنشأت عشرات المنازل، التي أراحت المسافرين وأصحاب القوافل،وجعلتهم في مأمن من الجوع والعطش وامكانية التيه في البوادي والقفار. كما حفظت لهم حياتهم وأموالهم بضمان أصحاب ذلك المنازل للمسافرين حياتهم وأموالهم من تحرش أحد بهم ما داموا في جوارهم وفي حماهم، وضمان قبائلهم لهم حق الحماية والجوار، والقيام مهم بمعاقبة من يتطاول على المسافرين وينتهك حرمة الجوار.

وقد صارت الطرق مورداً من موارد العيش لمن لا عيش له ولا رزق من الصعاليك والذؤبان. فتجمعوا، وكوّنوا عصابات أخذت تتربص بالقوافل حتى إذا جاءت قافلة انقضت عليها وسلبتها، ثم فرت بما غنمته إلى مواضع نائية قصية بعيدة عن أي حكم، لتعيش على ما غنمته. وقد عرف هؤلاء ب "لصوص الطرق"، وكان المطرود من قبيلته ومن غضب أهله عليه فنفوه عنهم وتبرأوا منه، والعبيد الابقون، يتجمعون في المواضع الحصينة، وفي المراقي الصعبة التي تشرف على الطرق، ويهاجمون منها المارة والسابلة والقوافل. ولما ظهر الإسلام، كان قوم من هؤلاء جماعهم من كنانة، ومزينة، والحكم، والقارة، ومن اتبعهم من العبيد، قد اعتصموا في "جبل تهامة"، وآذوا الناس، فكتب لهم رسول الله، انهم إن آمنوا وأسلموا، فعبدهم حر، ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها، وما كان فيهم من دم أصابوه، أو مال أخذوه، فهو لهم، وما كان لهم من دين في الناس رد اليهم، ولا ظلم عليهم ولا عدوان.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

1657 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثاني بعد المئة القوافل


1657

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
     
الفصل الثاني بعد المئة

القوافل

وتنقل التجارة البرية بطرق القوافل، وذلك لضمان حماية الأموال والتجارة والأرواح. و "القافلة"، الرفقة القفال والمبتدأة في السفر. وذكر علماء اللغة أن "القافلة" العير كذلك. وذكر بعض منهم أن "العير" الإبل التي تحمل الميرة، أو كل ما امتير عليه إبلاً كانت أو حميراً أو بغالاً. وقد أطلق أهل السير والتأريخ ومن تحدث عن وقعة بدر: لفظة "العير" على قافلة قريش التي كان يرأسها "أبو سفيان"، كما أطلق بعضهم "ركبان قريش" على من كان مع "أبي سفيان" من تجار قريش، معهم أموالهم وتجارتهم من بلاد الشام. ونجد كتب السير والتواريخ تطلق لفظة العير على قوافل قريش بغير حصر، مهما كان حملها. فلما تحدثوا عن سرية "حمزة" إلى العيص استعملوا لفظة "عير" لقريش، واستعملوا هذه اللفظة في مناسبات أخرى، مما يدل على أنهم أرادوا بها قافلة، أي جماعة من جماعات السفر، مهما كان حملها.

والركبان والركب: ركاب الإبل. وقال بعض علماء اللغة: الركب: ركبان الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فصاعداً، وذكر ان من الجائز استعمال "الركب" للخيل وللجيش.

و "القيروان" الجماعة من الخيل. والقفل، جمع قافلة. وهو معرب "كاروان". وقد تكلمت به العرب. قال امرؤ القيس: وغارة ذات قيروان  كأن أسرابها الرعال

وورد في الحديث انهم كانوا يترصدون عيرات قريش، أي إبلهم ودوابهم التي كانوا يتاجرون عليها.

ويقال للعير التي تحمل الطيب: "اللطيمة". وذكر إن اللطيمة العير التي تحمل الطيب وبز التجارة. فاللطيمة، قافلة تحمل تجارة نفيسة الى الأسواق. وقد كان ملوك الحيرة يرسلون لطائمهم الى الأسواق، لتتاجر بالطيب، ومنهم "النعمان بن المنذر"، وكان يبعث إلى "سوق عكاظ" في وقتها بلطيمة يجيزها له سيد مضر، فتبتاع وتشتري له بثمنها الأدم والحرير والوكاء والمغراء والبرود من العصب والوشي والمسير والعدني  

ويقال لقافلة الإبل التي ليجاء عليها بالطعام، "ركاباً" حين تخرج، وبعد ما تجيء. وتسمى عيراً على هاتين المنزلتين. والتي يسافر عليها إلى مكة أيضاً ركاب تحمل عليها المحامل، والتي يكترون ويحملون عليها متاع التجار وطعامهم كلها ركاب، ولا تسمى عيراً، وإن كان عليها طعام، إذا كانت مؤاجرة بكرى. وليس العير التي تأتي أهلها بالطعام، ولكنها ركاب. يقال: هذه ركاب بني فلان. ويقال زيت ركابي،لأنه يحمل من الشام على ظهور الإبل. وذكر ان العسجدية: ركاب الملوك التي تحمل الدق من المتاع. فهي عير اذن تحمل متاعاً ثميناً،كالذهب والجوهر، وذكر إن العسجدية الإبل تحمل الذهب، وهي ركاب الملوك التي تحمل الدق الكثير الثمن، والسوق يكون فيها العسجد، وهو الذهب، وركاب الملوك، وهي إِبل، كانت تزين للنعمان بن المنذر.

و "السابلة" "الواطئة"، وهم المارة. سموا بذلك لوطئهم الطريق. وهم الذين يسلكون الطرق. والسابلة من الطرق المسبولة، المسلوكة، وابن السبيل، هو ابن الطريق، والذي قطع عليه الطريق، والمنقطع.

ويسمى كل طريق يكثر الاختلاف عليه محجة ويسمى الطريق المدروس "الأيتار المليكي"، ويسمى الطريق الضيق الحبل شركاً، وحبال الطريق ايتاره. وطريق جادة، أي مجدودة بالوطء، وقارعة الطريق، في معنى مقروعة، والريع الطريق.

وكلما كانت الأموال ثمينة وكثيرة، كانت القافلة كبيرة. يحرسها عدد كبير من الحراس لحمايتها من لصوص الطرق وقطاع السبل الذين كانوا يعيشون على السلب والنهب. ونقل التجارة بالقوافل طريقة عالمية قديمة،أشير إليها في الكتابات، وفي الكتب المقدسة.

ولم يكن من السهل على التجار في ذلك الزمن التوسع في تجارتهم والمجازفة بالمتاجرة مع أماكن أخرى بعيدة. فالتاجر محتاج إلى حماية حياته وأمواله، ولم تكن الحماية ممكنة إلاّ في ظل حكومة مدنية قوية، تحمي أبناءها وكل من يفد على أرضها وعلى الأرض الخاضعة لها من اعتداء المعتدين.

لهذا صار لزاماً على التجار الالتجاء إلى نظام القوافل، ولا سيما القوافل القوية الكبيرة معتمدة على حماية نفسها بنفسها أولا"، ثم على حماية الحكومة ثانياً. وقد عمدت في الدرجة الأولى إلى استرضاء سادات القبائل، وذلك لتأمين حمايتهم في المناطق التي تمرّ بها القافلة ولبذل العون والمساعدة لها بتقديم حق مرور للرؤساء وهدايا وعطايا مناسبة وعقد عقود ومواثيق، وإلا تعرضت أموال القافلة للأخطار.

ولطول الطرق وبُعد المسافات، كان على القوافل استرضاء كبار سادات القبائل للحصول على حمايتهم،ومعنى هذا دفع اتاوات لهم، وتحميل المشترين تلك الاتاوات. وهذا مما زاد في الأسعار وجعل الأثمان عالية، وقد أضر ذلك بالتجارة العربية ولا شك، كما أضر.بالمنتجين الذين كانوا يبيعون انتاجهم اليسير وأكثره مواد خام يتعيشون عليها بأسعار بخسة لسد رمقهم في هذه الحياة.

وقد عمد تجار مكة - كما ذكرت ذلك في مواضع من هذا الكتاب - الى أساليب مختلفة في استرضاء سادة القبائل الذين تمر بأرضهم قوافلهم، منها استرضاؤهم بالمال، وإشراكهم معهم في رأس المال، بتقديم ما عندهم من سلع يتوسطون لهم ببيعها في الأسواق، أو بشراء ما يريدون شراءه من تلك الأسواق وتقديمه لهم، ومنها التصاهر معهم، ودعوتهم لزيارة مكة وتقديم الهدايا لهم، ثم ضبط كل ذلك بعقود "الإيلاف"، التي وضعت قواعد وأصول وحقوق مرور قوافل مكة وقوافل تجارها الخاصة في كل الأيام والمواسم بأمن وسلام، في مقابل تعهدات وعقود عينت بعقود الإيلاف.

وكان كل تاجر يخرج من اليمن والحجاز يتخفر بقريش ما داموا في بلاد مضر. "لأن مضر لم تكن تعرض لتجار مضر، ولا يهيجهم حليف لمضري. كان ذلك بينهم. فكانت كلب لا تهيجهم لحلفهم بني تميم،وطيء أيضاً لاتهيجهم لحلفهم بني أسد. وكانت مضر تقول: قضت عنا قريش مذمة ما أورثنا اسماعيل من الدين. فإذا أخذوا طريق العراق، تخفروا ببني عمرو بن مرثد، من بني قيس بن ثعلبة، فتجيز ذلك لهم ربيعة كلها".وهكذا تمكنت قريش من تأمين مصالحها التجارية بعقد الأحلاف مع سادات القبائل،وصار تجارها يتنقلون في مختلف أنحاء جزيرة العرب بحرية وأمان:  

والجمال هي واسطة النقل في جزيرة "لعرب، هي قطار القوم وسياراتهم في ذلك العهد. وليس في استطاعة حيوان آخر القيام بمثل تلك المشاق من قطع المسافات البعيدة في أماكن لاماء فيها إلا في مواضع متباعدة وفي أماكن يتغلب عليها الجدب والشظف. كان على ذلك الحيوان إن يتحمل ثقل ما يوضع على ظهره،وان يسير به مسافات طويلة، ثم عليه إن يتحمل العطش والجوع. ولولا الخواص الجسمية التي امتاز بها عما عداه من الحيوانات، لما كان في امكانه احتمال هذه المشقات ولعجز عنها حتماً. وقد أشير في التوراة إلى قوافل الإبل الضخمة التي كانت تأتي من جزيرة العرب إلى بلاد الشام، وهي محملة بالبضائع الثمينة النفيسة لتبيعها هناك.

ولا تحتاج الإبل إلى شرب الماء كل يوم، لذلك غدت الحيوان المثالي الملائم لحياة الأعرابي وللبادية. والجمل صبور على الجوع وفي استطاعته مكافحة جوعه بأكل العوسج والنباتات التي تنبتها البادية. وللعرب أسماء في اظماء الإبل. ومنها "الخمس" أن ترد الإبل الماء يوماً فتشربه، ثم ترعى ثلاثة أيام، ثم ترد الماء اليوم الخامس، فيحسبون اليوم الأول والآخر اليومين اللذين شربت فيهما. وقيل أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع. ومن الأظماء "للغبّ"، وذلك أن ترد الإبل يوماً وتصدر، فتكون في المرعى يوماً، وترد اليوم الثالث. وما بين شربتيهما ظمأ طال أو قصر. وعرف "الغب" أنه ورد يوم وظمىء آخر. وقيل.: هو يوم وليلتين، وقيل هو أن ترعى يوماً وترد من الغد. ومن أمثال العرب المتعلقة بهذا الموضوع: يضرب اخماساً لأسداس، أي يسعى في المكر والخديعة. وأصله من اظماء الإبل، فقد كان الرجل إِذا أراد سفراً بعيداً عوّد إبله أن تشرب خمساً سدساً، حتى إذا دفعت في السير صبرت، ثم ضرب مثلًا للذي يراوغ صاحبه ويريه اًنه يطيعه، وقيل يضرب لمن يظهر شيئاً ويريد غيره، أو للذي يقدم الأمر يريد به غيره، فيأتيه من أوله، فيعمل رويداً رويداًْ.

وإذ كانت هذه القوافل في حياة القوم على جانب من الخطورة، كما كانت المصدر المهم من مصادر الثروة، وضعها أصحابها في حماية آلهتهم، واتخذ بعضهم إلهاً خاصأَ واجبه حماية القافلة وايصالها سالمة إلى المحل المقصود. وقد عرف الإلهَ "شيع ه - قوم" "شيع القوم"، بأنه إله القوافل، الساهر على حمايتها وحماية أصحابها التجار. وعرف اللإله "أبو إيلاف" "ايلف" "ايلاف"، بأنه إلَه القوافل والتجار وأرباب القوافل كذلك. وكان أصحاب " القوافل يقدمون الى آلهتهم النذور والقرابين بعد انتهاء رحلة القافلة، براً بنذرهم لها، وتقرباً إليها، كي تستمر في بذل حمايتها لهذه القوافل ورعايتها لها، كما كانوا يأتون إلى المعابد والمحجات فيطوفون بها، ويقصدون أصنامهم فينحرون عندها شكراً وتقرباً إليها لما أنعمت عليهم من نعم الحماية والربح الوافر الذي كسبوه في رحلاتهم هذه. وفي الذي يذكره أهل الأخبار عن طواف رؤساء قوافل مكة بالكعبة قيل بدئهم الرحلة وبعد انتهائهم منها، الكفاية للدلالة على أهمية هذه الرحلات التجارية في نفوس القوم.

والغالب إن تعهد حراسة القوافل منذ يوم مغادرتها مكانها إلى حراس أشداء أقوياء يحملون سلاحهم معهم، لمقاومة المعتدين. أما رئاسة القافلة، فلا تعطى إلا للمعروفين بشجاعتهم وبقوتهم وببأسهم وبالحيل وبمعرفتهم للطرق، ولأهل البيوتات والجاه العريض والسمعة بين القبائل، فرئيس القافلة وكبيرها، هو دماغها المفكر وقلبها النابض، وعلى حركاته وأعماله يتوقف مصير القافلة ومصير الأموال الثمينة التي توضع تحت يديه، فإذا أظهر الرئيس جنباً أو عدم مقدرة في قيادة القافلة وفي الدفاع عنها، حين تعرّضها للخطر، فقد تقع فريسة سهلة بأيدي لصوص الطرق، وتنتهب أموالها، فتكون هذه النتيجة طامة كبرى للمساهمين في أموال القافلة.

ولأهمية قادة القوافل المذكورة، عملت لهم تماثيل لتخليد ذكراهم، وكرّمواِ في الكتاباًت. وقد عثر على عدد من هذه التماثيل والكتابات في مدينة "تدمر". وحمل الكثير منهم ألقاب الشرف التي كانت لا تمنح إلا لمن يؤدي خدمات ممتازة للمدينة فيَ ذلك العهد، ووصل بعضهم إلى درجة عضو فيَ مجلس المدينة الحاكم. وقد نال بقية قادة القوافل مثل هذا الاحترام من أصحابهم. ولقب قائد القافلة في الكتابات الجاهلية ب "زعيم القافلة" وب "زعيم السوق".

حتى رؤساء الحكومات مثل كسرى وملوك الحيرة، كانوا لا يسلمون زمام قوافلهم إلا للاشداء المعروفين من الرجال. كانوا يتاجرون في الأسواق يشترون ويبيعون، فإذا أقبل الموسم أرسلوا قافلتهم إلى السوق برئاسة رجل مشهور معروف بالشجاعة لا يهاب الموت ليوصلها إلى السوق المقصود أو المكان المراد وصول البضاعة اليه، ذلك لأن مجال حكمهم أو نفوذهم، لا يصل إلى الأنحاء البعيدة، فاضطروا إلى استئجار الشجعان المعروفين بقيادتهم للقوافل، لحماية تجارتهم وأموالهم من اعتداءات المعتدين.

وتعتمد القوافل على الأدلاء الخبراء بطرق البوادي لإيصالها إلى أهدافها بأمن. وسلام وبأقصر الطرق،ولتجنيها أخطار الأعداء وشر قطاع الطرق، عند شعورها بوجود خطر عليها إذا ما سلكت الطريق العام، أو طريقها الذي قررت السير به نحو المكان الذي تريده. فلما أبلغ جواسيس "أبو سفيان" أن النبي قد خرج يترصده نحو "بدر"، أسرع فاستعان بالأدلاء فانحاز عن بدر، وساحل، وتخلص بعلم أدلائه وعلمه بالطرق من وقوعه ووقوع قافلته بأيدي المسلمين. والى الدليل والأدلاء أشير في قول الشاعر: شدوا المطيّ على دلـيل دائب  من أهل كاظمة بسيف الأبجر

وقد استعان قادة الجيش وأمراء السرايا والغارات بالأدلاء أيضاً، لإرشادهم إلى المواضع التي كانوا يقصدونها، وكان الرسول يستعين بالأدلاء، ويسأل الخبراء أصحاب العلم بطرق البادية حين يغزو، أو حين يرسل سراياه على قوم. وفي غزوة "بئر معونة" كان "المطلب السلمي" دليلها على الطريق.

ويذكر أهل الأخبار، إن "قريش بن بسر بن يخلد بن النضر"، كان دليل "بني كنانة" في تجارتهم، فكان يقال: "قدمت عير قريش"، فسميت قريش بذلك. وأبوه "بدر" صاحب "بدر" الموضع الذي لقي فيه رسول الله قريشاً. فقريش بن بدر، اذن هو على هذه الرواية، هو أول دليل يصل الينا خبره من أدلاء قوافل قريش، وهو مؤسس تجارتها.

ولا بد للقوافل من منازل تنزل بها لتستريح ولتريح دوابها من للتعب ولتتمون بالماء وبالزاد إن احتاجت اليه. ونظرأَ إلى بطء الحيوان في سيره وعدم تمكنه من سيره مسافات طويلة دون توقف وراحة، كانت "منازل" ذلك الوقت غير متباعدة. ويقال للمكان الذي تنزل به القوافل: "المنزل". والمنزل: المنهل والدار، وهو في معنى "الخان"، و "الخان" لفظة معربة معناها المنزل والحانوت. وقد اشتهرت اللفظة في الإسلام، وأطلقت على منازل المسافربن في الطرق وفي القرى والمدن، وتعني المنزل، المخصص لنزول المسافر، وهو منزل يكون كبيراً في الغالب، يستريح فيه المسافر، تاجر كان، أو في غير تاجر، ويضع فيه مطاياه.

وأما "الفندق"، فبمعنى المنزل الذي ينزل به التجار والمسافرون، وهي من الألفاظ المعربة عن اليونانية من أصل Pandhokiyon. وقد استعملها عرب بلاد الشام. ويظهر انها من الألفاظ التي شاع استعمالها في الإسلام. وقد ذكر بعض علماء العربية، إن الفندق بلغة أهل الشام الخان والسبيل من هذه الخانات التي ينزلها الناس مما يكون في الطرق والمدائن، وهو فارسي.

ولم تكن منازل أهل الجاهلية منازل مبنية بالضرورة، فقد كان المسافرون يضربون لهم خياماً يأوون إليها، أو يلجأون إلى ظل مثل شجرة، يحتمون به من أشعة الشمس، وقد يفترشون الأرض وينامون جنب إبلهم، وكل ما يلزم في المنزل أن يوجد به ماء. فالماء هو اكسير الحياة بالنسبة للمسافر، وهو أهم لهم من الطعام، فطعامهم في ذلك الوقت طعام قليل بسيط، تمرات مع لبن، أو سوبق،و ما شاكل ذلك، ثم هم لا يأكلون كثيراً ولا يقيمون لوجبات الطعام وزناً، وقد يكتفي أحدهم بأكلة واحدة من هذه الأكلات الجافة التي يحملها، وقد يقتاتون بما يجدونه من نابت في طريقهم من ثمر شجر بري أو بقل أو أعشاب، ولهذا، صارت المنازل على مواضع الماء.

ولم تكن الأبعاد بين هذه المنازل متساوية، بل كانت مختلفة، تتوقف أبعادها على الماء. فإذا وجد الماء في مواضع متقاربة، قامت عليها مستوطنات متقاربة، وصارت المسافات فيما بينها غير بعيدة، وإذا كان الماء بعيداً، صارت المنازل متباعدة، وقد لا يهم الماء القوافل إذا كانت مزودة به، وكل ما تلاحظه في سفرها هو تعب الإنسان ومقدار تحمل دابته مشقة السفر والبعد، ولهذا كانوا يقطعون طرقهم بمراحل، و "المرحلة" المنزل بين المنزلين، يقال بيني وبين كذا مرحلة أو مرحلتان. فهم يقطعون طرقهم على قدر طاقتهم ومقدار تحمل إبلهم على السير. وقد علمتهم تجاربهم مقدار ما يقطعون، فإذا شعروا بالتعب وبتعب دوابهم، نزلوا منزلاٌ، قد يكون مأهولاً به ماء، وقد يكون خالياً في عراء، للاستراحة به، فإذا ارتاحوا استمروا في سيرهم نحو جهتهم ا لمقصودة.

و "الفرسخ" في تفسير علماء العربية الراحة، و "فرسخ" الطريق هو ثلاثة أميال هاشمية، أو ستة، أو اثنا عشر ألف ذراع، أو عشرة آلاف ذراع، سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك، كأنه سكن. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية. وقيل: الفرسخ الساعة من النهار.

و "الميل" مقياس تقاس به الأبعاد، يقال قطع كذا ميلاً. وهو منار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض، ومنه الأميال التي في طريق مكة، وهي الأعلام المبنية لهداية المسافرين.

ونظراً إلى وجود إمارات وعشائر وقبائل عديدة تمرّ بآرضها القوافل، فقد كان على أصحاب القوافل وأرباب المال إرضاء هؤلاء المتنفذين بإعطاء إتاوات مرور لهم، وهدايا لحمايتهم وللسماح لهم بالمرور، على نحو ما تفعله حكومات هذا اليوم من استيفاء حق المرور "ترانزيت" "ترانست" عن التجارة والسيارات. فإذا تحرش بهم متحرش، وحاول قطاع الطرق الاعتداء عليهم، كان من واجب سيد القبيلة والرئيس المتنفذ في تلك الأرض تعقب المعتدين وتاديبهم وإعادة ما استولوا عليه إلى أصحابه. وبهذه الطريقة أمنت القوافل على أموالها،وأخذت تقطع البوادي والطرق البعيدة الطويلة، وهي في حمى هؤلاء المتنفذين.

وقد كان الملوك وسادات القبائل والمتنفذون الذين تمر قوافل التجارة بمناطق نفوذهم، أو الذين تقع الأسواق في أرضهم أو في مناطق نفوذهم، يشتطون في الإتاوة، ويشتدون في جباية المكس، و يبالغون في رفع حق المرور والحقوق الأخرى المكتسبة بالعرف والعادة اًو بقانون القوة والكيف، فيؤذون بذلك التجار والتجارة ويضطرون التجار إلى رفع أسعار البيع، للحصول على أرباح لهم، فتضررت التّجارة بذلك ضرراً كبيراً، وقل الاقبال على شراء السلع المستوردة من جزيرة العرب إلا ما كان ضرورياً، ولا مناص من شرائها، وارتفع على المشتري سعر المواد المستوردة، واضطر التجار إلى التحكم في أسعار الشراء من الأسواق المحلية في جزيرة العرب، بشرائها بأسعار متهاودة لضمان تصريفها في الأسواق الخارجية وفي كل هذه الأحوال ضرر عام للبائع وللمشترى وللمستهلك وللاقتصاد العربي بوجه عام.

وقد كانت القوافل تقصد الأماكن التي تريد البيع والشرإء فيها في مواسم معينة في الغالب، وذلك لاجتماع التجار فيها، وهذا مما يهيىء للتاجر أكبر عدد ممكن من التجار، كما كان التجار يقصدون الأسواق المؤقتة التي تقام في الأعياد وفي المناسبات الدينية لبيع ما عندهم من بضاعة ولشراء ما يأتي به الناس من أموال، ولم يكن ذلك خاصاً بجزيرة العرب، فقد كان العبرانيون وغيرهم من بقية الشعوب السامية يفعلونه أيضاً. ونرى إن الأسواق التي كانت تقام في جزيرة العرب، كانت تقام في مواسم معينة تقع في الأشهر الحرم، وذلك لضمان مروّر التجار بأمان، فلا يتحرش بهم إلا مستهتر طريد،والغالب إن سادات القبائل التي تحرش المستهترون بالقافلة التي مرّت بأرضهم ينتقمون بأنفسهم منهم.

وقد كان الجاهليون يضعون أعلاماً على الطريق ليهتدي بها، يقال لها "الصوُّى" و "الثوة". ويقول علماء اللغة إن الصُّوى: الأعلام المنصوبة من الحجارة في المفازة المجهولة يستدل بها على الطرق. والثوة كالصُّوة، وربما نبت فوقها الحجارة ليهتدى بها، وإن العوة كالصوة التي هي العلم. وفي الحديث: "إن للاسلام صُوى ومناراً كمنار الطريق" وذكر أن "الصُوة"، حجر يكون علامة في الطريق.

وذكر أن "الثوة" حجارة ترفع فتكون علما" بالليل للراعي إذا رجع، وأخفض علم يكون بقدر قعدتك، وارتفاع وغلظ وربما نصبت فوقها الحجارة ليهتدى بها.

والمنار. العلم يجعل للطريق أو الحدّ للارضين والعلامة التي توضع على الحدود لتوضح معالمها. وقد كان أهل العربية الجنوبيهّ يضعون علامات على ااطرق لتشير إلى معالمها، فلا يضل عنها من يسلكها من الرجال والقوافل. وقيل في الإسلام للأعلام المبنية في طريق مكهّ أميال لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل الى الميل، وكل ثلاثة أميال منها فرسخ. والمنار محجة الطريق، قال الشاعر: لعك في مناسمها مـنـار  الى عدنان واضحة السبيل

و العلامة، شيء منصوب في الطريق يهتدى به. ويقال لما يبنى في جوادِّ الطريق من المنازل يستدل بها على الأرض أعلام، والأعلام الحدود. والمعلم، ما يستدل به على الطريق من الأثر. فقد كان من الصعب حتى على خبراء البادية الاهتداء إلى الطرق بدون وضع علامات تشير إليها.

والنعامة المفازة، وقيل علم من أعلام المفاوز يهتدى به. و. "المنقل"، الثنية في الجبل وكل طريق في الجبل نقيل، في لغة أهل اليمن.

والآجام علامات وأبنية يهتدى بها في الصحاري. و "الوجم"، حجارة مركومة بعضها فوق بعض على رؤوس القور والآكام، وهي أغلظ وأطول في السماء من الأروم. وحجارتها عظام، لا يحركها الإنسان ولو اجتمع جمع منهم بصعوبة، ينسبها الناس إلى صنعة عاد. و "الآرام" الأعلام تنصب في المفاوز يهتدى بها، أو خاص بعاد، أي بأعلامهم، و "الأروم" الأعلام في المفاوز. وكان من عادة الجاهلية، انهم إذا وجدوا شيئاً في طريقهم لا يمكنهم استصحابه تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه. وقيل قبور عاد.

وقد كان الجاهليون قد مهدوا الطرق وكسوا بعضها بمادة قوية مثل "الاسمنت" ووضعوا عليها العلامات. وقد أطلق العرب لفظة "العود" على الطريق القديم العادي.

وسن الطريق سنأَ إذا ساره، ويقال ترك سنن الطريق، أي جهته. وقد كان القادة يتنكبون عن سنن الطريق، ليباغتوا العدو، أو ليتجنبوا تعقبهم لهم. وقد كان لرؤساء القوافل علم باًلأبعاد والمسافات وباًلأماكن التي يجب النزول بها والتمون منها بالماء والطعام. ونجد في كتب أهل الأخبار أخباراً بأسماء منازل القوافل وبأبعادها وقد استقيت من أفواه رجال القوافل في الجاهلية. كما نجد إن للاعراب دراية مدهشة بمواضع الماء وبالطرق مع مرورها في بوادي يصعب السير فيها، وقد ورثوا علمهم هذا عن أسلافهم ومن تجاربهم الخاصة التي تعلموها من كثرة أسفارهم وتنقلاتهم.

وقد كان التجار وأصحاب القوافل يقطعون أسفارهم بمراحل، ينزلونه في كل مرحلة بمنزل يستريحون فيه ويموّنون أنفسهم بما يحتاجون اليه من ماء وزاد. ويعبرون عن المسافات التي تقطعها القافلة بين منزل ومنزل آخر ب "مسيرة"، فيقولون "مسيرة يوم" أو "مسيرة نهار" وما شابه ذلك. كما عرفوا الأبعاد بالفرسخ والميل. و "النزل" المنزل، وما هيىء للضيف ان ينزل عليه. ومنه منازل الطريق. وتراعى القوافل في سيرها إلى أهدافها الأخذ بأقصر الطرق الآمنة المطمئنة التي تتوفر فيها المياه، وقد تعدل من سيرها فتسلك طرقاً بعيدة أو وعرة إذا أحست بعدو يتربص لها في الطريق المسلوك، أو بلصوص ظهروا فيها، أو بقوم يريدون الاستيلاء على قافلتهم، كالذي فعله "أبو سفيان" مقفله من الشام يريد مكة، حيث بدل طريقه، فحوّله عن "بدر"، وساحل، فأضاع بذلك الفرصة على المسلمين ووصل سالماً بقافلته إلى مكة.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

1656 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الواحد بعد المئة تجارة مكة تجار يثرب


1656

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
    
الفصل الواحد بعد المئة

تجارة مكة

تجار يثرب

ولم يشتهر أهل "يثرب" في كتب أهل الأخبار بالتجارة، وانما اشتهروا فيها بالزراعة، ولا سيما بزراعة النخيل. ولكننا نجد إن من بين هم من كان يتاجر مع بلاد الشام واليمن، وله أموال شغلها في التجارة، كما إن من بينهم من كان يعطي فضل ماله بالربا للمحتاح إلى المال، وكان منهم من حصل على مال كثير فابتنى له "الأطم" و "الحصون" ليحصن نفسه وماله بها. ولما هاجر المهاجرون إليها، تعاظم شأن التجارة بها، إذ أخذ المهاجرون والأنصار يتاجرون مع الشام، فيبيعون ويشترون ويستوردون التجارة إلى المدينة، بقوافل تأتي محملة بالزيوت وبتجارة الشام إليها. حتى أمر الرسول باتخاذ سوق بها، يتاجر فيه التاجر دون ان يدفع خراجاً، بقوله: هذا سوقكم لا خراج عليكم فيه. فرفع عن تجار يثرب ما كان يدفعه تجار الأسواق الأخرى من خراج الأعشار.

ويظهر من دراسة وتشريح كتب التفسير والحديث والسير والأخبار، أنه قد كان بين أهل "يثرب" وأهل مكة فروق في أصول العامل التجاري، فوزن أهل يثرب يختلف عن وزن أهل مكة، وكيلهم يختلف عن كيلهم أيضاً، وتعاملهم في السوق يختلف بعض الاختلاف عن تعامل أهل مكة. ثم هم فوق ذلك يختلفون عن أهل مكة في أنهم أصحاب زرع، وأهل مكة أصحاب تجارة، ولما جاء الرسول إلى المدينة، وجد لهم معاملات تخص أكثرها الزراعة لم تكن معروفة بمكة، فسألهم عنها، وحدد لهم موقف الإسلام منها.

وسبب هذا الاختلاف، هو اختلاف طبيعة المكانين. فمكة بلد غير ذي زرع فقلَّ عندهم التعامل الزراعي، لعدم احتياجهم اليه. أما "يثرب"، فبلد زراعة عيشة أهله على الزراعة واستغلال الأرض، لذلك صار أكثر تعاملهم بأعمال تتعلق بالزراعة وباستغلال الأرض، وبالاشتراك والتعاون في استغلال الملك الفائض على حاجات صاحبه، فظهرت عندهم أعراف زراعية، لم تعرف بمكة. وكانت عندهم بعض حرف، لم تشتهر بمكة. ومن هنا راعى التشريع الإسلامي في التجارة أعراف أهل مكة فيها، وراعى في التشريع الزراعي وفي الحرف،أعراف أهل يثرب في الاثنين.

واقتصاد يثرب اقتصاد زراعي، الانتاج فيه انتاج زراعي، ثم حيواني، عماد الأنتاج فيه التمور والخضر، أما اقتصاد مكة، فهو اقتصاد تجاري عماده التجارة القائمة على أساس شراء السلع من الأسواق ونقلها إلى مكة، وتصريفها من هناك على أهل مكة ومن حولهم، ونقل الفائض إلى الأسواق الموسمية وأسواق العراق وبلاد الشام والعربية الجنوبية. فهو اقتصاد لا يعتمد على الانتاح المحلي ولا على حرف محلية، إنما يقوم على أساس شراء المنتجات الأجنبية من مصادرها بأسعار أعلى، للحصول على الاْرباح عن طريق الفرق بين السعرين: سعر الشراء وسعر البيع، أو عن ثمن التوسط في معاملات البيع والشراء.

ويظهر إن أهل يثرب لم يكونوا قد أقبلوا على الزراعة اقبالاً كافياً، وان الأرض لم تكن قد استغلت استغلالاً جيداً، لهذا نجد الرسول بعد هجرته إلى هذه المدينة يحث المسلمين على الاقبال على الزراعة وعلى العمل بها، وعلى استغلال الأرض، لأن فيها قوت المسلمين، فأراد بذلك سد النقص الذي كان يجابه أهل المدينة وغيرها في الحبوب وفي أقواتهم الأخرى، وهذا مما أدى إلى احياء بعض أرضها في أيامه، أحياها أهل يثرب وأحياها بعض المهاجرين.

وكان بعض تجار مكة يمرون بيثرب في طريقهم من مكة إلى بلاد الشام، وفي عودتهم منها إلى مكة. ولما خرج "هاشم" في عير لقريش فيها تجارات، كان طريقه علىَ المدينة، ثم نزل بسوق النبط، وهي سوقّ تقوم بها في السنة يحشدون لها، يبيعون ويشترون. وهي سوق يظهر انها كانت تقام في موسم معين من السنة، فيتجمع فيها التجار للبيع والشراء، ولما خرج "عبد الله" والد الرسول إلى الشام إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجارتهم ثم انصرفوا، مرّوا بالمدينة، وبها توفي فدفن هناك، في دار النابغة، وهو رجل من بني عدي بن النجار.

وقد كان الأنباط يتاجرون مع المدينة، يأتون إليها ب "الدرمك"، وهو الدقيق الحواري، وهو دقيق أبيض،وبالزيت. وكانوا يأتون اليهم بأخبار الروم. ولعلهم كانوا يتاجرون في موضع معين من أسواق يثرب،فعرف لذلك بسوق النبط. وقد نافست "يثرب" مكة في التجارة بعد هجرة الرسول إليها، إذ أخذ المهاجرون يتاجرون منها مع بلاد الشام والعراق، وصارت القوافل ترد إليها محملة ببضائع بلاد الشام، واأخذ الأنصار والمهاجرون يتاجرون معاً في الأسواق، وقد تضخمت هذه التجارة بعد فتح مكة،ودخول القبائل في الإسلام ووصول الصدقات الى بيت المال في المدينة، فتحسن حال أهل المدينة وصار لهم رأس مال مكنهم من تشغيله في التجارة وفي الزراعة، فاستغلوا أرض يثرب بزرعها زروعاً مختلفة، ثم استغلوا اموالهم هذه في الخارج بعد الفتوح.

وقد نشأت يثرب وتوسعت لوجود الماء بها، وهذا الماء هو الذي صيرها مستوطنة زراعية، كما صير غيرها من المستوطنات العديدة التي تقع في شمالها وتمتد حتى تتصل في فلسطين مستوطنات زراعية منتجة ذات بساتين ومزارع يعتمد في زرعها على العيون والابار. وكان عماد حاصلها التمر. وقد أحاطت بيثرب هالة من "الحوائط" المغروسة بالنخيل، غرسها سادات يثرب، فصارت من أهم موارد رزقهم، وقد زرعوا بعض الخضر والبقول تحت النخيل، لسد حاجتهم وبيع الفائض منه في الأسواق، ولكبار الملاكين فيها "أطم" يعيشون فيها ويخزنون بها ميراتهم وحاصلهم، ويحتمون بها عند الخطر. وأما سواد للناس، فلهم بيوتهم، وبعضها بيوت ذات طابقين. ولم تكن المدينة مسورة ولا محاطة بخندق على ما يظهر من روايات أهل الأخبار، بل كانت مدينة مكشوفة، إذا داهمها خطر، قام أهلها بسد منافذ طرقها، وبالدفاع عنها من السطوح، وبمقاومته في الأزقة.

وأرض يثرب أرض خصبة كان من الممكن زرعها لو أقبل أهلهما على الزراعة، ولكنهم لم يقبلوا عليها اقبالاَ تاماً، بل قام المتمكنون منهم بغرس الأرضين الغنية بالماء، والأرضين التي كان الماء فيها قريباً من سطح الأرض بحفر الآبار بها، وتركوا الأرضين الأخرى مواتاً لم تزرع. وشغلوا الموالي والرقيق في الزراعة، ولو أجهدوا أنفسهم في استصلاح التربة وفي استنباط الماء، وحبس مياه السيول، لأحيوا بذلك أرضين واسعة. بدليل إن بعض المهاجرين ممن كانت عندهم رغبة في الزراعة وأموالاً، عملوا في استصلاح أرضين مواتاً حتى أحيوها، وصارت تاًتي اليهم بغلات وافرة، ومن أثرياء يثرب "أحيحة بن الجلاّح"، وهو من سادة الأوس. وهو من أصحاب الأرض. وكان شريفاً في قومه، مات قبل الإسلام. وكانت تحته "سلمى بنت عمرو الخزرجية"، وتزوج "سلمى" بعده "هاشم بن عبد مناف" فولدت له "عبد المطلب" جد النبي.

وسعد بن عباده بن دليم، سيد الخزرج، هو من أغنياء يثرب ومن اصحاب الأطم فيها. وكان سيداً كريماً مضيافاً، جفنته تدور مع النبي في بيوت أزواجه وكان يأخذ كل ليلة جماعة من أهل الصفة يعيشهم، وكان أهل الحاجِة يذهبون إلى أطمه ينالون الشحم واللحم.

والطائف مصيف أهلَ مكة ومتمونها من الفواكه والزبيب والعسل والخضر. وقد أشترى أغنياء قريش بها الأملاك والبساتين وشاركوا أهل الطائف في التجارة. وهي بلاد "ثقبف". وثقيف من المتحضرين النشطين الأذكياء. وللطائف قرى، أولها "لقيم"، وآخرها "الوهط". وكان اسمها القديم "وج". ويذكر أهل الأخبار، أن "الطائف"، كانت في الأصل قرية بالشأم، أو قطعة من الجنة التي كانت لأصحاب الصريم، أو باليمن بنواحي صنعاء، فنقلت بدعوة "ابراهيم" إلى الحجاز، لتكون مصيفا وجنة لأهل مكة. وكانت بغير سور، فلما جاء "الصدف بن الدمون" من حضرموت إلى "وج"، وكان قد أصاب دمأَ في قومه، لحق بثقبف وأقام بها، وأقام لهم طوفاً اطاف بوج، فسميت بالطائف منذ ذلك الوقت. ومنهم من يزعم، أنها إنما سميت بذلك لأن "جبريل" لما نقلها من موضعها، طاف بها بالبيت سبعاً، ثم وضعها بموضعها، فعرفت بالطائف.

وكان أهل الطائف مزارعين، عاشوا على الزراعة، واتخذوها تجارة لهم. زراعة الكروم والفواكه والحبوب. وكسبوا من ذلك مالاً، وكان منهم من اشتغل بدبغ الجلود، وبيع "الأدم" أي الجلود المدبوغة أو تصديرها إلى الخارح، ومنهم من تاجر، وساهم مع تجار مكة فىِ تجارتهم. فتجمع من كل ذلك رأس مال شغله أصحابه في الربا، فكانوا يقرضون المال لمن يحتاج اليه من أهل الطائف ومن غيرهم، لوجود مال فائض عندهم.

ووجد التجار في كل مكان وجدت فيه أسواق وسلع وتجارة من بلاد العرب في الجاهلية وفي الإسلام، لم تكن تخلو منهم مدينة من المدن أو قرية كبيرة. فسوق الفلج كان سوقاً لبني نزار واليمن . وب "العوسجة" وهي معدن، تجار، من الجائز إن يكونوا قد تجمعوا في هذا المكان للاتجار بالمعدن الذي يستخرج منه، فكانوا يتعاطون الاتجار بالمعادن.



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ