إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 1 فبراير 2016

1655 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الواحد بعد المئة تجارة مكة السلع


1655

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
    
الفصل الواحد بعد المئة

تجارة مكة

السلع

والأدم والزبيب والصمغ والطيب والتبر والبرد اليمانية الثياب العدنية والأسلحة ومصنوعات الحديد والمعادن الأخرى، هي من أهم السلع الرئيسية التي تتكون منها تجاره قريش، وبعض هذه السلع مهم وغال ومطلوب. فكان تجار مكة يشترونه من معادنه ومواضعه، ويبيعونه في الأماكن التي تبحث عنها، وتربح من ذلك ربحاً كبيراً. وقد كانت "الأدم" على رأس الأموال التي تاجرت بها، حتى إن قريشاً كانت قد جعلتها على رأس الهدايا والألطاف التي كانت تهديها إلى الملوك والرؤساء وأكابر الناس. فلما ذهب "أبو سفيان" الى العراق،ووصل الى "كسرى" كَما يزعم أهل الأخبار، أهدى اليه أدماً وخيلاّ، فقبل "كَسرى بن هرمز" الخيل وردّ الأدم. ولما أرسلت "قريش" "عبد الله بن اًبي ربيعة" و "عمرو ابن العاص بن وائل" إلى النجاشي ومعهما هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، جمعت له أدماً كثيراٌ، ولم تترك من بطارقته بطريقاً إلا وله هدية، فكانت الأدم على رأس ألطاف مكة و هداياها.

ومن العطور التي كانت معروفة بمكة: "الذرور"، عطر يجاء به من الهند كالذريرة، وهو ما انتحت من قصب الطيب، وقيل هو نوع من الطيب مجموع من أخلاط، وبه فسر حديث عائشة: طيبت رسول الله لإحرامه بذريرة.

وأغلى سلع قريش التي كانت تحملها لبيعها في اًسواق بلاد الشام، هي "الفضة". ولما أرسل الرسول "زيد بن حارثة" على عير لقريش كان فيها "أبو سفيان"، وكانت قد غيرت طريقها الذي يسلك إلى الشام، وسلكت طريق العراق، كانت مع "أبي سفيان" فضة كثيرة، وهي أعظم تجارتهم، فالتقى بها "زيد بن حارثة" فأصاب العير، وبلغُ خمس الرسول من الغنيمة عشرون ألفاً، ومعنى هذا إن قيمة الغنائم، كانت مائة ألف. وقد ذكر في خبر هذه السرية ان الفضة كانت آنية كثيرة، وسكت خبر اخر عن نوع الفضة، وانما ذكر إن "أبا سفيان" كان يحمل معه فضة كثيرة.

والأسلحة من أهم مواد التجارة التي كان يتاجر بها التجار. فالسلاح أداة ضرورية جداً بالنسبة إلى الأعرابي، فبه يدافع عن نفسه، وهو لا ينام إلا وسلاحه الى جانبه، حتى إذا ما شعر بأقل حركة، نهض وهو بيده ليدافع به عن نفسه. والتاجر نفسه مع انه انسان مسالم لا يميل بطبيعة عمله إلى حمل السلاح والتقاتل كان مضطراً مع ذلك الى حمله معه والى إستخدام العبيد والأعوان للدفاع عن نفسه وعن أمواله. ولهذا كان يحرص على شرائه من أي مكان يجده فيه ليدافع به عن نفسه، كما كان يتاجر. به لأن الاتجار به من أربح الأعمال في السوق، لإقبال الناس عليه، فكان يشتريه من صناعه ومن أسواقه.، ليبيعه لمن يطلبه بسعر أعلى، فيربح بذلك كثيراً من الفرق بين السعرين.

وكان لأهل مكة خاصة حس مرهف نحو التجارة. كانوا إذا سمعوا أجراس عير، هرعوا نحوها يلتمسون خبرها. فلما أقبلت من الشام عير لدحية بن خليفة الكلبي، أو لعبد الرحمن بن عوف، تحمل زيتاً أو طعاماً، وكان رسول الله يخطب يوم الجمعة، والناس خلفه صفوفاً، فلما سمعوا بها، جعلوا يتسللون ويقومون إليها، خشية أن يسبقوا إليها، فتباع، حتى بقيت منهم عصابة اثني عشر رجلاً وامرأة. وكانوا إذا أقبلت العِير، استقبلوها بالطبل و المزامير والكبر وااتصفيق. فلما نظر رسول الله الى المصلين وقد انفضوا من حوله، عنفهم ووبخهم، ونزل في حقهم ما نزل في الآية من ترك البيع حالة صلاة الجمعة.

ويتبين من كتب الحديث إن الصحابة كانوا يتعاطون التجارة، ويتكسبون في الأسواق، وقد كانوا نشطين جداً في ذلك، وكان اهل مكة أكثر نشاطاً من أهل المدينة في هذا الباب، فلا يكاد بعضهم يصل المدينة مهاجراً من مكة حتى يسأل عن اسوق، ويبحث عن رزق، فذهب بعضهم الى سوق بني قينقاع، وهي من أسواق يهود، فنجحوا فيها وحصلوا على ربح ومال أعالوا به أنفسهم. وقد كان في جملة ما أجاب به أبو هريرة، و قد قيل فيه: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله، وان المهاجرين والأنصار لا يحدثون عنه بمثل حديث أبي هريرة: "إن اخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق الأسواق، وكنت ألزم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، واحفظ إذا نسوا، وكان يشغل اخوتي من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءاً مسكيناً من مساكين الصُّفة أعي حين ينسون". فالأنصار كانوا أصحاب زرع وأموال، والمهاجرون كانوا أصحاب تجارات.

وكانوا إذا التهوا في السوق وانصرفوا في التجارة ونسوا أمورهم الأخرى، قالوا ألهانا الصفق بالأسواق، يعني الخروج إلى تجارة وبيع وشراء. وقد أدى انصراف بعض الصحابة الى السوق وتعلقهم بالتجارة إلى انفضاضهم أحياناً عن الرسول وهم حوله، فورد في الحديث: "بينما نحن نصلي مع النبي، صلى الله عليه وسلم، إذ أقبلت من الشام عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلا اثنا عشر رجلاً، فنزلت: )واذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً".

وكان "العباس بن عبد المطلب" من أغنياء قريش، ومن المقرضين للمال بفضل يأخذه من المدين يضعه على رأس ماله. وقد بقي على ماله وثرائه في الإسلام كذلك. وكان الرسول قد أبطل ربا العباس في أول ما أبطل من ربا في الإسلام. وكان العباس يتاجر كذلك، له محل يتاجر فيه، ويستقبل التجار الغرباء. وقد ذكر أن "عفيف الكنديَ" كان فيَ جملة من تاجر معه في الجاهلية، وقد جاء اليه ليبتاع منه بعض التجارة.

ولما آخى الرسول بين الأنصار والمهاجرين،آخى بين "عبد الرحمن بن عوف"، وهو من المهاجرين، وبين "سعد بن الربيع"، وهو من أكثر الأنصار مالاً، فقال "سعد بن الربيع": "أقاسمك مالي نصفين وأزوجك". قال "عبد الرحمن": بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوّني على السوق. فدلوه على سوق قينقاع، فغدا اليه، ثم تابع الغدوّ، فما لبث أن جمع مالاً من تعامله بالسوق وصار من المثرين.

وقد كان "عبد الرحمن" تاجراً بمكة قبل هجرته إلى يثرب، وصاحب مال. فلعل الرسول أراد من مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، أن يساعد المهاجرون الأنصار وأن يتعاونوا معاً، كما كان شأن عبد الرحمن وسعد بن الربيع، وهما من أصحاب الخبرة والتجربة في العمل، فيفيدوا بذلك الإسلام بما يحصلون عليه من مال.

وقدً ذكر أهل الأخبار، أن عبد الرحمن، تصدق على عهد رسول الله، بشطر ماله، ثم تصدق بعد بأربعين ألف دينار، ثم حمل خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة راحلة، وكان أكثر ماله من التجارة. وذكروا أنه أعتق ثلاثين ألف نسمة وأنه أوصى لكل من شهد بدراً بأربعمائة دينار، فكانوا مائة رجل. وذكروا أنه كان تاجراً مجدوداً في التجارة، وكسب مالاً كثيراً، وخلف ألف بعير وثلاثة الاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً فكان يدخل منه قوت أهله سنة. وذكروا أنه صالح امرأته التي طلقها في مرضه من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفاً، وقيل عن ربع الثمن من ميراثه. ورووا أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً. وأنه كان يقول: "قد خشيت أن يهلكني كثرة مالي. أنا أكثر قريش كلهم مالا"".

وكان "أبو بكر" تاجراً معروفاً بالتجارة بمكة قبل الإسلام. ولقد بعث النبي وعنده أربعون ألف درهم، ولما أسلم كان يعتق منها ويعول المسلمين، حتى قدم المدينة بخمسة آلاف.

وكان "طلحة بن عبيد الله بن عثمان" القرشي التيمي، من تجار.مكة، ولما قدم المدينة مهاجراً، أخذ يتاجر مع "الشام"، وذكر انه اشترى مالاً ب "بيسان"، وان غلته تبلغ اًلفاً وافياً كل يوم. والوافي في وزنه وزن الدينار، وعلى ذلك وزن دراهم الفرس التي تعرف بالبغلية. وقد ساهم في حرب الجمل، التي وقعت سنة ست وثلاثين.

والزبير من رعيل التجار كذلك، وكان تاجراَ مجدوداً في التجارة، كان له ألف مملوك يؤدون اليه الخراج، وله أرضون واسعة وأموال طائلة.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

1654 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الواحد بعد المئة تجارة مكة


1654

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
    
الفصل الواحد بعد المئة

تجارة مكة

وكان أهل مكة من أبرع التجار ومن أنشطهم في العربية الغربية عند ظهور الإسلام، وقد أشير إلى تجارتهم في القرآن الكريم. وسبق إن تحدثت عن تجارتهم في أثناء كلامي على مجمل الحالة السياسية لجزيرة العرب عند ظهور الإسلام.

وقد استفاد أهل مكة، ولا شك، من الوضع السيئ الذي طرأ على اليمن بدخول الحبش إليها: ومن تردي الأوضاع السياسية فيها والاضطرابات المستمرة التي وقعت بتصادم الوطنيين والغزاة الأحباش. فانحسر كل نفوذ سياسي أو عسكري كان لحكومات اليمن في الحجاز أو على بعض القبائل، ووجدت قريش نفسها حرّة مستقلة وفي وضع يمكّنها من استغلال مواهبها في التجارة، فقامت بمهمة الوسيط، تنقل تجارة أهل اليمن والعربية الجنوبية إلى أسواق فلسطين، وتنقل تجارة بلاد الشام وحوض البحر المتوسط إلى الحجاز ونجد واليمن، وبذلك حصلت على أرباح طائلة عظيمة، جعلتها من أغنى العرب عند ظهور الإسلام، وصيرّت مكة مركزاً خطيراً من مراكز الثروة والمال في جزيرة العرب في ذلك الحين.

وقد وصف أهل الأخبار أهل مكة بترفعهم عن البخل والشح،فقال "الجاحظ" وهو يصفهم: "ومن العجب إن كسبهم لما قلّ من قبل تركهم الغزو، ومالوا إلى الإيلاف والجهاد، لم يعتريهم من بخل التجار قليل ولا كثير، والبخل خلقة في الطباع، فأعطوا الشعراء كما يعطى الملوك، وقروا الأضياف،ووصلوا الأرحام، وقاموا بنوائب زوار البيت. فكان أحدهم يحيس الحيسة في الأنطاع فيأكل منها القائم والقاعد والداخل والراكب، واطعموا بدل الحيس الفالوذج". فمورد الكسب الأول عند العرب في الجاهلية هو الغزو على رأي أهل الأخبار، وقد ترفعت قريش عنه، وصرفت نفسها إلى التجارة. ومن طبع التجار البخل ومسك اليد، أما قريش، فخالفتهم في البخل، ووصلت الشعراء وقرت الأضياف. ونسب "الجاحظ" سبب تركهم الغزو إلى كونهم أهل حمس ديانين،فقال: "وكانوا ديانين،ولذلك تركوا الغزو، لما فيه من الغصب والغشم واستحلال الأموال والفروج من العرب". ويعتقد "الجاحظ"، بأن للدين أثراً كبيراً على سلوك الإنسان وعلى كره الحرب، إذ تراه يقول: "ثم جاء ما هو أعجب من هذا وأهم، وذلك أنا قد علمنا إن الروم قبل التدين بالنصرانية كانت تنتصف من ملوك فارس، وكانت الحروب بينهم سجالاً فلما صارت لا تدين بالقتل والقتال و القود والقصاص، اعتراهم مثل ما يعتري الجبناء حتى صاروا يتكلفون القتال تكلفاً، ولما خامرت طبائعهم تلك الديانة وسرت في لحومهم ودمائهم، فصارت تلك الديانة تعترض عليهم، خرجوا من حدود الغالبين إلى أن صاروا مغلوبين". فالنصرانية قد أثرت على الروم حتى جعلتهم يكرهون الحروب، وصاروا مغلوبين بعدما كانوا غالبين. ثم جاء بدليل آخر على إثبات رأيه في إن الدين ينقص من شهوة الحرب، هو إن "التغزغز" من الترك، نقصت عندهم الشجاعة وذهبت عنهم الشهامة بعد إن دانوا بالزندقة. فالدين اذن مخفف من شهوة الحرب مرد من التعطش إلى القتال، لكنه على رأيه أيضاً، يحول المتدينين إلى أسود في المعارك، فقريش التي تركت الغزو بتة، كانوا مع طول ترك الغزو، إذا غزوا، غزوا كالأسود مع الرأي الأصيل والبصيرة النافذة، والخوارج على اختلافهم من أحرار وعبيد وموالي يقاتلون قتال الباسل المستميت مع اختلاف أنسابهم وبلداتهم، و" في هذا دليل على إن الذي سوّى بينهم التدين بالقتال"، وان استبسال قريش والخوارج وغيرهم من المتدينين "انما هو بسبب الديانة " ووحدة العقيدة وعامل الدفاع عنها والجهاد في سبيلها.

وقد نسب "الجاحظ" ميل قريش إلى التجارة واشتغالهم بها إلى تحمسهم في دينهم وتشددهم في الدين، فقال: "وقريش من بين جميع العرب دانوا بالتلامس والتشديد في الدين فتركوا الغزو كراهة للسبي واستحلال الأموال واستحسان الغصوب،فلما تركوا الغزو لم تبق مكسبة سوى التجارة فضربوا في البلاد إلى قيصر بالروم والى النجاشي بالحبشة والى المقوقس بمصر، وصاروا بأجمعهم تجاراً خلطاء".

فتحمس قريش في دينهم، حملهم على ترك الغزو، وترك الغزو حملهم على التكسب بالتجارة، فاتجار قريش في مكة وضربهم في الآفاق، هو بسبب البحث عن رزق يعوضهم عن رزق الغزو، الذي أبعده الدين عن قلوبهم، فكان ما كان من أمر تجارتهم. هذا هو رأي الجاحظ في السبب الذي حمل قريشاً على الانصراف إلى التجارة.

وفي القران: )ربنا إني أسكنت من قريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون(. فمكة بلد بواد قفر غير ذي زرع ولا ماء، ليس لأهلها ما لسكان الأرياف والقرى التي تملك المياه والأنهار من ثمرات النبات والأشجار، فصارت الطائف مصيفاً لهم، ومورداً يمدهم بثمر النبات والأشجار، واستغل أهلها فقر واديهم،وموقع مدينتهم الذي تمر به القوافل، وشجعوا من كان يسكن حولهم على الحج إلى معبدهم وعلى قصده أيام السنة وموسم الحج،فاستفادوا من الحجاج. وجعلوا الموسم سوقاً يتعاطون فيه البيع والشراء،فربحوا وصار لهم مال استثمروه وشغلوه، في سوق مكة وفي الأسواق الأخرى، وتعاملوا مع الأعراب، وعقدوا الإيلاف مع ساداتهم ومع الفرس والروم والحبش، فصاروا يخرجون إلى خارج مكة بأمان بفضل العقود والعهود التي عقدوها مع سادات الأعراب، وهي أهم في نظري من أي عقد آخر عقدوه مع حكام العراق وبلاد الشام أو اليمن، إذ كان في استطاعة الأعراب نهب قوافل مكة وسلب أموالها، وهي ذاهبة أو آيبة محملة، فلا يستطيع أهل مكة فعل شيء، ولا تبقى أية فائدة عندئذ لعقود الإيلاف المعقودة مع الحكّام المذكورين. وقد علم سادة مكة ذلك، فتعاقدوا مع سادات الأعراب، و أدو لهم نصيباً من الربح، وبذلك أمنوا جانب أعرابهم، فكانوا إذا تحرش بهم متحرش، أدّبه سادة قبيلته،واستعادوا منه ما أخذه من نهب وسلب.

وقوم هم أهل قرار، لهم بيت مقدس، ولهم تجارة، لا يفكرون في غزو، ولا يرتاحون من وجود أهل شغب وفتن بينهم. فالغزو سواء أكان منهم أو كان عليهم مضرّ بهم. ولا يعود عليهم بفائدة، بل هو يبعد القاصدين لهم عنهم، وفي ابتعادهم عنهم خسارة، ثم هو يعرقل تجارتهم ويحول دون اتجارهم، والتجارة مورد رزقهم وعليها معاشهم. وقريش من المستقرين، ومن التجار، ولهم معبد، فكان من صالحهم اشاعة الأمن والابتعاد عن التشاحن. وفض كل خلاف يقع فيما بينهم، أو فيما بينهم وبين غيرهم بالتي هي أحسن، وجرّ الناس اليهم، والعمل على اكتساب صداقة أهل الحضر وأهل الوبر أيضاً، وعلى إنصاف الغريب الذي قد لا يجد له مجيراً من بيت أهل، مكة فيظلم، وعلى تقديم الرفادة للحجاج الضعفاء،وإسقائهم الزبيب المنبوذ بالماء في أيام الحج، وعلى شراء الألسنة، ألسنة الشعراء خاصة، لما كان لها من أثر في النفوس.

وللمنافع المادية التي كانوا يحصلون عليها من تآلفهم مع القبائل، حرصوا على ألا يؤذي أحد منهم أحداً من الغرباء،. فيثير قوم الغريب عليهم، لا سيما إذا كان ذلك الغريب من قبيلة تمر تجارة قريش بها. فلما عذب أهل "مكة" "أبا ذر الغفاري"،أقبل "العباس" عليهم، وقال: "ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه من طريق تجارتكم إلى الشام ?. فأنقذه منهم". فزهد قريش وعدم ميلهم إلى الاعتداء على الغرباء، لم يكن كما رأى "الجاحظ عن "تحمس" وعن دين، وإنما كان عن طمع في المال وفي الكسب وفي الحصول على كسب من تجارة تمر بطرق يجب أن تكون آمنة بالنسبة لها أمينة، ولا يكون ذلك الأمان ممكناً،إلا بتأليف قلوب سادات القبائل، والحرص على منع أهل مكة من الاعتداء على الغرباء.

بل نجد أهل مكة يجيرون كل غريب حتى إن كان صعلوكاً أو خليعاً أو مستهتراً بالعرف والأخلاق، أو قاتلاّ غادراً، أملاً في الاستفادة منهم، وفي عدم التحرش برجالهم إن خرجوا متاجرين يحملون أموالهم لبيعها في الأسواق البعيدة، ولاستخدامهم في حمايتهم ممن قد يتحرش بهم من الأعداء والأعراب، ونجد في كتب أهل الأخبار أسماء عديد من أمثال هؤلاء، كانوا قد لجأوا إلى مكة وأقاموا بها واستقروا وعاشوا بها مجاورين لسادتها، آمنين على حياتهم لأنهم في جوار سيد من قريش.

وفيَ القرآن الكريم آيات تدل على وجود مستوى راق في مكة، وفي أماكن أخرى للتجارة والاقتصاد،وتدل على تنسيق وعمل منظم بين التجار. وقد وردت فيه إشارات إلى "رؤوس الأموال"، وهي الأموال الخالصة التي تشغّل في التجارة والتي تعطي أيضاً المحتاجين إليها لتربو ولتعطي صاحبها الربا، كما وردت فيه إشارات إلى البيع والشراء والقروض والرهون والشركات والتكاتب والتعامل التجاري وأمثال ذلك. وكل ذلك قد نظّم وهذّب وفقاً لقواعد الإسلام وصار أساساً لنظم التجارة والمال في الإسلام. ولهذا تستدعي دراسة النظم الاقتصادية والتجارة في الإسلام الرجوع إلى السناد، وسنادها هو نظمها وقواعدها قبل الإسلام.

ويظهر من كتب التفسير والسير إن أهل مكة كانوا يسهمون في رؤوس أموال قوافلهم التي يبعثون بها إلى بلاد الشام واليمن،وفي الأعمال التجارية الأخرى.

يسهم أفراد أسرة تجارية واحدة او جملة أسر، بل معظم أفراد مكة الأحرار في تلك القوافل، كل بحسب نصيبه لينعموا بالأرياح. وقد ساعدت هذه الشركة على إعانة أصحاب السهام وعلى مساعدة أهل مكة في رفع مستواهم المعاشي. وإذا كنا لا نملك موارد تتحدث عن أنظمة تلك الشركة أو الشركات وقوانينها، وعن كيفية توزيع الأرباح بين المساهمين، وعن أنواع تلك الشركات وأصول حساباتها ووكلائها في الخارج، فمن الميسور إن نظفر بقدر كبير من جذورها وأصولها في فصول الشركات والقضايا المتعلقة بتنظيم التجارة في الإسلام في كتب التفسير والحديث والفقه خاصة، ففي هذه الفصول إشارات كثيرة إلى شؤون التجارة والاقتصاد عند الجاهليين.

ويظهر مما ذكره أهل الأخبار وأوردوه عن قوافل مكة، أن مال القافلة، لم يكن مال رجل واحد ؛ أو أسرة معينة، بل كان يخص تجاراً من أسر مختلفة،وأفراداً وجد عندهم المال، أو اقترضوه من غيرهم فرموه في رأس مال القافلة أملاً في ربح كبير.فقد ذكروا أن قافلة قريش التي كانت في خفارة "أبي سفيان" والتي أثارت معركة "بدر"، كان رأس مالها مختلطاً، ساهم فيه كل متمكن من أهل مكة. حتى "لم يبق بمكة قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعداً إلا بعث به في العير".

ويظهر من سورة "قريش" أن قريشاً كانت ترحل رحلتين في السنة: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى بلاد الشام. وهما رحلتان تجاريتان،تشتري فيها وتبيع، وتربح منها ربحاً صيرها في وضع مالي حسن. وقد صارت مكة لذلك العهد مركزاً مالياً خطيراً في الحجاز، وسوقاً لتبادل السلع. ولم تكن قريش تستورد التجارة لتخزنها في مكة، أو لتصرفها في أسواق مكة وحدها،فمكة وحدها بلدة صغيرة لا تستوعب أسواقها هذه التجارة، بل كانت تستوردها من الشمال والجنوب، لتصرف ما يمكن بيعه في أسواق مكة وهو القليل،ولتصدر وهو الغالب ما استوردته من الجنوب إلى الشمال،أعني بلاد الشام،ولتصدر ما استوردته من بلاد الشام،الى اليمن ومنها إلى بقية العربية الجنوبية والسواحل الافريقية المقابلة، فتربح من هذه الصفقات ربحاً حسناً.

وتروي كتب أهل الأخبار أن قريشاً كانوا لا يخرجون عيراً فيرحلون إلا من "دار الندوة". فكأنها كانت منطلق التجار والتجارة. ولعلهم كانوا يفعلون ذلك لكونها ندوة مكة ودار الرأي والحكم في هذه المدينة ومجلس أهل المال فيها.

وكذلك كان يفعل أهل المدن المتاجرة،تتحرك قوافلهم من ساحة مجالسها ليشاهدوا الناس، وإذا عادت أناخت في هذه الساحات أيضاً، ليراها أهل البلد، فتكون لهم فرحة تشبه أفراح العيد.

والرحلتان المذكورتان، هما من قوافل قريش الكبيرة التي كانت القافلة الواحدة منها تتألف من أكثر من ألف بعير، والتي يساهم فيهما كل من شاء ممن له مال من أهل مكة، ويريد الاتجار به، تشترك فيهما الأسر المعروفة بالغنى والتجارة من قريش ويساهم معها من له مال في ذلك الوقت، رجاء الربح والكسب. وقد كانت قافلة "أبو سفيان" التي أهاجت وقعة بدر من قبائل قريش كلها، وأخصها "بطون كعب بن لؤي". ليس فيها من "بني عامر"، إلا ما كان من "بني مالك بن حِسل"،ولذلك عرفت نفرة قريش إلى "بدر" ب "نفرة بني كعب بن لؤي".

وكانت قافلة "أبو سفيان" المذكورة، قد تاجرت ببلاد الشام وهمّت بالعودة إلى مكة، فلما سمع رسول الله بأبي سفيان مقبلاّ من الشام، بألف بعير، محملة بأموال عظيمة، ندب المسلمين اليه، وقال. هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها،فانتدب الناس، وكان أبو سفيان يتحسس الأخبار، فبلغه خبر استنفار الرسول أصحابه، فأرسل "ضمضم بن عمرو" الغفاري إلى مكة، وأمره إن ياتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم إن محمداً قد عرض لها في أصحابه. فخرج إليها، فلما بلغها، وقف على بعيره ببطن الوادي، وقد جدع بعيره وحول رحله، وشق قميصه، ثم صرخ: يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى إن تدركوها، الغوث، الغوث. فتجهز الناس سراعاً،وساروا حتى بلغوا "بدراً"، وكان "أبو سفيان"، قد غير طريقه حين سمع خبر خروج رسول الله بأصحابه، فساحل بقافلته وترك بدراً يساراً، وانطلق حتى أسرع فبلغ مكة، وكانت قريش قد نزلت "الجحفة"،فكتب إليها: انكم انما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله فارجعوا. وأمر بعض رؤساء قريش على ورود "بدر"، وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام. وفيه ماء، وعلى الإقامة ثلاثاً، ينحرون الجزور، ويطعمون الطعام، ويسقون الخمر، وتعزف عليهم القيان حتى تسمع بهم العرب وبمسيرهم وبجمعهم، فلا يزالون يهابونهم أبداً بعدها. ومضوا إلى بدر، فوقعت معركة بدر.

وما كان إصرار رؤساء قريش على المسير الى المسلمين لملاقاتهم في الطريق،اسلوباً من أسلوب التجار في الحفاظ على السمعة وفي الظهور بمظهر القوي المتمكن حتى لا يطمع بهم الطامعون ويتجاسرون عليهم. فكان خروجهم هذا نوعاً من التحدي ومظهراً من مظاهر اظهار القوة، لتخويف الغير، لعلمهم بقوتهم، فكأنهم أرادوا انزال ضربة بمن خرج مع الرسول لملاقاة القافلة، معتمدين على عددهم وقوتهم، حتى يتهيب المسلمون في المستقبل من التحرش بقوافلهم،وليكون ذلك درساً لهم. ولعلهم كانوا لا يريدون في الواقع الاشتباك مع المسلمين في قتال،وانما كانوا أرادوا مجرد تخويفهم واظهار أنفسهم مظهر القوي العزيز المهاب،كما يظهر ذلك من قول أهل الأخبار من أنهم كانوا أرادوا الاقامة ببدر ثلاثة ايام، ينحرون الجزور، ويطعمون الطعام، ويسقون الخمر، وتعزف عليهم القيان حتى تسمع بهم العرب وبمسيرهم وبجمعهم، فلا يزالون يهابونهم أبداً بعدها.

ولكن أبت الأقدار إلا إن يقع الاصطدام فوقع على نحو ما هو مذكور. وكانت "بصرى" سوق قريش في رحلتهم إلى بلاد الشام،عندما تقف قوافلهم وتحط رواحلهم، فيشترون ويبيعون ويمكثون حتى ينتهوا من تجارتهم ثم يعودون الى مكة. وكان منهم من يصل الى "غزة" ويتاجر في أسواقها، حيث تبيع أسواقها منتوجات حوض البحر المتوسط وما يرد إليها من "أوروبة" من تجارة. ويبيع التجار العرب فيها ما يحملونه من بلاد العرب من سلع مستطرفة مطلوبة في أسواق البحر المتوسط. وبها مات "هاشم بن عبد مناف" جد النبيّ، حين كان توجه للشأم بالتجارة، فأدركته منيته فمات بغزة وبها قبره، فقيل غزة هاشم.

والأدم، هي في رأس قائمة السلع التي كان يحملها أهل مكة إلى بلاد الشام، وكانوا يجمعونه من اليمن ومن الطائف ويحملونه إلى بلاد الشام والعراق. ومنه ما كان معمولاً مصقولاً معتنى به، زخرف بالذهب، لذلك عرف ب "المذاهب".

و "المذاهب" الجلود المذهبة. وهي من أرقى الجلود وأغلاها،يشتريها الأغنياء لاستعمالها في الأشياء الغالية الثمينة.

وتعّد اليمن من أهم الأماكن المصدرة لجلود البقر في جزيرة العرب، وقد كانت تحمل إلى مكة وإلى مواضع أخرى لبيعها في أسواقها منها البصرة في الإسلام،حيث كان التجار يحملون جلود البقر من اليمن إليها. واشتهرت أيضاً بعطورها لجودتها. روي أن "عبد الله بن أبي ربيعة" كان يبعث بعطر اليمن من اليمن إلى أمه "أسماء بنت مخربة"، أم "أبي جهل"، فكانت تبيعه إلى الأعطية،وكانت تضع العطور في قوارير، وتزنها، فتبيع نقداً أو ديناً. فإذا باعت ديناً كتبت مقدار الدين في كتاب. ولعل شهرة مكة بعطورها، إنما جاءتها من العطور المستوردة التي تأتي إليها من اليمن ومن أماكن أخرى.

وكان الزيت على رأس السلع التي كان يشتريها أهل مكة وتجار يثرب من بلاد الشام لصفائه ولنقاوته وجودته، وكان "دحية بن خليفة الكلبي" يتجر مع بلاد الشام بالزيت والطعام، وصادف رجوعه من الشام وقت صلاة الجمعة،والرسول يخطب، فلما سمع المصلون خلف الرسول صوت أجراس القافلة جعلوا يتسللون إليها، خشية إن يسبقوا إليها، فتباع، حتى بقيت منهم عصابة اثني عشر رجلاٌ وامرأة. فوبخهم الله بالآية )وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً، قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة،والله خير الرازقين(.

وقد عرف الزيت المستورد من الشام بالزيت الركابي،لأنه كان يحمل على الإبل من الشام.

ولم يشر أهل الأخبار إلى رحلة على شاكلة رحلتي الشتاء والصيف إلى العراق.وإنما أشاروا الى تجار منهم كانوا يتاجرون مع الحيرة. ومعنى هذا ذهاب قوافل صغيرة إلى العراق، لم تكن بحجم قوافل قريش إلى بلاد الشام أو اليمن. ولم يشر القرآن الكريم أيضاً إلى رحلة جماعية الى العراق او الى موضع آخر. مما يدل على أن قريشاً كانت ترحل رحلتين جماعيتين كبيرتين في السنة إلى بلاد الشام في الصيف، والى اليمن في الشتاء فقط. أما رحلاتهم الأخرى، فلم تكن كبيرة ضخمة وجماعية، بل كانت قوافل دون القافلتين في الحجم، وكانت خاصة أصحابها أغنياء، لهم رؤوس أموالهم، يبعثون بقوافلهم على حسابهم، في كل وقت شاؤوا، وتكون أرباحها لهم: لا يشاركهم فيها مشارك، وقد يرأسون بأنفسهم قوافلهم، فيذهبون بها إلى العراق، ولهم فيه تجار وأصحاب، فإذا باعوا عادوا ببضاعة جديدة وبما كسبوه إلى مكة.

فقد رووا إن "أبا سفيان" كان يذهب بنفسه إلى العراق للاتجار، يحمل معه حاصلات اليمن والحجاز، ويعود بحاصلات العراق وبما يحتاج اليه أهل الحجاز واليمن من بضاعة. بل ذكروا انه كان يفد على "كسرى"،يحمل اليه الهدايا تقرباً اليه. ذهب اليه مرة، ومعه خيل وأدم، فقبل "كسرى بن هرمز" الخيل وردّ الأدم وأعطاه هدايا وألطافاً. وكان من مصلحة كسرى التقرب إلى أهل مكة، فقد كانوا تجاراً، وكانوا على طريق مهم وفي مركز خطير من الناحية السياسية والتجارية، كما كان نفسه يتاجر مع العرب ويتبايع معهم، لذلك كان من مصلحته مجاملة أهل مكة والاتصال بهم.. وذكر انه قد كانت له صلات برؤساء وتجار الحيرة، وبملوكها أيضاً، يحمل اليهم الهدايا، ويأخذ منهم ألطافهم، ثم يعود بما يجده في أسواق الحيرة من تجارات. قدم مرة على عمرو بن هند، أو النعمان بن المنذر، فوجد عنده "مسافر بن عمرو بن أمية القرشي"، وكان قد ترك مكة ونزل الحيرة، وهو في قبة من أدم حمراء، أمر الملك بضربها له، إكراماً له، وكان الملك إذا فعل ذلك برجل، عرف قدره ومكانته، فالتقى ب "مسافر".

وكان أبو سفيان - كما يقول أهل الأخبار - تاجراً يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحياناً بنفسه، وكانت اليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب، وكان لا يحبسها إلا رئيس، فإذا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعت تلك الراية بيد الرئيس. وكان صديقاً للعباس،ونديمه في الجاهلية.

وكان "مسافر بن أبي عمرو بن أمية"، وهو من رجال قريش جمالاً وجوداً وشعراً، ومن فتيانها، ممن يتاجرون مع العراق، ويربح من تجارته هذه ربحاً طيباً، وكان هلاكه بالعراق. فقد كان قد خرج في تجارة إلى الحيرة، فهاك بها عند "النعمان بن المنذر"، ورثاه "أبو طالب".

وكان "عبد الله بن جدعان" من أثرياء مكة ومن تجارها. ذكر أنه تاجر مع الحيرة. ويظهر مما ذكره أهل الأخبار عنه، أنه كان ثرياً جداً، وربما عدّ أثرى قريش في أيامه، واليه تنسب قصة ادخال "الفالوذج" الى أهل مكة، حيث يذكرون أنه تعلمها من أهل العراق، وجاء ومعه طبّاخ خاص ليطبخ له طبيخ الحيرة وأهل فارس.

وكان "العاص بن واثل هاشم" السهمي من تجار مكة، الذين رحلوا بتجارتهم إلى خارج مكة. وكان من أشراف قريش. وقد مات بالأبواء.

ولعله كان خارجاً في تجارة له فمات هناك. ومن ولده "عمرو بن العاص". وقد أسلم هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة معاً. وكان تاجراً كذلك. ويذكر "ابن كثير" أن "عمرو بن العاص" وفد على "مسيلمة"، و ذلك بعد ما بعث رسول الله وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة ? فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي ? فقال: )والعصر إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر(. ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هو ? فقال: يا وبر يا وبر، وانما أنت أذنان وصدر وسائرك حفر نقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو ? فقال له عمرو، والله انك لتعلم أني أعلم انك تكذب. والرواية موضوعة، فسورة "العصر" من السور المكية ورقمها "27" حسب ترتيب نزول السور بمكة على رأي العلماء، أي قبل الهجرة، وقبل إسلام "عمرو" بزمن، وقبل مجيء "مسيلمة" إلى المدينة مع وفد حنيفة، وبعد مجيئه إليها بدأت دعوته بمعارضة الرسول. ثم إن جملة: "ماذا أنزل صاحبكم في هذه المدة ?"، جملة تشعر إن "عمرو بن العاص " كان مسلماً إذ ذاك، بينما كان هو من المشركين في ذلك العهد. ثم إن ما نسب إلى "مسيلمة" من آيات، وضع على وزن آيات القرآن ومحاكاة لها، وليس في: "يا وبر يا وبر الخ" أي شيء يضاهي: "والعصر" في النسق أو في المعنى، وعندي أن الخبر من الأخبار الموضوعة. وقد يكون "عمرو بن العاص" قد زار اليمامة، فهذا شيء غير مستبعد. فقد كان تاجراً وكان تجار مكة يسافرون إلى اليمامة والى غيرها للاتجار، أما أنه ذهب خاصة لزيارة "مسيلمة" ومكالمته على نحو ما يرد في الخبر، فأسلوب يدل على وجود الصنعة فيه أكثر مما يدل على الصحة وصدق الرواية.

وقد عرف أهل الحيرة بنشاطهم في الأسواق وباتجارهم مع أسواق جزيرة العرب وغيرها، حتى قيل: "إنك لا ترى بلداً في الأرض ليس فيه حيري".وقد كانت الحيرة نفسها سوقاً مقصودة، تشتري وتبيع، يأتيها التجار من مختلف الأمكنة، وموضع تجاري على هذه الشاكلة لا بد أن يذهب أهله إلى الأسواق الأخرى للبيع والشراء.وقد عرف أهل الحيرة بحذقهم في الصيرفة وفي بيع الفلوس. قيل لأحد اهل الحيرة ممن يتعاطى الطب: "ما لأهل الحيرة وللطب. عليك ببيع الفلوس في الطريق".

وكان تجار الحيرة يزورون مكة للاتجار بها، ولهم مع تجارها عقود وجوار وتجارة، فإذا ذهب أحدهم إلى مكة نزل على حليفه وجاره، ثم باع ما عنده من تجارة، واشترى ما يجده بمكة من سلع مطلوبة مرغوبة ثم يعود الى الحيرة. وكان منهم من كوّن مع حلفائه من أهل مكة تجارة مشتركة تتعامل بالحيرة وبمكة وبمواضع أخرى، وتسوي أشغالها بالمراسلة، يدير الحيريون منهم أعمال الشركة بالحيرة، ويدير المكيون منهم أعمالها بمكة، ثم يتراجعون في الحساب، ويقتسمون الأرباح والخسائر على وفق ما اتفقوا عليه.

وقد كانت تجارة قريش تجارة واسعة، وقد أقام تجارهم وكالات ومتاجر في مواضع متعددة، لتتولى أمر البيع والشراء. ولعلهم كانوا يمثلون مصالح مكة السياسية في الحبشة كذلك، كأن يتولى هؤلاء التفاوض مع الحكومة هناك في عقد عهود سياسية واقتصادية وما شابه ذلك. وقد كان اتصال أهل مكة بالحبشة وثيقاً ودائماً، ويظهر انهم كسبوا منافع مهمة من أعمالهم واشتغالهم في تلك البلاد.

وقد عهدت قريش إلى أناس آخرين من رجالها بقيادة قوافلها، إلى بلاد الشام أو إلى اليمن. كما قام رجال منها بتجهيز قوافل لهم لتتاجر بأموالهم. ولما هاجر الرسول إلى "يثرب" استاؤوا من خبر هجرته استياءً كبيراً،.لعلمهم بأهمية موقع "يثرب"، وبما سيقوم به المسلمون من التعرض بقوافلهم ومن تحرشهم بتجارهم وفي هذا العمل نكبة عظيمة تصيب تجارتهم وأرباحهم ومنافعهم المادية. فتشاوروا في أمرهم وتناقشوا، وقالوا: "قد عوّر علينا محمد متجرنا وهو طريقنا " وقال "أبو سفيان" و " صفوان بن أمية": "إن أقمنا بمكة أكلنا رؤوس أموالنا"، وقال أيضاً: "كناّ قوماً تجاراً، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا"، وقال غيره مثل ذلك من كلام، يشعر بمقدار الأضرار والخسائر التي منيت بها تجارة قريش بسبب هجرة الرسول إلى يثرب واعتراضه طرق القوافل. لا سيما بعد أن تبين لها إن جميع السبل التي فكرت في سلوكها لتسيير قوافلها عليها، هي غير أمينة ولا سالمة، وأن المسلمين قد أخذوا يباغتون قوافلهم حتى في الطرق الجنوبية المؤدية إلى اليمن والطرق البعيدة الى تؤدي إلى العراق.

وقد وقف المسلمون لقريش بالمرصاد، وأخذوا باعتراض قوافلهم، فما كادت تمضي سبعة أشهر من مقدم الرسول المدينة، حتى أمر "حمزة" بالتوجه إلى ساحل البحر من ناحية العيص، للتحرش بعير لقريش كانت قد جاءت من الشام تريد مكة، فيها أبو جهل في ثلاثمائة راكب، فكان خبر هذه السرية أول خبر سيء يبلغ مسامع قريش. وقد نجت القافلة، إلا أن الخبر جعل قريشاً تشعر أنه سيكون مقدمة لأخبار سيئة ستصيب مصالحها التجارية وحياتها الاقتصادية، ولن يكون لها من نجاة، إلا بالتهيؤ للقضاء على الرسول والإسلام، كما فكرت في وضع خطط لتغيير طرقها التي تسلكها في ذهابها إلى الشام باتباع طرق بعيدة سالمة، تكون بعيدة عن المسلمين، وقد سلكتها فيما بعد، حين ضيق المسلمون على قوافلها التي كانت تسير على الطرق المألوفة، فتبين أنها لم تكن سالمة أيضاٌ وأن المسلمين أخذوا يهاجمونها على كل طريق، مهما كان.

وكان من غيظهم على الرسول، ومن تأثرهم بما أصاب تجارتهم من خسارة وضرر، إن لقبوا الرسول ب "القاطع". ولما ذهب "الحجاج بن علاط"، إلى مكة، وكان تاجراً له مال بمكة أودعه زوجته، ومالاً متفرقاً في تجار أهل مكة، وكان مسلماً يكتم إسلامه، قالوا له: أخبرنا بأمر محمد، فإنه قد بلغنا إن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلدة يهود وريف الحجاز. فنعتوا الرسول ب "القاطع" لأنه قطع عليهم تجارتهم وهدد طرقهم التي يسلكونها للوصول إلى أسواق الشام وبلاد العراق.

ولما كان الشهر الثامن من مقدم الرسول المدينة، أرسل سرية إلى بطن "رابغ" بلغت "ثنية المرة"، وهي بناحية الجحفة، لتقابل عيراً لقريش، اختلف في أمرها، فقيل: كان "أبو سفيان"، وقيل بل "مكرز بن حفص"، وقيل "-عكرمة بن أبي جهل". فكان بين المسلمين والمشركين رمى، و نجت القافلة.

وكانت كبيرة على ما يظهر، إذ كان عدد رجالها، أي حراسها مائتين. ورجع المسلمون دون ان يغنموا شيئاً، وقد كانت السرية انذاراً آخر لقريش بالخطر الذي سيلحق بتجارتها وبمصالحها المادية وبأن ما كانت تربحه من أرباح لن يدوم لها فيما بعد.

وقد تمكن "أبو بصير" من إنزال ضربات موجعة بتجارة قريش، اختار "العيص"، وهو ناحية على ساحل البحر على طريق عير قريش إلى الشام موضعاً ينقض منه على قوافل قريش، فيسلب ما فيها من مال ويقتل من يقتل من المارة، حتى ضيق عليها، وهرب اليه من كان بمكة محبوساً من المسلمين، حتى تجمع عنده قريب من سبعين مسلماً، أغار بهم مرة على ركب كان يريد الشام، معهم ثمانون بعيراً، فأخذوا ذلك وأصاب كل رجل منهم قيمة ثلاثين ديناراً. فغاظ قريش تضييق "أبو بصير" عليهم، حتى كتبوا إلى رسول الله يسأله بأرحامهم إلا أدخل أبا بصير اليه ومن معه. فكتب اليه إن يعود ومن معه.

ولما عقد صلح "الحديبية" و كانت الهدنة بين قريش والرسول، استراحت  

"قريش"، وإن بقيت خائفة من أن لا تجد أمناً لها، فأرسلت قافلة في نفر من قريش فيها "أبو سفيان"، إلى "غزة" متجرها فيَ بلاد الشام، فوصلت سالمة الى هناك، وتاجرت ثم عادت وذكرت كتب التأريخ والأخبار أسماء عدد من رجال مكة كانوا يخرجون إلى التجارة بأموالهم وأموال غيرهم من أمثال أبي العاص زوج زينب بنت رسول الله، وكان يخرج تاجراً إلى الشام. وكان رجلاّ مأموناً، يخرج بماله وأموال رجال من قريش أبضعوها معه. وقد عرف "بالأمين"، وكان من رجال مكة المعدودين مالاً وأمانة وتجارة، يخرج بماله وبمال غيره تاجراً، يأتمنون به، ثم يعود فيؤدي الى كل ذي مال من قريش ماله الذيَ كان أبضع معه. وكان آخر خروجه تاجراً بأمواله وبأموال قريش قبل الفتح، خرج الى الشام فلما انصرف قافلا" لقيته سرية لرسول الله، أميرهم "زيد بن حارثة"، وكان أبو العاص في جماعة عير، وكان زيد في نحو سبعين ومائة راكب، فأخذوا ما في تلك العيرّ من الأثقال وأسروا منهم ناساً، فاستجار "أبو العاص" بزينب، فأجارته، ورد الرسول الأموال والأسرى إليه، وعاد مع القافلة إلى مكة، فأدى الى كل ذي مال من قريش ماله الذي كان أبضع معه، ثم أعلن أمام قريش شهادة الإسلام، وتركهم فقدم يثرب مسلماً، ورد رسول الله ابنته عليه.

ومن تجار قريش "صفوان بن أمية بن خلف"، ذكر انه كان أحد العشرة الذين اليهم شرف الجاهلية ووصله لهم الإسلام من عشرة بطون. وكان أحد المطعمبن في الجاهلية والفصحاء، وأحد أشراف قريش، واليه كانت الأيسار، وهي الأزلام، فكان لا يسبق بأمر حتى يكون هو الذي يجري يسره على يديه.وكان يقال له: "سداد البطحاء". وهو أحد المؤلفة قلوبهم. وكان غنياً، وكذلك كان أولاده. ورد في الحديث: إن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية، وقنطر أبوه، أي صار لهما مال كبير، كأنه يوزن بالقنطار، فهما من أسرة ثرية ثقيلة الثراء.

وتعدّ أيام مغادرة القوافل وأيام عودتها سالمة، من الأيام المشهودة في مكة، يخرج فيها أهل البلدة لتوديع القافلة متمنين لها النجاح والفلاح والعودة سالمة بربح وافر كثير، داعين آلهتهم ان تبارك في رجالها وتمنحهم العون والفلاح في البيع وفي وقايتها من شر السفر ومن أذى الأشرار قطّاع الطريق. ويخرج فيها أهل مكة فرحين مستبشرين، لاستقبال القافلة قادمةً من سفرتها البعيدة وهي محملة بسلع جديدة وبثمن ما باعته من سلع وما ربحته من فروق الأسعار: سعر الشراء وسعر البيع، حتى إذا ما بلغت القافلة مكة، كان أول واجبها زيارة رئيسها وأصحابها "البيت الحرام" لرفع الحمد والشكر إلى رب البيت على ما أنعمه عليها من الأمن والسلامة وما رزقها من ربح. ثم يعود مع أصحابه إلى بيوتهم ليستريحوا وليقوموا بتصفية حسابهم، واعطاء كل واحد من المساهمين في رأس مال القافلة نصيبه من الربح.

وقد ذكر أن قريشاً كانوا يربحون في تجارتهم للدينار ديناراً، وأن قافلة "ابي سفيان" التي كانت سبب وقعة بدر،كانت ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار،فسلّم أبو سفيان إلى أهل العير رؤوس أموالهم، وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يربحون في تجارتهم للدينار ديناراً.

وقد اشتهرت بعض الأسر من قريش بالتجارة مع الأقطار البعيده عن مكة. وقد ذكر أهل الأخبار أن بني "عبد مناف" المعروفين ب "أصحاب الإيلاف" كانوا أسرة ثرية غنيّة اختصت بالاتجار مع الخارج. وكانوا أربعة أخوة، هم: هاشم، وكان يؤالف الروم، فأمن في تجارته الى الشام. أما الأخ الثاني، فعبد شمس، وكانت تجارته مع الحبشة. وأما الثالث فكان المطلب، وكان يرحل إلى اليمن. وأما الرابع، فهو نوفل، وكان يرحل إلى فارس. وقد عرف هؤلاء ب "المتجرين " وب "المجبرين" وب "المجيرين".

ولم يكن الإيلاف إيلافاً مع الروم أو الفرس أو الحبشة، وإنما كان إيلافاً مع سادات القبائل. فبفضل العقود والعهود التي عقدها "هاشم" واخوته مع سادات العرب أمكن مرور قوافل مكة بأمن وسلام نحو العراق وبلاد الشام واليمن والحبشة. ولولا هذه العقود التي جبرت قلوب سادات القبائل بتقديم حقوق مرورٍ لهم، أو بإشراكهم في مال القافلة، بحمل تجار مكة ما عندهم من سلع لبيعها على حسابهم، وتقديم ثمنها مع الربح الذي جاؤوا به على سعر البيع المقدر، لما كان في إمعَان قريش ضبط أولئك الأعراب ومنعهم من التحرش بقوافلهم ومرورها إلى الأسواق بأمن وسلام.

ويرجع أهل الأخبار مبدأ "الإيلاف" وخروج قريش من مكة بالقوافل إلى بلاد الله الأخرى إلى "هاشم بن عبد مناف"، فهم يذكرون إن قريشاً كانوا تجاراً " وكانت تجارتهم لا تعدو مكة، انما تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم ثم يتبايعونها بينهم ويبيعونها على من حولهم من العرب، فكانوا كذلك حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام فنزل بقيصر، فكان يذبح كل يوم شاة ويصنع جفنة ثريد ويجمع من حوله فيأكلون،وكان هاشم من أجمل الناس وأتمهم، فذكر ذلك لقيصر فقيل له: ها هنا رجل من قريش يهشم الخبز ثم يصب عليه المرق ويفرغ عليه اللحم، وانما كانت العجم تصب المرق في الصحاف ثم تأتدم بالخبز، فدعا به قيصر، فلما رآه وكلمه أعجب به، فكان يبعث اليه في كل يوم فيدخل عليه ويحادثه، فلما رأى نفسه تمكن عنده قال له: أيها الملك، إن قومي تجار العرب، فإن رأيت إن تكتب لي كتاباً تؤمن تجارتهم فيقدموا عليك مما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه فتباع عندكم فهو أرخص عليكم ! فكتب له كتابَ أمان لمن يقدم منهم، فأقبل هاشم بذلك الكتاب، فجعل كلما مرّ بحيّ من العرب بطريق الشام أخذ من أشرافهم إيلافاً - والإيلاف: أن يأمنوا عندهم في أرضهم بغير حلف انما هو أمان الطريق - وعلى ان قريشاً تحمل اليهم بضائع فيكفونهم حملاتها ويؤدون اليهم رؤوس أموالهم وربحهم، فأصلح هاشم ذلك الإيلاف بينهم وبين أهل الشام حتى قدم مكة فأتاهم بأعظم شيء أتوا به بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم معهمُ يجوّزهم يوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب حتى أوردهم الشام وأحلهم قراها، ومات في ذلك السفر بغزة. وخرج المطلب ابن عبد مناف إلى اليمن فأخذ من ملوكهم عهداً لمن تجر اليهم من قريش، وأخذ الإيلاف كفعل هاضم، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف،وكان يسمى "الفيض" وهلك بردمان من اليمن. وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى الحبشة، فأخذ إيلافاً كفعل هاشم والمطلب، وهلك عبد شمس بمكة فقبره بالحجون. وخرج نوفل ابن عبد مناف وكان أصغر ولد أبيه فأخذ عهداً من كسرى لتجار قريش وإيلافاً ممن مر به من العرب، ثم قدم مكة ورجع إلى العراق فمات بسلمان. واتسعت قريش في التجارة في الجاهلية وكثرت أموالها، فبنو عبد مناف أعظم قريش على قريش منة في الجاهلية والاسلام". وبهذا القصص، أوجد أهل الأخبار مبدأ الإيلاف، و مبدأ خروج قريش بالتجارة إلى الأقطار المذكورة. ويكون عمل "آل عبد مناف" وفق هذه القصة، عملين: أخذهم أماناً من الملوك المذكورين بمعاملة قريش معاملة حسنة وحمايتهم لهم في أرضهم من كل تعدّ قد يقع عليهم، ومراعاتهم مراعاة خاصة حين مجيئهم اليهم للاتجار، معاملة الأحسن حظوة بين التجار الذين يتاجرون في أسواقهم، والعمل الثاني، هو عقدهم الإيلاف مع سادات القبائل الذين يمرون بهم في ذهابهم وإيابهم إلى الشام والعراق واليمن والحبشة، بأن يأمنوا عندهم في أرضهم، ولا يعتدى على أحد منهم.

وموضوع ذهاب هاشم واخوته إلى الشام أو العراق أو اليمن أو الحبشة،موضوع طبيعي لا داعي إلى اثارة الشك حوله، فقد وجدنا أن غيرهم من تجار مكة كانوا يتاجرون مع الأماكن المذكورة، تاجروا معها قبلهم وتاجروا معها بعدهم، أما أنهم التقوا بقيصر وبكسرى وبالنجاشي وبتبابعة اليمن، وتعاقدوا وتعاهدوا معهم، فقضية أخرى فيها نظر، وقد عوّدنا أهل الأخبار على سماع مثل هذا القصص. وكل ما نستطيع أن نصوره فيما لو صدقنا بالخبر، هو أن أولئك الأخوة قد قابلوا بعض موظفي الحدود وتصادقوا معهم وقدّموا لهم بعض الهدايا، فصاروا يتساهلون معهم في جباية الأعشار وفي أخذ حقوق المرور، فشاع بين قومهم أنهم تعاقدوا مع أولئك الملوك.

والإيلاف، العهد والذمام وشبه الإجازة بالخفارة، من ألف بينهما تأليفاً، أوقع الألفة وجمع بينهما بعد تفرق ووصلهما، ومن ذلك المؤلفة قلوبهم، أمر النبي بتألفهم، أي بمقاربتهم وإعطائهم من الصدقات ليرغبوا من وراءهم في الإسلام، ولئلا تحملهم الحميةّ مع ضعف نياتهم على أن يكونوا مع الكفار على المسلمين. وصار أهل مكة، بفضل الإيلاف، آمنين امتيارهم وتنقلاتهم شتاءً وصيفاً والناس يتخطفون من حولهم، فإذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله فلا يتعرض لهم أحد. فالإيلاف العهود التي أخذتها قريش من سادات القبائل إذا خرجت في التجارات فتأمن بها.

وقد عرف أصحاب الايلاف،وهم الاخوة الأربعة أبناء عبد مناف ب "المجيرين"إذ كانوا يؤلفون الجوار يتبعون بعضه بعضاً، يجيرون قريشاً بميرهم ويجبرون فقيرهم، ولذلك قيل لهم "المجبرين".

وذكر أن كل واحد من الأخوة المذكورين أخذ حبلاّ من ملك. فأما هاشم فإته أخذ حبلاً من ملك الروم، وأما عبد شمس، فإنه أخذ حبلا" من النجاشي. وأما المطلب، فإنه أخذ حبلاّ من أقيال حمير. وأما نوفل، فإنه أخذ حبلاً من كسرى، فكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بحبال هؤلاء.

و "الحبل" العهد والذمة والايمان، يقال كانت بينهم حبال فقطعوها، أي عهود وذمم. وذلك أن العرب كانت تخيف بعضها بعضاً فكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ عهداً من سيد قبيلة فيأمن بذلك ما دام في حدودها حتى ينتهي إلى أخرى فيأمن بذلك. والحبل الحلف أيضاً والعصم. فالحلف بمعنى العهد بين القوم والمعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق. وقد كانت الأحلاف كما سبق أن تحدثت عنها من أهم سمات الجاهلية، وقد نهي عنها في الإسلام، لما كانت توقعه من أضرار في المجتمع بسبب التكتلات والتحزبات والعصبية التي تؤدي إلى القتال. فورد: لا حلف في الإسلام وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كَحلف المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه الرسول: وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة. يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق. وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام.

وكانت للعرب تعابير ومصطلحات في اعطاء العهد والأمان، ومنها مصطلح: "لا بأس". والبأس العذاب والشدة والخوف، وإن قال الرجل لعدوه لا بأس عليك، فقد أمنه، لأنه نفى البأس عنه. وهو في لغة "حمير" "لبات".

وبفضل اتباع سياسة تأليف قلوب القبائل، باشراك ساداتها في تجارة قريش، أو اعطاء سادتها جعالة مرور، أو هدايا، أو بالتصاهر معها، أو باكراء إبلها لنقل تجارة قريش، تمكنت قريش من تأليف قلوب سادات القبائل، فأمنت على نفسها، وصارت قوافلها تخرج في أي وقت شاءت من أوقات السنة في الشهور الحل أو في الشهور الحرم. لا تخشى بأساً، حتى انها صارت تعطي أمانها لغيرها، وبذلك ألفت القبائل الأخرى التي لم تكن لها عقود وإيلاف وحبال مع القبائل المحالفة لقريش، فصارت تحمل كتاب أمان قريش وشعارها، وهو ما عضد من شجر الحرم، يوضع حول العنق، على ما يزعمه أهل الأخبار، فيكون جواز سفر وكتاب مرور.

والإيلاف، أي عقد "الحبال" مع سادات القبائل، عمل مهم جداً بالنسبة لكل صاحب عمل وتاجر. إذ يتمكن التاجر به من حماية نفسه وماله ومن المرور بأمن وسلام، دون أن يتعرض لخطر النهب والسلب، وهو حتى إذا تعرض للخطر، فإن سيد القبيلة بنفوذه وبسيادته على قبيلته كفيل بأن يعيد اليه ما انتهب منه. ولهذه الأهمية، عقدت قريش الحبال مع سادات القبائل الذين تمر تجارة تجارها بأرضهم. عقدتها قريش، أو أمضاها تجار من تجارها،بما لهم من صداقة وصلات زواج وروابط بسادات القبائل، ولا سيما بسادات قبائل المناطق التي تمر الطرق التجارية بأرضها، فلهذه القبائل بالذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى كل تاجر، وللحكومات بصورة خاصة بالطبع، ولهذا تنافست على الاستحواذ عليها حكومات اليمن وحكومة الحيرة، والساسانيون. وقد رأينا "امرأ القيس" المتوفى سنة "328" للميلاد يصل بجيشه إلى "نجران" مدينة "شمر"، ورأينا في خبر سجل بالمسند وصول جيوش اليمن إلى أرض الخليج. فلهذه الأرضين، كاليمامة ونجد والبحرين أهمية كبيرة بالنسبة للتجارة في جزيرة العرب لمرور الطرق البرية التي تربط العربية الجنوبية بالعربية الشمالية وبالعراق وسواحل الخليج بها، ولمرور الطرق التي تربط العربية الغربية بالعربية الشرقية وبالعراق بأرضها. وقد رأينا كيف تعرضت قافلة "كسرى" التي قدمت من اليمن، قاصدة المدائن إلى السلب والنهب، وكيف تعرضت "لطيمة" النعمان إلى النهب في هذه الطرق.

ويذكر أهل الأخبار، إن تجار اليمن والحجاز، كانوا يتحفزون بقريش، إذا كانوا بأرض مضر. وان قريشاً استفادوا من عقدهم الإيلاف مع تميم وأسد، و "بني عمرو بن مرثد" من "بني قيس بن ثعلبة"، ومع قبائل "ربيعة" عامة. و "مضر" و "ربيعة"، هي من قبائل نزار، و "قريش" نفسها من ولد "مضر بن نزار" في عرف النسابين، فإذا أخذنا بذلك علماً، استطعنا القول إن هذا النسب، انما هو مصالح تجارية وروابط سياسية مصلحية، جمعت هذه القبائل في "بوتقة" مصالح مشتركة، فأوجدت منها هذا النسب الذي أفاد أهل مكة كما أفاد القبائل الأخرى المشتركة فيه، والتي كانت تتاجر في أسواق مشتركة فتبيع وتشتري وتنتفع بفضل هذا النسب السياسي.

وللنسب أهمية كبيرة في تأليف القبائل وفي المحافظة على الأمن في البوادي. واتصاهر هو من أهم الروابط التي كانت تربط بين القبائل وبين الأفراد، ومن هذه الأهمية ظهر ااتصاهر السياسي والتصاهر الاقتصادي، عند الملوك وعند سادات القبائل والأشراف، فصاهر رجال من قريش قوماً من "تميم" ومن "بني عامرابن صعصعة" ومن يثرب واليمن، وصاهر ملوك الحيرة سادات القبائل المعروفة، للاستفادة من المصاهرة لمآرب سياسية واقتصادية، بالحصول على تأييد قبائل أولئك السادة: ولمرور تجارتهم من أرضهم بأمن وسلام. وقد كانوا يعرفون كيف يختارون من يصاهرونه بالطبع، يختارونه لكثرة عدد أبناء قبيلته ولمنزلتها ولمكانتها بين القبائل، ليتخذوا منه قوة في تأديب القبائل الأخرى. وهو عمل لم يكن سادات القبائل، في جهل من أسبابه، وفي غفلة عن ادراك كنهه، لذا كانوا يتاجرون به، كما تاجر به الملوك، أو سادات القبائل، فيشترطون فيه شروطاً فيها مكاسب ومنافع لهم. كأن يطعمهم الملوك "الطعم" ويعطونهم الآكال، ويجعلون لهم جباية الطرق، وبعض الامتيازات على القبائل الأخرى، ويجعلونهم على مقربة منهم في مجالسهم، ويقربونهم بذلك على غيرهم من السادات.

وقد كان لهذا التقديم الحضري أهمية كبيرة في نفوس القبائل، فهو عندهم أمارة من أمارات التشريف والتقدير. والأعرابي وإن ازدرى الحضر والحضارة، يقر مع ذلك في نفسه بتفوق الحضري عليه، إن لم يكن بالسلاح وبالقتال، فبالحيل والغش والخداع كما يرى الأعرابي ذلك، أي باستعمال الحضري ذكاءه المبني على التجارب والتقدم في مستوى الحياة في التغلب على الأعراب البسطاء الذين وإن كانوا أذكياء بالبديهة، لكن ذكاءهم لايكافيء ذكاء الحضر في التخاص من المتاعب والورط المعقدة التي تحتاج إلى خداع.

وقد افتخر سادات القبائل اللذبن كان مستواهم العقلي فوق مستوى قبائلهم بكثير- بفضلى اتصالهم بالحضر، وزياراتهم "الأرياف" وبيوت الملوك، بل البلاد الأعجمية المتقدمة أيضاً - بهذا التقديم، واعتبروه شرفاً وتعظيماً، فأكثروا من زيارة الملوك، وانتهزوا المناسبات للاتصال بهم، وأفتخروا بما كانوا ينالونه. منهم من عطايا وصلات وخلع، وهو تكريم كان يؤدي أحياناً الى نتائج محزنة، بسبب مبالغة بعض الملوك في تكريم سيد قبيلة، وتقديمه على غيره من السادات، مما كان يثير حقد بقية السادات، الذين قد تتهيج عواطفهم عندئذ لهذا التقديم، وقد يعتبرونه إهانة خاصة قصد توجيهها اليهم، فينتقمون ممن قدم عليهم، أو ينتقمون من الملك، بالإغارة على أرضه وأمواله. ونجد تأريخ الحيرة مليئاً بحوادث سببها إسراف بعض الملوك في الانصياع لعاطفتهم بتقديم سيد قبيلة: وتأخير آخر بإجلاسه في مكان هو دون المكان الذيَ كان من اللازم اجلاسه فيه من مجلس الملك. ولقرب المكان وبعده من الملك ومن صدر المجلس أهميةَ كبيرة عند سادات القبائل وفي عرف المجتمع آنذاك، حتى صار ذلك سنة لهم، اتبعوها في مجالسهم أيضاً، فإذا دخل الناس مجلس سيد القبيلة جلسوا حسب منازلهم وأقدارهم في مجتمعهم، على الرغم من مظاهر "الدمقراطية" والمساواة التي تظهر عليهم، والتي تبدو عندهم في مخاطبة بعضهم بعضاً.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

1653 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل المئة التجارة البحرية


1653

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
       
الفصل المئة

التجارة البحرية

وليس في كتابات المسند التي وصلت الينا شيء عن التجارة البحرية. ولا يعقل بالطبع ألا يكون لسكان سواحل جزيرة العرب علم بالبحر، والا تكون لهم سفن مهما كان حجمها، كانوا يركبونها في اتجارهم مع افريقية ومع بلاد الهند وايران. فقد علمنا أن العرب الجنوبيين كانوا قد اقاموا دولة "اكسوم" في الحبشة. وقد رأينا أن من المستشرقين من يرى أن أصل كلمة "حبشت" "حبشة"،من أصل عربي، وأن "الحبشة" أرض في العربية الجنوبية في الأصل، منها هاجر الحبش، سكان تلك الأرض، وهم من العرب فنزلوا بالأرض، التي سميت باسمهم في إفريقية، وقد رأينا أيضاً أن العرب امتلكوا السواحل الأفريقية المقابلة للعربية الجنوبية أمداً طويلاً، كما امتلكوا بعضاً منها في الإسلام الى عهد غير بعيد، ولا يعقل بالطبع ذهابهم إلى تلك السواحل و نزلوهم بها بغير ركوب سفن، ولا يعقل أن يكونوا قد ذهبوا إليها بسفن أجنبية، بل لا بد وأن يكونوا قد عبروا إلى تلك السواحل بسفن كانت تعود لهم، ولا بد وأن لهم أسطول تجاري كانوا يمخرون به عباب البحار للاتجار.

وقد رأينا من كتب بعض الكتبة اليونان واللاتين إن الصومال كان يحكمه حكام عرب، وان التجار العرب كانوا يشاهدون بكثرة في "رهابتا" "Rahapta"، على مقربة من "زنجبار". وان مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"،كان قد ذكر إن رئيس "معافر" كان يحكمها بموجب حق قديم. وان أهل مدينة،"Muza" يحكمونها باسمه،ويبعثون إليها بسفن تجارية يديرها ربابنة ووكلاء عرب ألفوا أهل البلاد، واختلطوا بهم، وصاهروهم، وخبروا الساحل،واطلعوا على لغتهم.

إن خلوّ كتابات المسند من كل إشارة إلى البحر والى السفن والى الاتجار مع الأقطار الواقعة على السواحل، لأمر يؤسفنا كثيراً،فقد حرمنا الكلام على البحرية العربية وعلى علم العرب الجنوبيين بالبحار، وبات علمنا بالتجارة علماُ ضئيلاً محدوداً، وليس لنا إلا التطلع إلى المستقبل، فهو، وحده الكفيل بزيادة علمنا في هذا الموضوع.

وقد كان أكثر ثراء العربية الجنوبية من التجارة، التجارة البرية والتجارة البحرية، والاتجار بالمواد الناتجة في جزيرة العرب ذاتها، والاتجار بالمواد المستوردة من الخارج ولا سيما السواحل الافريقية أو الهند.

وقد كان الاتجار مع افريقية سهلاً يسيراً بالنسبة إلى تجار العربية الجنوبية،ولا سيما تجار اليمن. فإن الشقة بين سواحل افريقية وسواحل اليمن ليست واسعة كبيرة، ولهذا كان في استطاعة السفن الشراعية إن تقطعها بدون مشقات وصعوبة كبيرة. تذهب إلى افريقية تحمل إليها حاصلات اليمن، ثم تعود إليها وهي محملة البضائع الافريقية الثمينة، مثل الأخشاب والعاج. وبضاعة ثمينة أخرى: بضاعة حية تتحرك وتنطق، هي الزنوج. يستوردونهم شراءً من أسواق النخاسة، أو اقتناصاً من السواحل، لحاجة البلاد إلى استخدامهم في الانتاج وفي أداء الخدمات التي يأنف العربيِ عادة من القيام بها. وقد كان هذا الوارد عصاً حساساً في الانتاج في ذلك العهد.

ولم ترد في كتابات المسند التي عثر عليها في جزيرة العرب ويا للأسف معلومات عن أسفار العرب البيرية، لا إلى سواحل افريقية ولا إلى سواحل الهند وجنوب ايران. ولكن وجود السبئيين في الساحل الافريقي وتكوينهم حكومة هناك، ثم احتلال الحبش للعربية الجنوبية الغربية مراراً، وذهاب المسلمين الأوائل مهاجرين إلى الحبشة، وحث الرسول لهم على الذهاب الى أرض الحبشة، لأن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد. وهي أرض صدق. وذهاب المسلمين إلى مرسى "الشعيبة" للسفر منه بسفن التجار إليها، كل ذلك دليل على وجود اتصال بحري بين افريقية واليمن.

وقد أشرت في الجزء الثاني من هذا الكتاب، إلى عثور العلماء على كتابات معينة في جزيرة "ديلوس" Delos من جزر اليونان، وهي نصوص ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى بحثنا هذا، فإنها ترينا وصول المعينيين الى هذه الجزيرة وأقامتهم فيها، واتجارهم مع اايونان، ومن يدري، فاهلّهم كانوا قد توغلوا شمالاً أيضاً، ونزلوا بلاد اليونان، وتاجروا هناك، ومع شعوب أوروبة في ذلك الى العهد. وقد ورد في نص من هذه النصوص: "هنا" أي "هانئ"،و"زيد ايل" من "ذي خذب"، نصبا مذبح ودّ وآلهة معين ب "دلث"، أي ب "ديلوس". وقد كتب بالمسند، وباليونانية، وقد جاء في النص اليوناني: "يا ودّ إلَه معين يا ودّ". وفي هذا النص والنصوص الأخرى دلالة على وجود جالية معينية في هذه الجزيرة وسكناها فيها، وعلى تعلقها بدينها وبآلهتها وعدم تركها لها حتى في هذه الأرض البعيدة عن وطنها. و من يدري? فلعلّها كانت على اتصال ببلادها، وكانت تتجر معها، فترسل إليها حاصلات اليونان و منتوجات أوروبة وتستورد منها حاصلات اليمن والعربية الجنوبية وافريقية والهند.

وقد أشرت في ذلك الجزء أيضاً إلى عثور العلماء على كتابة معينية بمصر، كتبت حوالي سنة "263" قبل الميلاد، وذلك بالجيزة. وهي كتابة قصيرة، ولكنها ذات أهمية كبيرة، لأنها تشير إلى وجود المعينيين بمصر في ذلك العهد. وعن وجود صلات تجارية ربطت بين مصر وجزيرة العرب من البرّ والبحر. وهي تتحدث عن رجل اسمه "زيد بن زيد ايل" من "آل ظبرن"، اعترف بوجود دين عليه وواجب هو توريد وتزويد " ابيتت الالت مصر"، أي "بيوت آلهة مصر"، أو "معابد الهة مصر" ب "امررن وقليمتن" "قليمتن"،أي ب "المرّ والقليمة"،ويقصد بلفظة "قليمتن" "قلمتن"، ما يقال له "Calamus"، في الانكليزية و "Kalamus" في الألمانية، ويراد به ما يقال له قصب الذريرة أو قصب الطيب. و "امررن"،بمعنى " المر"، وهو معروف مشهور عند العرب، ودواء كالصبر مرّ، استعمل في معالجة أمراض عديدة. وقد كان ذلك في شهر "كيحك" من السنة الثانية والعشرين من حكم الملك "بطلميوس". وقد ذهب "رودوكناكاس"، "Rhodokanakis" ناشر النص المذكور ومترجمه إلى احتمال كون "زيد ايل" كان كاهناً في معابد مصر، ولو كان من أصل غير مصري، فقد كان المصريون قد تساهلوا في هذا العهد - كما يرى - فسمحوا للغرباء بالانخراط في سلك الكهان وخدمة المعابد، وتساهلوا مع "زيد ايل" هذا فأدخلوه في طبقة"اويب"، "Ueeb"، وانتخبوه كاهناً ليضمن لهم الحصول على المرّ والقليمة بأسعار رخيصة لاستيراده اياها باسمه ومن موطنه مباشرة من غير وساطة وسيط.

وقد ذهب "رودوكناكس" أيضاً إلى إن "زيد ايل"، كان يستورد المرّ والقليمة لحسابه الخاص ومن ماله، بل لحساب المعابد المصرية ومن أموالها. فلم يكن هو إلا وسيطاً وشخصاً ثالثاً يتوسط ببن البائع والمشتري، يشتري تلك المادة ويستوردها باسمه، ولكنه يستوردها للمعابد ولفائدتها. وهو لا يستبعد مع ذلك احتمال اشتغاله هو لنفسه وعلى حسابه في التجارة، يستوردها لنفسه ويبيعها في الأسواق، ويتصرف بالأرباح التي تدرها كما يريد. وهو لا يستبعد أيضاً احتمال مساعدة المعابد له بتجهيزه بالمال لتقوية رأس ماله، أو انتشاله من خسارة قد تصيبه.

وقد أصيب هذا التاجر كما يظهر من هذا النص بخسارة كبيرة في شهر "حتحر" ربما أتت على كل ما كان يملكه، فهبت المعابد المصرية لإنقاذه، واعادة اعتباره المالي اليه، بإسناده بتقديم أقمشة ال "بص" "بوص" اليه. وقد أخذها وصدرها في سفينته التي يستورد بها المرّ والقليمة إلى الأسواق، فربح منها. واستورد المرّ و القليمة وأعاد إلى المعابد ثمن ما أخذه منها من تلك السلعة، وأدى ديونه في شهر "كيحك". وقد عاد اليه اعتباره وأنقذ من تلك الضائقة المالية التي حلت به بمدة قصيرة لا تتجاوز شهراً كما يرى ذلك "رودوكناكس".

ولم يذكر النص اسم الجهة التي ذهبت السفينة إليها، ولا اسم الموضع الذي ارسل "البوص" اليه، ولا اسم المكان الذي استوردت القليمة وكميات المرّ منه. و "البص" "البوص"، هو "البز" في عربيتنا. والبز: الثياب، وقيل ضرب من الثياب، وبائعه البزاز. ويظهر انه كان من الأصناف الجيدة، التي امتازت مصر به، فاشتهر في الخارج، فكان يصدَّر إلى الأسواق الخارجية. وهي لفظة معربة، عربت من أصل يوناني هو "Vissas"، ومعناه نسيج كتان، ونسيج من كتان هندي رقيق جداً.

لقد كانت حكومة البطالمة قد احتكرت صناعة نسيج الكتان وتجارة البزّ "بوص"، وبيع المرّ والبخور والعطور والصبر وغير ذلك. وكانت تنتهج في خطتها الاقتصادية نهج احتكار الدولة بيع السلع الرائجة المهمة. نعم، سمحت للتجار المستوردين باستيراد ما يشاءون من المر والبخور واللبان والصمغ والصبر وما شاكل ذلك من الخارج، ولكنها لم تسمح لهم ببيعها أو تحويلها أو تغيير شكلها من غير استئذان الحكومة وموافقتها، ذلك لأنها تعدها من المواد الداخلة في دائرة الانحصار والاحتكار "Statesmonopol"، والتابعة لمراقبة الحكومة.

أما نسج "البوص" "البص" البز، فقد أودع أمره إلى المعابد، تشرف عليه وتدير صناعته، ورثت ذلك من عهود سبقت أيام البطالمة،وذلك في مقابل السماح لها بأخذ ما يحتاج إلى استعماله في المعابد أو لحاجات رجال الدين الخاصة، وتسليم بقية ما ينسج إلى دوائر الحكومة المختصة لبيعه الناس.

ويظهر من المؤلفات اليونانية واللاتينية أن العرب كانوا يملكون سفناً في البحر الأحمر وفي البحر العربي وفي الخليج، إلا أن سفنهم لم تكن ضخمة، ولهذا لم تتمكن من مجابهة السفن الرومانية والسفن اليونانية حين نزلت تلك البحار. لأنها كانت أضخم منها، وكانت ذات أربعة صفوف من المجاذيف، كما أنها كانت سريعة الحركة وذات مرونة في الاستدارة وفي الالتفاف وفي والانتقال،وذلك بفضل أشرعتها التي طوّرت تطويراً كبيراً ليناسب تطورها هذا فعل الرياح بها، ولتتمكن من السير مع الأهوية أو ضدها، وبسبب اخر هو تطوير هندستها بصورة مستمرة، لتجاري التيار ولتقطعه بكل سهولة، دون أن يعيقها أو يلحق أذى بها. وبفضل هذا التطوير تمكنت تلك السفن من التغلب على السفن العربية، ومن ملاحقة لصوص البحر "القرصان" الذين كانوا يتحرشون بالسفن ليأخذوا ما فيها، بسفنهم الصغيرة البدائية،وبذلك صار في مستطاع السفن اليونانية والرومانية دخول الموانئ العربية والموانئ الافريقية ومن الوصول إلى الهند.

وقد أشار "أغاثرشيدس" إلى هذا التفوق، كما أشار اليه "سترابو" في أثناء كلامه على حملة "أوليوس غالوس" وعن خطأه في تقدير موقفه من البحرية العربية. فقد ذكر "سترابو" أن "أوليوس غالوس" ظن أن للعرب سفناً كبيرة في البحر وأنها ستظهر أمام سفنه وستقاومه، لهذا أمر ببناء سفن طويلة لمجابهة تلك السفن، مع أن العرب قوم تجارة وبيع وشراء، ولم يكونوا أمة حرب، لا في البحر وحده، بل في البر أيضاً. ومع ذلك بنى ما لا يقل عن ثمانين سفينة حربية، منها سفن ذوات صفّين من المجاذيف ومنها ذوات ثلاث، ومنها ذوات صف واحد... ولما أدرك خطأه ابتنى مئة وثلاثين سفينة للحمل، ركب فيها نحو من عشرة آلاف من المشاة.. وبعد أن خسر كثيراً من سفنه، غرق عدد منها وغرق من فيها من بحارة، وذلك بسبب صعوبة الملاحة لا بمقاومة من عدو.

ولا نجد في كتب أهل الأخبار ما يشير إلى وجود قوى بحرية عربية، بل نجد فيها أن سفن الروم كانت هي التي تمخر عباب البحر الأحمر وكانت هي المهيمنة عليه وأنها كانت تصل إلى سواحل افريقية وتذهب إلى الهند. ونجد فيها أن سفن الحبشة كانت تأتي "الجار" و "الشعيبة"،وموانئ عربية أخرى لتتاجر معها، وأن سفن الساسانيين كانت تهيمن على مياه الخليج العربي والبحر العربي،ثم نجد في روايات أهل الأخبار عن كيفية احتلال الحبش لليمن واحتلال الفرس لها وعن هجرة المهاجرين الاولين من مكة إلى الحبشة ووصفهم لكيفية بناء الكعبة وأخذهم لخشب سفينة رومية ما يؤيد أن الجاهليين لم يكونوا يملكون سفناً كثيرة كبيرة قوية في ذلك العهد، وأنهم كانوا قد تركوا البحر إلى غيرهم منذ عهد قبل الإسلام.

ويعود تفوق سفن اليونان والرومان على السفن العربية في البحار الى ما قبل الميلاد. لا بل نستطيع أن نرجع هذا التفوق إلى ما قبل أيام اليونان والرومان، نستطيع أن نرجعه الى أيام المصريين. فقد ورد في أخبارهم انهم أرسلوا سفنهم إلى البحر الأحمر فوصلت إلى السواحل الأفريقية،وانهم كانوا قد حفروا قناة لتصل بين نهر النيل والبحر الأحمر، فيكون في وسع السفن القادمة من البحر الأبيض من اليونان أو من ايطاليا أو من أي مكان آخر دخول نهر النيل والمرور من القناة الى البحر الأحمر ثم إلى المحيط للاتجار مع أسواق البلاد الجارة، والعودة من تلك الأسواق بحاصلات آسيا وافريقية إلى اوروبة. وهو مشروع يدل على ذكاء وحنكة في السياسة، مهّد الدرب لمشروع قناة السويس الحديث.

ولما استولى "دارا" "داريوس" على مصر، قرر اعادة ذلك المشروع المصري القديم، الذي كان قد اندثر وأكلته الرمال. بأن أمر بشق قناة تصل النيل بالبحر الأحمر عن طريق الفرع البلوزي أحد فروع النيل القديمة، بالقرب من الزقازيق، مخترقة وادي الطميلات ثم البحيرات إلى السويس. وهو مشروع يدل على ذكاء ذلك الملك وادراكه لأهمية ربط البحرين بطريق مائي، والى ما فيه من فوائد في السياسة وفي الاقتصاد وفي الناحية العسكرية.

ووضع "الاسكندر" الأكبر مشروعاً خطيراً آخر يفوق كل ما وضع من قبله من مشاريع. فقد وضع خطة السيطرة على المياه الدافئة بالسيطرة على سواحل جزيرة العرب،وذلك بالاستيلاء عليها، ويكون بذلك ملك أكبر انبراطورية عرفت حتى ذلك اليوم تمتد من الهند إلى مصر وما وراء مصر من أرضين. وقد كلف قوّاده بالالتفاف حول جزيرة العرب، وباشروا بتنفيذ الأمر بالفعل،وقد رأينا قائده "نبرخوس" " Nearchus"،على رأس أسطول ضخم، لعله أعظم أسطول شاهده الخليج والبر العربي حتى ذلك العهد، وقد رأينا كيف قرر الإحاطة بجزيرة العرب من الجنوب والغرب بالسيطرة على سواحلها وانشاء أسطول يمخر المياه المحيطة بها، بعد أن هيمن على السواحل الشرقية. وقد استعان نفسه بخبرة الفينيقيين وعلمهم بالبحر. نقلهم إلى هذه المياه وكلفهم بناء السفن له، وبإدارتها له. ولو قدر للأسكندر أن يعيش طويلا لتحقق مشروعه الضخم، ولكن القدر قضى عليه مبكراً، فمات مشروعه معه، ولم يكن لخلفائه ما كان لسيدهم من عزم، فتركوا المشروع، ولم يتحمسوا له.

وقد أدرك البطالمة قيمة القناة القديمة التي كانت تربط النيل فالبحر المتوسط بالبحر الأحمر، فأمر "بطلميوس الثاني" "185 - 146 ق. م." بإعادتها، ومكن بذلك تجاره من دخول البحر الأحمر ومن نقل التجارة من أسواقها الأصلية إلى مصر، ومنها الى أسواق اليونان والرومان وسائر بلاد أوروبة بالطرق المائية وضبط بذلك الممر المائي، العالي القديم، هذا الممر الذي فتح ذهن "دلسبس" فيما بعد فجعله يفكر في موضع أصلح رآه في المكان الحالي المعروف ب "قناة السويس" القناة العالمية التي تلعب اليوم دوراً خطيراً في الاقتصاد العالمي وفي السياسة الدولية والموقف الحربي للدول.

وعينّ البطالمة موظفين خاصين مهمتهم الإشراف على إدارة التجارة البحرية وسير السفن. فنجد في كتابة تعود إلى سنة "130" قبل الميلاد إشارة إلى موظف كان مسؤولاً عن سير السفن وعن الطريق الصحراوية الممتدة إلى قفط، ونجد أخباراً تعود إلى ما بين سنتي 120 و 110 قبل الميلاد تتحدث عن سفن كانت تسير بين مصر والهند، كما نجد فيها وفي نصوص تعود الى عهود متأخرة عن هذه اشارات إلى وجود موظفين مسؤولين عن البحرين الأحمر والهندي.

وقد كان لوقوف "هيبالس" " Hippalus"، وهو أحد اليونان أو الرومان على سرّ الاستفادة من الرياح الموسمية في تسيير السفن وفي تقصير الوقت في قطع المسافات، وفي تمكينها من الابتعاد عن أخطار السير في محاذاة السواحل أهمية كبيرة في تطوير فن الملاحة الأوروبية بالنسبة لذلك العهد. ويمكن اعتبار وقوف هذا الملاح على هذا السرّ من أهم الأحداث البارزة التي حدثت في ذلك العهد والتي مكنت الغربيين من التوفق في البحر بالنسبة لتلك الأيام. أضف إلى ذلك أن الذين خبروا البحر وعركوه من بعده أضافوا ما استفادوه من فنه ومن علم من تقدم عليه علماً آخر مكن البحارة البطالسة ثم الرومان الذين جاؤوا من بعدهم فحكموا مصر، ثم اليونان من السيادة على البحار ومن انتزاع المغانم من التجار العرب ومن غيرهم ومن إلحاق ضرر بالغ بهم، وبذلك وضعوا لمن جاء بعدهم من دول أوروبة خطط السيطرة على البحار وعلى العالم القديم.

ويعدّ القيصر الروماني "أغسطس قيصر" من أهم القياصرة الذين وجهوا أنظارهم نحو الشرق، ونستطيع إن نقول انه خليفة "الاسكندر الأول" في هذا الباب، ومن أساتذة "نابليون" في خططه العسكرية الرامية إلى السيطرة على الشرق. لقد نوى الاستيلاء على بلاد العرب، وربما على ما وراء بلاد العرب من أرضين، وكانت غايته من هذه النية - كما قال سترابو - "إما إن يسترضي العرب، وإما إن يخضعهم، كما انه فعلت في نفسه الروايات الشائعة منذ القدم إن العرب قوم واسعو الثراء، وانهم يستبدلون الفضة والذهب بعطرهم وحجارتهم الكريمة، دون إن ينفقوا مع الغرباء ما يحصلون عليه في مقايضاتهم التجارية. فأمل أحد أمرين: إما إن يحصل على أصدقاء موسرين، وإما إن يتغلب على أعداء موسرين".

واذا كان "أغسطس" قد أخفق في تحقيق مشروعه في احتلال جزيرة العرب،فإنه لم يهمل ناحية الاستفادة من البحار، فشجع الملاحين، وزاد عدد السفن الذاهبة إلى الهند، وقد كان عددها لا يزيد على عشرين سفينة في السنة الواحدة قبل أيامه، فارتفع عدد ما يصل إلى الهند منها إلى ما لا يقل عن "125" سفينة في السنة الواحدة. وقد أقام اليونان والرومان معبداً في موضع "Mauziris"،على ساحل ال"مالابار" في أيام "أغسطس"، ووجود هذا المعبد في هذا الموضع دليل على المدى الذي وصل اليه التجار اليونان والرومان في بلاد آسية، وعلى مقدار تشجيع القيصر لأولئك التجار.

وبدلاً من أن ينتظر التاجر الروماني أو اليوناني البضائع الثمينة، تأتي اليه إلى أسواق مصر أو بلاد الشام محملة بسفن عربية أو على ظهور جمال القوافل كما كان ذلك في الغالب، وهي بأسعار عالية، إرتاد هو البحر الأحمر، ومنه المحيط الهندي إلى سواحل افريقية أو سواحل العربية الجنوبية أو الهند فما وراءها، يشتري من موانئها وأسواقها ما يريد، بأسعار رخيصة جداً بالقياس إلى تلك الأسعار التي كان يدفعها للتجار الموردين في أسواق مصر أو أسواق بلاد الشام، فاستفاد هو، واستفادت حكومته منه، وخسر التجار العرب بوصول هؤلاء التجار الى تلك الأسواق ومنافستهم لهم خسائر فادحة، أوجدت خللاّ في الحياة الاقتصادية للدول العربية، وضرراً عاماً في جميع نواحي الحياة الأخرى.

وطالما تشكى الرومان واليونان من فداحة الأرباح والضرائب التي كان يفرضها التجار العرب على البضائع المرسلة اليهم، والتي كانوا يحتاجون إليها ويشترونها بأي ثمن كان. وقد ذكر "سترابون" الجغرافي الشهير في جملة الأسباب التي حملت القيصر "أغسطس" على إرسال حملته الشهيرة، هو ثراء أهل تلك البلاد، وحصولهم على ارباح مفرطة من الغرباء وفي ضمنهم الرومان واليونان من اتجارهم معهم، ومن تحكمهم في وضع الأسعار، دون أن يعطوا أولئك التجار والبلاد التي يحملون تجارتهم إليها شيئاً.

وقد كان للاحداث السياسية، في الانبراطوريتين الرومانية واليونانية أثراً كبيراً في حالة الملاحة في البحر الأحر والمحيط الهندي. ففي أيام الفتن والاضطرابات وحدوث القلاقل، لم يكن في وسع أصحاب السفن الرومان أو اليونان التوغل في البحار البعيدة عن مناطق نفوذ الانبراطوريتين،لضعف وسائل حماية السفن التجارية وحماية التجار والمستعمرات العديدة المقامة على السواحل. ولهذا نجد "سترابو" يذكر أنه قبل أيامه لم تكن هناك سفن كثيرة تجتاز البحر الأحمر، فقد كان كل ما يرسله الرومان من السفن لا يزيد على العشرين سفينة، تجتاز هذا البحر،فتصل إلى ما وراءه في المحيط.

وأخذ التجار اليونان والرومان يقصدون سواحل افريقية وبلاد العرب والهند، ويقيمون في موانئها للاتجار. وقد عثر على نقود يونانية ورومانية في مواضع متعددة من هذه السواحل، كما عثر فيها على آثار معابد ومباني تشير إلى أصل يوناني وروماني، كذلك في أخباراً لأشخاص يونانيين ورومانيين ذهبوا الى أرض سبأ للاتجار.

ولم يجد الرومان ولا اليونان مقاومة تذكر حينما ولجوا البحر الأحمر والمحيط الهندي. لقد كانت سفنهم أكبر وأقوى من سفن العرب، وأحدث منها،وأقدر على الحركة والمقاومة. تتحمل صعاب البحر، وتقاوم الأعاصير والظروف القاسية الشديدة، وتتسع لاستيعاب أعداد كبيرة من الرجال، وتحمل حملاً كبيراً بالقياس إلى السفن العربية. وهذا مما يقلل بالطبع من اجور النقل، ومن أخطار الغرق والاصطدام بصخور السواحل، ومن التعرض للصوص البحر، ويخفض من اثمان البضائع في الأسواق، ويزيد في عدد المستهلكين.

وقد رأى البحر الأحمر سفناً أقوى وأضخم من السفن العربية الصغيرة ومن سفن سكان سواحل افريقية: رأى سفناً تسير بقوة أربعة صفوف من المجاذيف "Quadriremes"أخذت تتعقب لصوص البحر،وتحمي سفن اليونان والرومان، وتحمي المستعمرات التي أنشئت على سواحل البحر الأحمر لإيواء تلك السفن،وتقديم المساعدات إلى أصحابها، وشراء السلع من القبائل الساكنة على مقربة منها، وسرعان ما صارت أسواقاً للبيع وللشراء، يبيع فيها هؤلاء التجار الأجانب ما يأتون به من تجارة من حوض البحر المتوسط، ويشترون منهم ما عندهم من مواد أولية، يقبل عليها أهل مصر واليونان والرومان وسكان البحر المتوسط.

وقد أثرت هذه الأسواق بالطبع في مصالح التجار العرب الذين كانوا يقومون بمثل هذه الأعمال، وألحقت بهم ضرراً ولا شك.

ولوعورة الساحل العربي على البحر الأحمر ولكثرة صخوره المؤذية للسفن،ولكثرة لصوص البحر فيه، ولأسباب أخرى تجنبت السفن الرومانية واليونانية هذا الساحل قدر إمكانها، فلم ترسُ به إلا في المواضع الآمنة التي أمنت النزول بها، وسيطرت عليها بوضع حاميات عسكرية بها، أو بعقد محالفات وعهود ومواثيق مع سكانها، وقد كان ميناء "مخا" " Muza" الميناء المفضل لها. قصدته للاتجار ولتموين نفسها بالماء والغذاء. وقد كان في استطاعة سفن تلك الأيام السير على مبعدة من ذلك الساحل ودون توقف حتى تصل إلى الميناء المذكور، أو إلى ميناء عدن "Arabia Eudaemon"،وبذلك تجنبت السفن المخاطر والمهالك التي كانت ستتعرض لها فيما لو سارت في محاذاة الساحل العربي.

ويظهر أن موضع "لويكه كومه"، أي "القرية البيضاء" كان ميناءً معروفاً في القرن الأخير قبل الميلاد، ففيه هبط "أوليوس غالوس" سنة "25 أو 24" قبل الميلاد في حملته التي أمر القيصر "أغسطس" بإرسالها على اليمن. ولو لم يكن من المرافئ الحسنة الصالحة لرسو السفن لما نزل به الجيش الروماني. ويكتنف تأريخه الغموض، فلم يرد اسمه كثيراً في كتب اليونان والرومان ولا في كتب الإسلاميين. ويقال إنه ظل قائماً حتى نهاية القرن الثالث بعد الميلاد. ولعلّه "الحوراء"، مرفأ سفن مصر قديماً، وقد ذكره أصحاب الرحل.

و "الجار"، فرضة أهل المدينة، ترفأ إليها السفن من أرض الحبشة ومصر وعدن والصين والبحرين، وبحذائها جزيرة في البحر ميل في ميل يسكنها التجار. فهي من الموانئ التي كان يقصدها التجار من السواحل المقابلة ومن سواحل افريقية الشرقية والمحيط الهندي. وذكر إن الناس كانوا لا يعبرون إلى الجزيرة إلا بالسفن، وهي مرسى الحبشة خاصة. وان بينها وبين المدينة يوم وليلة، وبين أيلة نحو من عشر مراحل، والى ساحل "الجحفة" نحو ثلاث مراحل. وقد عرفت تلك الجزيرة ب "قراف"، وسكانها تجار كنحو أهل الجار.

و "الشعيبة" من المراسي القديمة في الحجاز، وهي أقدم من جدة. وهي خور أمين تقصده السفن لتتزود بما تحتاج اليه من زاد وماء، ولتفرغ فيه ما تأتي به من شحن من افريقية إلى الحجاز. وهو مرفأ مكة ومرسى سفنها قبل جدة. واليه جنحت سفينة "باقوم"، التي تحطمت بدفع الريح لها، فاستعانت قريش في تجديد عمارة الكعبة بخشب تلك السفينة على نحو ما تحدثت عنه في أثناء كلامي على تجديد بناء الكعبة قبل المبعث بقليل. ومنه هاجر المسلمون إلى الحبشة في السنة الخامسة من المبعث،حيث وجدوا سفينتين للتجار حملوهم فيِها إلى الحبشة. ومنه كان يذهب تجار مكة إلى افريقية للتجارة قبل الإسلام.

وميناء "Muza"="MUZA" من موانئ اليمن المهمة على البحر الاحمر. وكان مقصوداً، وتصل اليه السفن البيزنطية والسفن الواردة من مصر، ومن هنا كانت تتزود تلك السفن بضائع البلاد العربية، أو تبيع فيه ما استوردته من مصر أو من سواحل البحر المتوسط. وقد تتزود ما تحتاج اليه من ماء وزاد، ثم تتجه الى افريقية أو الى سواحل الهند. وقد كانت به جاليات من اليونان أو من غيرهم مقيمة هناك للاتجار والتعامل مع الوطنيين. وهو ميناء "مخا" المشهور. ويذكر أهل الأخبار، إن بين "مخا" وبين "باب المندب"،أي الساحل الافريقي المقابل للساحل العربي يومين أو أكثر، وان باب المندب،مرسى ببحر اليمن،وهو اسم ساحل مقابل لزبيد اليمن، وهو برج معروف ندب بعض الملوك اليه الرجال حتى قدّ وه بالمعاول، لأنه كان حاجزاً ومانعاً للبحر عن إن ينبسط بأرض اليمن، فأراد بعض الملوك أن يغرق عدوّه، فقد هذا الجبل وأنفذه إلى أرض اليمن،فغلب على بلدان كثيرة وقرى أهلك أهلها وصار منه بحر اليمن الحائل بين أرض اليمن والحبشة والآخذ الى عيذاب وقصير إلى مقابل "قوص"،والملك هو "الاسكندر". وبهذه الطريقة أوجد أهل الأخبار لهم تأريخاً لباب المندب،وحلّوا مشكلة كيفية انفصال افريقية عن اليمن.

وميناء "Arabia Eudaemon"، هو ميناء "عدن"، وهو ميناء مهم في ذلك الوقت أيضاً، ولا يزال يحافظ على مركزه وأهميته من الوجهة العسكرية و الاقتصادية. و قد ذكره "بطلميوس" باسم، "Arabia Emporion". وقد كان مركزاً لتبادل السلع الافريقية والهندية والمصرية، ومكاناً تبحر منه السفن إلى الهند، كما تلتجئ اليه السفن الواردة من تلك البلاد. وقد استولى عليه الرومان في فترات.

ويذكر أنه في حوالي سنة "345"، أسس أحد المبشرين واسمه "ثيوفيلوس" "Theophilus" المعروف بالهندي، كنيسة في "عدن" "Adane".

وجزائر "فرسان"، من الجزر التي كان يتاجر أهلها مع الحبشة، ويذكر "الهمداني" أن سكانها كانوا يعملون في التجارة إلى بلاد الحبش، ولهم في السنة سفرة.

وميناء "Cana"، "قنا"،هو موضع "حصن غراب" "حصن الغراب". وهو سوق اللبان الذي يزرع داخل البلاد، يؤتى به إلى ذلك الميناء على ظهور الجمال، أو في الأرماث المصنوعة من الجلد، وفي القوارب. وهو ميناء تجارة كذلك مع مدن الساحل البعيد، مع بعض مدن الهند، وميناء "عمانه" "Umana"، "عمان" والموانئ التي على الخليج. وتقع "قنا" على مرتفع، قريب من "ميفع"،و "ميفع"، قرية على الساحل، و "ميفعة"،بلدة بين "ميفع" و "أحور"، إلا انها ليست على الساحل، بل بينهما مرحلة.

وأما ميناء "Moscha"،فهو "ظفار" من أعمال الشحر،قريب من صحار. وبجبال ظفار "اللبان"، واليه يحمل، وبه يقسم ويوزع، ولا يسمح بحمله إلى غيره، وقد ذكر عدد من المؤلفين اليونان واللاتين. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه "مسقط" وأنه "Mosca Portus". ويذكر أهل الأخبار،  

أن "ظفار" قرب مرباط، وتعرف ب "ظفار" الساحل،واليها ينسب القسط، وهو العود الذي يتبخر به، لأنه يجلب إليها من الهند، ومنها إلى اليمن، كنسبة الرماح إلى "الخط"، فإنه لا ينبت به، وهي قريبة من "الشحر". وكان أهل "جرها" "Gerrha" على ساحل الأحساء من أنشط الناس في التجارة، يتاجرون في البر والبحر،ويتاجرون مع الهند وسواحل ايران الجنوبية، كما كانوا يتاجرون مع العربية الجنوبية وأرض العراق. وكانوا قوماً مسالمين لا يرغبون في الحروب. فلما أراد "أنطيوخس" "Antiochus" الثالث الاستيلاء على المدينة وذلك في حوالي سنة "255" قبل الميلاد، سألوه الصلح والمهادنة، " وألا يقضى على ما أعطتهم الآلهة من سلام وحرية أزليين".

وأما مدينة "أبولوكس" "Apologus"،فهي الأبلة في الكتب الاسلامية و "Uubulum" في الكتابات الأكادية. وقد كانت من أهم موانئ أعالي الخليج في أيام فتح المسلمين للعراق. تصدر الى الهند حاصلات العراق و بلاد الشام وآسية الصغرى وأوروبة، وتستورد منها أخشاب الصندل والآبنوس ومنتجات الهند وسيلان والصين. وقد عرفها أهل الأخبار،فذكروا انها كانت أقدم من البصرة، لأن البصرة، مصرت في أيام "عمر"، وكانت الأبلة حينئذ مسالح من قبل كسرى، وقد كان تجارها يربحون ربحاً عظيماً، وهي أرض واسعة. قال "خالد ابن صفوان": "ما رأينا أرضاً مثل الأبلة مسافة، ولا أغذى نطفة، ولا أوطأ مطيةّ، ولا أربح لتاجر، ولا أحفى بعابد".

وهناك مواني عديدة أخرى، ذكر المؤلفون اليونان واللاتين أسماءها، وقد تحدثت عنها في الجزء الثالث من كتابي: "تاريخ العرب في الإسلام"، وشخصت مواقعها قدر الامكان. وقد كان لا بد من ان يكثر عدد الموانئ في تلك الأيام، فسفن ذلك العهد لم تكن ضخمة كسفن هذا اليوم، ولم يكن في استطاعتها لهذا الابتعاد عن السواحل كثيراً، ولا السير الى مسافات شاسعة، إذ كان لا بد لها من التزود دوماً بالماء والغذاء، ولا سيما بالنسبة الى السفن الصغيرة،فأخذت ترسو في مراسي كثيرة لتموين نفسهاِ ولإراحة أصحابها، من عناء البحر، ولم تتخلص السفن من تعدد الرسو في الموانئ إلا بعد تحسن صناعة بناء السفن،وظهور السفن البخارية، فانتفت حاجتها إليها، وقد قضى هذا التحسن على أكثر الموانئ، فماتت وذهبت مع العصور التي ولدت فيها.

وقد تتجه السفن من ميناء "مخا" إلى السواحل الافريقية مخترقة مضيق المندب،وقد تتجه إلى "عدن"، ثم تواصل سيرها نحو السواحل الافريقية، بعد أن تتمون بما تحتاج اليه من ماء وزاد، أو تتجه الى ميناء "أكيلا"Acilla"، الواقع على مقربة من "رأس الخيمة" "Massandum"،للاقلاع منه إلى الهندا. وهو أقرب طريق يوصل العرب الجنوبيين وعرب سواحل عمان إلى تلك البلاد.

ولما تحسنت هندسهّ بناء السفن صار في امكانها قفل مسافات أبعد من دون حاجة إلى الرسو في موانئ عديدة، وصارت السفن القادمة من مصر ترسو في ميناء "عدن" رأساً، وبعد أن يستريح أصحابها يتجهون إلى سواحل افريقية أبعد مما كانوا يصلون إليها في السابق، أو يتجهون نحو الهند. وبذلك قصر الوقت وقلت كلفة الأسفار، وصار في وسع اليونان والرومان دخول الأسواق الأصلية رأساً، يأخذون منها ما يريدون ويبيعون فيها ما عندهم دون حاجة إلى وسيط. وكانت السفن اليونانية والرومانية تتحمل من صعاب البحر، وتقاوم الأعاصير والظروف القاسية الشديدة، وتتسع لاستيعاب أعداد كبيرة من الرجال، وتحمل حملاً كبيراً بالقياس إلى السفن العربية. وهذا ما قلل بالطبع من أجور النقل، وخفض من أثمان البضائع في الأسواق، وزاد في عدد المستهلكين.

ولكن السفن اليونانية والرومانية جوبهت مع ذلك بلصوص البحر الذين كانوا يتعقبون السفن، ويغيرون عليها عند تقربها من السواحل. كان هؤلاء اللصوص قد ابتنوا سفناً لهم، فإذا رأوا سفنا يونانية أو رومانية أو غيرها وقد وقعت في قبضة الأعاصير، أو اصطدمت بالصخور البحرية أو كانت على مقربة منهم وفي مناطق يمكن وصولهم إليها، أغاروا عليها وأخذوا منها كل ما تقع أيديهم عليه.

ولا ينجو منها أحد، حتى أصحابها يؤخذون أسرى. فيباعون في الأسواق خولاً.

ولحماية السفن والتجار، أنشأ الرومان واليونان قوة بحرية حربية، تولت حراسة السفن التجارية وحماية المستعمرات التي أقاموها على سواحل هذه الطرق المائية العالمية المهمة. ولم تكن المسافات بين المستعمرات الساحلية قصيرة، ليكون في الامكان الدفاع عنها والتعاون فيما بينها. وللتغلب على هذا الضعف ولحمايتها حماية قوية زوّدوها بما تحتاج اليه من مياه عذبة ومن أطعمة ومن جنود لصد غارات المعتدين،وبذلك هيمنوا على البحار: وضبطوا البحر الأحمر بصورة خاصة، ولم يبق للعرب من مجال في التجارة العالمية إلا بسلوك الطرق البرية الموصلة إلى بلاد الشام والعراق.

وقد تكون في إشارة "بليني" "Plinus" إلى وجود جاليات يونانية على سواحل بلاد العرب في مواضع غير بعيدة عن موضع "Attevae" الذي هو "عدن"، ايماءة إلى وجود مستعمرات يونانية على سواحل جزيرة العرب أنشئت قبل أيامه لضبط الأمن في البحار وللاتجار مع العرب وبسط نفوذ الروم عليهم.

وفي جملة تلك الأماكن التي ذكرها: "Arethusa" و "Larisa"و "Chalcis". ذكر انها كلها كانت قد خربت بسبب الحروب، مما يدل على انها كانت قد أقيمت قبل أيامه بزمان.

وقد ضمنت تلك القوة العسكرية الضخمة للرومان السيطرة على البحر الأحمر وعلى البحر العربي، واستطاعت احتلال "عدن". ففي أيام "كلوديوس" "Claudius" "41 - 54م" كان هذا الميناء في قبضة الرومان. وكانت به حامية رومانية.

وتمكن هذا القيصر الذي كانت عدن خاضعة له في أيام مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"،أو أي قيصر أخر، قد يكون، "Coligula" وقد يكون "طبريوس" "Tiberius"، من عقد معاهدة مع الملك "كرب ايل" "Charibael" "ملك سبأ وذو ريدان" في ذلك الوقت. ولم يشر مؤلف الكتاب المذكور الذي لا نعرف اسمه اليوم إلى اسم القيصر، بل اكتفى بذكر، اللقب فقط، وهو "قيصر"، وهو كما نرى لقب عام، يطلق على كل من يحكم انبراطورية الرومان. وقد ذهب بعض الباحثين الى عدم امكان التفكر في القيصر "أغسطس"، والى احتمال كونه قيصراً آخر، وقد يكون بالاضافة الى من ذكرته "نيرو" أو "تراجان"، أو "سبتيموس سويرس" "سبتيميوس سفيروس" "Septimius Severus".

واهتم "تراجان" بأمر التجارة البرية والبحرية، جعل أرض النبط ولاية خاصة دعاها: "الكورة العربية" أو "المقاطعة العربية" "Arabia Provincia" وذلك سنة "106" للميلاد. واهتم بالطرق البرية، فأصلح طريقاً مهمة تمر من دمشق إلى أيلة فبصرى والبتراء، وهي طرق قديمة ومعروفة، بالنسبة للاتجار مع بلاد العرب، وكانت في حاجة إلى عناية واصلاح ووضع معالم. واعتنى بميناء "أيلة" فعمره ووضع ادارة "كمركية" فيه، وجعله من الفرض المهمة في خليج العقبة، بل والبحر الأحمر، وأصلح القناة القديمة بعد أن تراكمت فيها الأتربة حتى سدّت مجراها، وحفر قسماً جديداً من طرفها الغربي، أوصلها بالنيل عند "بابلون" "Babylon"، موضع مصر القديمة. وبذلك سهل الاتصال بالفرع الغربي للنيل المؤدي إلى الاسكندرية، وبرز ميناء "القلزم" "Clysma" حيث التقت قناة تراجان بالبحر الأحمر.

وعثر على كتابة دوّنها قوم من أهل تدمر، اشتغلوا بالملاحة في البحر الأحمر،أشادوا بفضل القيصر "هدريان" "هدريانوس" "117 - 138 م" عليهم. وتدل هذه الكتابة على اشتراك الندمريين. في الملاحة، مع انهم من أهل مدينة صحراوية، عماد حياتها التجارة بالبضائع الواردة إليها بالطرق البرية.

وقد توغل الملاحون في أيام أسرة "انطونينوس" "Antonines" "98-192م" حتى أدركوا موضع "رهابتا" على مقربة من "زنجبار" في السواحل الافريقية، ووصلوا إلى سواحل الصين في آسية. وهذا هو سر وجود أسماء مواضع في جغرافيا "بطلميوس" "في حوالي 155 - 165 للميلاد" لم ترد في كتب المؤلفين السابقين الذين عاشوا قبل هذا الجغرافي اليوناني الشهير. وفي جملة ما نص هذا الجغرافي أسماء مواضع عديدة في جزيرة العرب، لم يشر إليها المؤلفون اليونان والرومان السابقون، وأوصاف أدق وأصدق من الأوصاف التي ذكروها، وفي ذلك دلالة على زيادة علم اليونانيين والرومان في هذه الأيام بأحوال الشرق نتيجة زيادة اختلاطهم واتصالهم بالشرقيين.

ومعارفنا بأخبار الملاحة في البحر الأحمر وفي المحيط الهندي في العهد البيزنطي أي العهد الذي أصبحت فيه القسطنطينية فيه عاصمة بدلاً من روما "330 م"،قليلة ضحلة، لأن أكثر المؤرخين الذين عاشوا في هذه الحقبة ثم ما بعدها إلى ظهور الإسلام إنما اهتموا بالأمور الدينية، وكانوا إذا ما تطرقوا إلى النواحي الجغرافية أو التاريخية المعاصرة للبلاد الخارجة عن نطاق الانبراطوريه البيزنطية أو نفوذها السياسي، أوجزوا القول إِيجازاً لا يعطى القارئ رأياً في الأحوال العامة وفي ضمنها التجارة والملاحة في البحر الأحمر والمحيط الهندي.

لقد أثرت الأوضاع السياسية القلقة التي حدثت في الدولة البيزنطية، والحروب المتوالية بين الساسانيين والبيزنطيين، أثراً خطيراً على البحرية البيزنطية في البحر الأحمر وفي المحيط الهندي، إذ حدّت من توسعها، وقلصت من عدد سفنها، ولم تجد بسبب انشغال الحكومة في تلك الحروب عناية ورعاية، ولهذا اقتصر نشاطها على البحر الأحمر وعلى السواحل الافريقية التي كانت على صلات حسنة بالبيزنطيين. فكانت تصل إلى ميناء "أدولس"،ومنه يصل التجار إلى أسواق الحبشة الداخلية، أو إلى موانئ "سقطرى"،وقد كان بها مستوطنون يونانيون،أقاموا فيها منذ أمد طويل، وبنوا بها كنائس ومستوطنات للاقامة فيها، وظل بعضهم بها إلى أيام الإسلام.

وكانت السفن اليونانية تموّن نفسها بما تجده في "ادولس" وفي "سقطرى" من تجارات، بعضها من نفائس تجارة الهند جاءت بها السفن الساسانية إلى هذه المواضع، يشتريها التجار اليونان ويأخذونها إلى بلادهم.

ويذكر أهل الأخبار إن "سقطرى" كانت مركزاً هاماً من مراكز التجارة في البحر، وكان بها قوم من اليونان يحفظون أنسابهم محافظة شديدة. وقد كانوا بها من أيام ما قبل الميلاد، وربما كانوا بها قبل أيام "الاسكندر". ولما ظهرت النصرانية تنصر من كان بها من اليونانيين. ويذكرون إن قوماً منهم طرحهم "كسرى" في هذه الجزيرة. وكانت بوارج الهند تأوي إليها. وقد اشتهرت بالصبر الجيد الذي لا يوجد مثله في غيرها، وبدم الأخوين، وهو صمغ شجر يسمونه "القاطر"، وهو "الأيدع"، وقد ساكن العربُ اليونانَ. ويذكر أهل الأخبار إن "أرسطو"،هو الذي أشار على "الاسكندر"، بإجلاء أهل "سقطرى"، وإسكان طائفة من اليونان بها، لحفظ "الصبر" لعظيم منفعته. وذكروا إن بينها وبين "المخا" ثلاثة أيام مع لياليها، وان من مدنها: "بروه" و "ملتده"، و "منيسة"،وهي مسكن ملك الزنج.

أما البحرية والتجارة البحرية الساسانية، فإننا لا نعرف عنها في هذا العهد معرفة واسعة، ولا نستطيع أن نتحدث عن وجود قوة بحرية ساسانية، أو نشاط بحري في البحر الأحمر في كل العهود، وإنما كان أقصى ما وصل اليه نفوذ الساسانيين في البحر، هو باب المندب،أي مدخل البحر الأحمر، حيث وقفوا عنده. وقد صار البحر الأحمر، منذ استيلاء اليونان والرومان على مصر، بحراً يونانياً رومانياً بيزنطياً، حرسوه بأساطيل قوية، ضمنت لهم التفوق فيه، فلم يكن في وسع الفرس ولوجه أو التوغل فيه وقد ذكر أن "أردشير" الأول "225 - 241م" بنى جملة موانئ بحرية وأن"نرسي" "292 - 302م" عقد صلات ودّية مع ملك الزنوج في شرق الصومال، وأن "سابور" الثاني حوالي سنة "315 م" هاجم البحرين، وأقام حامية بها، وفتك بقبائل عديدة، وذلك رداً على هجوم تلك القبائل على سواحل فارس.

وصار للفرس نشاط ملحوظ في الخليج وفي المحيط الهندي. وقد أنشأ الفرس جملة كنائس في سواحل الهند وسقطرى،أنشأها الفرس النساطرة،و كانوا تجاراً، نزلوا في هذه المواضع للاتجار، كما كانت هنالك سفن فارسية في "أدولس". وكان الساسانيون يستغلون الظروف الحرجة، والأوضاع القلقة تقع في انبراطورية الروم، فيزيدون من نشاطهم في البحر، ويمعنون في مطاردة التجار البيزنطيين في البحر العربي وفي الخليج وفي الهند، حتى قل عدد سفن الروم، في المحيط، واكتفت بالوصول إلى باب المندب والسواحل الافريقية في بعض، الأحيان، عند اشتداد الأزمات، ووقوع قلاقل داخلية، أو نزول كوارث بالروم في الحروب.

وقد وجد الساسانيون أن من الأصلح لهم نقل التجارة الآتية إلى تجارهم من الصين والهند وسيلان إلى الخليج حيث لا يزاحمهم أحد، ومنه إلى العراق، أومن الهند والصين إلى فارس، ثم العراق ومنه الى "نصيبين"، أو إلى بلاد الشام،لبيعها إلى البيزنطيين. وفي جملة.مواد هذه التجارة "الحرير" الذي كان مطلوباً عند البيزنطيين، لأنه من الألبسة الفاخرة بالنسبة للطبقة الحاكمة ولرجال الكنيسة والطبقة المترفة المرفهة، فكان يباع بأغلى الأثمان.

وقد دخل الأحباش البحر، فكانوا يسيرون سفنهم بين السواحل الافريقية والسواحل العربية الغربية والجنوبية. ولو لم تكن لهم قوة بحرية ما تمكنوا من الاستيلاء على اليمن وعلى مواضع من العربية الجنوبية جملهّ مرات آخرها فتحهم اليمن سنة "525" للميلاد. وقد تولت سفنهم نقل حاصلات الحبشة والسواحل الافريقية إلى بلاد العرب، وكان التجار العرب ينقلون هذه السلع إلى بلاد الشام أو العراق. وقد ذكر أهل الأخبار إن "الجار"، وهي مدينة على ساحل بحر القلزم بينها وبين المدينة يوم وليلة وبينها وبين أبلة نحو من عشر مراحل، والى ساحل الجحفة نحو ثلاث مراحل، كانت فرضة،ترفأ إليها السفن من الحبشة ومصر وعدن والصين وسائر بلاد الهند، وبحذاء الجار جزيرة في البحر تكون ميلاً في ميل لا يعبر إليها إلا بالسفن، وهي مرسى الحبشة خاصة.

ولكن قوة الحبشة البحرية لم تكن قوة قوية ضخمة، ولم تكن مكونة من سفن كبيرة ذات مرونة وقابلية على الحركة، بل كانت سفناً صغيرة لا تضاهي السفن اليونانية في الضخامة وفي الفن، ولم تكن كثيرة العدد، ولا سيما في الجاهلية القريبة من الإسلام، بدليل ما ورد في بعض الروايات من إن السفن التي حملت جيش ملك الحبشة إلى اليمن لاحتلالها سنة "525" للميلاد، وذلك في عهد "ذي نواس" كانت سفناً يونانية أمر القيصر بأرسالها الى الحبشة لحمل الجيش إلى اليمن. وبدليل ما ورد في روايات إخراج الحبش وطردهم من اليمن، من إن السفن التي حملت الفرس إلى اليمن كانت ثماني سفن، غرق منها سفينتان، وبقيت ست سفن فقط، وقد تغلب من كان بها مع ذلك على الحبش.فلو كان للحبش أسطول بحري قوي، ولو كانت لهم هيمنة على البحر،لما كان في إمكان هذه السفن الفارسية الست الوصول إلى مياه اليمن، و أنزال ما فيها من جنود، ومن التغلب على الحبش والقضاء على حكمهم هناك.

وضعف بحرية الحبشة، هو الذي جعلها لا تستطيع الوفاء بوعدها للقيصر "جستنيان" "Justinian"، في شراء الحرير من الهند ومن وراء الهند، وبيعه للروم. فقد كان هذا القيصر قد أرسل في عام "531م" وفداً إلى "أكسوم"،ليفاوض الحبش في هذا الموضوع لحرمان الساسانيين من ربح كبير كانوا يجنونه من الاتجار بالحرير المستورد من الهند ومن وراء الهند، فوافقوا على ذلك،لكنهم لم يتمكنوا في النهاية من الوفاء بالوعد، لعدم تمكن سفنهم البحرية من الوصول إلى الهند ومن منافسة التجار الفرس الذين كانوا قد استقروا في سيلان وفي الهند وفي مواضع أخرى منذ عهد طويل.

ولم يتمكن الأحباش أن يفُيدوا فائدة تجارية كبيرة من فتحهم لليمن. ولم يحصل البيزنطيون على ما كانوا يتوقعون الحصول عليه من الاتصال بالحبش من البر، وذلك عن طريق "المقاطعة العربية" في جنوب بلاد الشام فالحجاز إلى اليمن. فلم يتمكن الحبش من احتلال الحجاز، للاتصال بالروم. واخفق "أبرهه" في الاستيلاء على مكة على نحو ما تحدثت عنه في موضعه. وتمكن الفرس من طردهم من اليمن بكل سهولة، دون أن يقوم الحبش ولا حلفاؤهم البيزنطيون بإرسال قوات بحرية لمقاتلة السفن الساسانية القليلة التي جاءت بمقاتلين من المساجين المجرمين، لا بجيش نظامي مدرب، وقد تمكنوا مع ذلك من التغلب على الحبش، بمساعدة كبيرة بالطبع من اليمانيين أنفسهم الذين كانوا قد أعلنوا ثورة عامة على الحبش. ولو كان للحبش أو لحلفائهم البيزنطيين أساطيل من السفن المحاربة القوية، لما تمكن الفرس من الاستيلاء على اليمن بتلك القوة الضعيفة ! ولم يكن الساسانيون أقوياء في البحر عند ظهور الإسلام،وآية ذلك هو إن  

عاملهم على اليمن، كان يرسل ألطاف اليمن وما يجمعه منها إلى "كسرى" عن طريق البر، وقد تحدثت عن تعرض "بني تميم" بقافلة كسرى التي كانت قادمة من اليمن في طريقها إلى "المدائن". ولو كان للفرس أسطول قوي من سفن ضخمة على نمط سفن البيزنطيين، لاستخدموه واسطة للنقل بين اليمن والعراق،ولسمعنا بوجوده قي البحر. وقد يقال إن الفرس استخدموا البر،لأنه أسهل عليهم من البحر، وأقصر مسافة وأسرع من حيث الوقت، ثم هو يمر بأرضين صديقة للفرس أو موالية لهم، أو تابعة لأمراء موالين لهم، خاضعين لسيادتهم، وليس في ذلك دليل على عدم وجود أسطول قوي لهم في البحر، ولكننا مع موافقتنا على هذا التعليل،فإننا لا نسمع في أخبار أهل الأخبار المنقولة من روايات فارسية أصلية، ما يفيد بوجود فعل وأثر لأسطول ساساني ما وراء عمان إلى اّلسواحل الافريقية، ثم إن الفرس كانوا قد تحكموا في السواحل العربية الجنوبية قبل فتحهم لليمن،ولكننا لا نجد في هذا العهد أثراً لحكم فارسي على السواحل العربية الجنوبية،مما يدل على زوال حكمهم عنها وعدم وجود أسطول ساساني في مياه هذه السواحل، فتخلصت منهم، واستقلت بأمرها وادارتها.

وقد استفاد أهل مكة، من الأحداث التي وقعت في اليمن، ولا سيما بعد موت أبرهة وموت مشروعه في الاستيلاء على مكة قبل وفاته. وإني أرى إن حملة "أبرهة" على مكة، لم تكن حملة غايتها هدم الكعبة. ونقض قواعدها،كما يذكر ذلك أهل الأخبار، وإنما كانت لدوافع اقتصادية وسياسية، فقد كانت مكة قد برزت وظهرت الى الوجود، قبل أبرهة واستغل أهلها مواهبهم وذكاءهم في كيفية جمع المال، حتى صاروا تجاراً ووسطاء في التجارة، يتجرون بين بلاد الشام واليمن، وبين الحبش والعراق، وصاروا أصحاب مال، لهم نقود: دنانير،ودراهم، وذهب، وفضة، وغير ذلك مما يسيل له لعاب التاجر و صاحب المال، أضف إلى ذلك وقوع مكة في موقع مهم، والاستيلاء عليه يمهد للسير نحو بلاد الشام، للاتصال بالروم، أصحاب مشروع الحملة الأصليون،كما تحدثت عن ذلك. فالعوامل إذن اقتصادية سياسية، وليست العوامل التي ذكرها أهل الأخبار.

وقد ساهم أهل الهند في تسخير البحر كذلك، فكانت سفنهم تمخره ما بين الهند وساحل الخليج إلى "الابلة". كما كانت تتجه نحو "سقطرى" وسواحل افريقية الشرقية. فقد ذكر أهل الأخبار أن "بوارج الهند" كانت تتاجر مع هذه الجزيرة. وقد مونت الهند جزيرة العرب بالحديد الجيد، الذي صنعت منه السيوف الهندوانية،نسبة إلى الهند. و "التهنيد"، عمل الهند. كما مونتهم بالعود الطيب، وبالخشب الصلد.

وبظهور الإسلام، وباستيلاء المسلمين على مصر وعلى شمالي افريقية، وبفتح بلاد الشام والعراق وايران وما وراء ايران تغير الحال بالطبع، فماتت الانبراطورية الساسانية، ومات أسطولها معها، وانقطعت صلة البحرية البيزنطية بالبحر الأحمر وبالمحيط الهندي، وأبعد الأوروبيون من البحار الدافئة إلى أن تبدلت الدنيا مرة أخرى، فظهر المكتشفون الأوروبيون وفي مقدمتهم البرتغال، فعاد التفوق البحري للغرب، وانتزع البحر من البحرية الاسلامية، لأنها ظلت جامدة محافظة لم تحدث تغييراً في هندسة السفن، ولا في أسلوب القوى المحركة لها وفي قابليتها على الحركة، فصارت عاجزة عن مقاومة العقل الحديث، وغلبت على أمرها نتيجة جمود العقلية وعدم التطور مع عقلية الزمن.

هذا ولا بد لي هنا من لفت نظر القارئ إلى ورود شيء في كتب أهل الأخبار عن حملات الروم على بلاد العرب وعلى البحر الأحمر، ولو إن هذا المذكور المدون في كتبهم، هو من نوع القصص المعروف المألوف الذي ألفنا قراءته في كتب أهل الأخبار، فيه مبالغة وغرابة وخيال، وفيه سذاجة تنم عن عقلية سطحية تروي كل ما يقال لها من غير نقد ومناقشة. وقد أخذ من أهل الكتاب وفي الإسلام في الغالب. ولكنه قصص يستند - على كل حال - الى أصل وسبب وإن كان بعيداً. ثم انه قصص طريف يريك مبلغ علم القوم بأحوال الماضين،وكيف تروون قصص الحوادث المتقدمة وينقلونه على انه تأريخ للماضين.

ويكاد يكون أكثر تأريخ من تقدم زمن الإسلام من هذا النوع.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

1652 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل التاسع والتسعون ركوب البحر


1652

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
       
الفصل التاسع والتسعون

ركوب البحر

والبحر فى رأي علماء العربية الماء الكثير، ملحاً كان أو عذباً، وقد غلب على الملح فقط، حتى قلَّ في العذب. وهو خلاف البر. وأطلق أهل العربية الجنوبية على البحر اللفظة نفسها التي نطلقها عليه، فيقولون "بحرم" أي بحر. وقد ذكر البحر في معاهدة التآخي والأخوة "تاخين" التي عقدت في القرن الرابع للميلاد بين ملك الحبشة "جدرت" والملك "يدع اب غيلإن " ملك حضرموت، لمقاومة ملك سبأ وذي ريدان. وذكر في النص المعروف بنص "أبنة"،حيث ورد: "وكل الت ذ بحرم ويبسم ومشرقم ومعربم ": ومعناه الحرفي: "وكل آلهة البحر واليابسة والمشرق والمغرب". وقد ذهب "رودوكناكس" إلى أن لفظة البحر تعني الجنوب، وأن لفظة "يبسم" "يابس" "يَبٌس" "يابسة" تعني الشمال، وأن معنى الجملة المذكورة: " وكل آلهة الجنوب والشمال والمغرب". وقد وردت اللفظة بمعنى "بحر" في نص"، "Glaser 830"، حيث جاء: "ببحرم ويبسم وكل تشعث وزبد"، أي "ببحر ويابسة وكل العطايا والهدايا".

ووردت لفظة "اليم" في القرآن الكريم، ويراد بها البحر. وقد ذكر بعض علماء اللغة انها لغة سريانية. وفي اللغة العربية ألفاظ أخرى مرادفة للبحرأيضاً، منها "القلمَّس"، و "الدأماء"، و "الكافر"، و " الحنبل"، و "الخضم"، و "العَيلْم"، وغير ذلك من ألفاظ ترد في كتب اللغة. ولجزيرة العرب سواحل طويلة تحيط بها من جميع جهاتها الثلاث، أما حدها الشمالي فهو أرض تتصل بالعراق وببلاد الشام. وقد عرف أهل السواحل البحر وعركوه، وعملوا على استغلال ثرواته قدر طاقتهم، وتعاملوا مع أهل السفن الذين كانوا يقصدونها من مسافات بعيدة، وركب جميع منهم السفن، للاتجار مع السواحل المقابلة لهم. فباعوا في أسواقها واشتروا، وقد أظهر أهل السواحل العربية الجنوبية والشرقية نشاطاً في ركوب البحر، لا نجده عند أهل السواحل الغربية، على ما يتبين من روايات أهل الأخبار.

ولتكوين رأي عن مدى وقوف الجاهليين على البحار وعلى مدى توغلهم فيها، وركوبهم أمواجها للتجارة أو للاستيطان في مواطن جديدة غريبة، لا بد لنا من الرجوع إلى مراجع لتستحلب منها مادة نكو"ن منها علمنا عن هذا الموضوع. والآثار هي أول ما يجب الرجوع اليه لاستخلاص هذه المادة، ولكنها ويا للاسف شحيحة، ليس فيها شيء كاف منها. وأما الموارد الأعجمية، مثل الموارد المدونة باليونانية واللاتينية والسريانية، فلم تتحرش بموضوع العرب والبحار وبتجارتهم في البحر. وأما الموارد الاسلامية، فهي بخيلة، ليس فيها ما يفيدنا عن العرب والبحر غير نزر يسير يفيد، إن أهل الجاهلية، كانوا يكرهون ركوب البحر، ويتهيبون منه، وانهم لم يكونوا يملكون سفنأَ لعبوره، حتى إن المهاجرين الأولين من المسلمين، لمّا هربوا من مكة إلى الحبشة، ركبوا سفنأَ بدائية حبشية، أوصلتهم إلى الحبشة، وان الخليفة".عمر" كان يتهيب ركوب البحر، وكان يوصي قواده بتجنيب جيوشهم مخاطره، والابتعاد عنه قدر الامكان، وبضرورة وضع أرض آمنة وراء الجيش ليكون في وسعهم الرجوع إليها عند المهالك والمآزق.

وانه لمّا كتب إلى "عمرو بن العاص"، يسأله عن البحر، فقال: خلق عظيم يركبه خلق ضعيف، دود على عود. كتب اليه "عمر" أن لا يركبه أحد طول حياته، فلما كَان بعد "عمر" لم يزل يركب حتى كان زمن "عمر بن عبد العزيز"، فاتبع فيه رأي "عمر". وكان منع عمر شفقة على المسلمين.

وقد عرف العربي عند الأعاجم ببغضه للبحر وبخوفه منه وبابتعاده عنه. ورد في حكم "أحيقار": "لا ترُِ العربي البحر، ولا تُرِِ الصيدوني "الصيداني الصحراء". وذلك لاشتهار العربي عندهم بسكنه في البوادي وبابتعاده عن البحر ولاشتهار أهل "صيدا" بركوبه وبقهر أمواجه.

وإذا كنا قد فشلنا في الحصول على صورة مفصلة واضحة عن العرب واليحر من الموارد التي أشرت إليها، وهي مادة المؤرخ في حصوله على مادته التأريخية، فليس لنا من سبيل لتكوين صورة ولو باهتة عن الموضوع، سوى الرجوع الى اللغة نستلهم من ألفاظها المتعلقة بالبحر وبوسائل ركوبه، ما فات وروده في تلك المصادر. فاللغة كما نعلم مظهر من مظاهر الحياة العقلية والعملية لكل أمة، وهي لم تخلق دفعه واحدة،ولم يأخذها الخلف عن السلف كاملة، وإنما خلقت بالتدريج وعلى قدر الحاجه، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلق المتكلمون بها لها ألفاظاَ جديدة وإذا اندثرت أشياء، فقد تندثر ألفاظها. واللغة مثل الناطقين بها في حياة وموت مستمرين. وإذا حصرنا الألفاظ التي أطلقها الجاهليون على البحر وعلى وسائل ركوبه وعلى كل ما فيه، نستطيع اذن أن نعرف إذا كانوا يعرفونه عنه وماذا كانوا يجهلون من أمره.

فلنأخذ الألفاط المتعلقة بالبحر اذن سنداً لنا، من لغتنا العربية نستنبط منها علم الجاهليين به، مع العلم بأن هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم لا يمكن أن تؤدي المهمة على أحسن وجه، لأنها لغة أهل بر"، وليس لأهل البر علم أهل الساحل به. والأحرى بنا الاستعانة بلغات أهل السواحل في مثل هذه الدراسة، لكننا لا نملك نصوصاً جاهلية مدوّنة بها، حتىنستنبط منها ما نريد، وليس في لهجات المسند عن البحر سوى نزر يسبر، ولكنا ما دمنا لا نملك وسيلة للإحاطة بعلم الجاهليين بالبحر سوى دراسة هذه اللغة، فما علينا إلا أن نتتيع ما جاء فيها عنه، وفي هذا الذي سنقف عليه تصوير لرأي المتكلمين بها باًلبحر،وهو تصوير يمثل رأي أهل البرّ عنه.

يقال لشاطىء البحر "الساحل" في عربية القرآن الكريم، وهوِ بمعنى ريف البحر وشاطئه. وقد وردت اللفظة في كتاب الله. وقد خصصت هذه اللفظة بالبحر، أما شط النهر، فقد عرف ب "الشاطىء". وبقال للساحل أيضاً "السيف" و "سيف البحر". وذكر علماء اللغة إن "العيقة" ساحل البحر وناحيته، وان "العدان"، موضع كل ساحل. وقيل هو الساحل نفسه.

وذكر إن " السيف ساحل الوادي، أو لكل ساحل سيف، وانما يقال ذلك لسيف عمان". وورد إن "الطف" و "الطفطاف" ساحل البحر.

و "القاموس"، بمعنى معظم ماء البحر، أو البحر، أو أبعد موضع فيه غوراَ، ووسط البحر، ولجة البحر، معظم البحر، ومنه بحر لجيّ، و "الشرم"، لجة البحر، وقيل موضع، وقيل هو أبعد قعره، أو الخليج منه. وقد ذكر "أمية بن أبي الصلت "الشروم" في وصفه جهنم:  

فتسمو لا يغيبها ضـراء  ولا تخبو فتبردها الشروم

والشرم، مرسى من مراسي خليج السويس، بينهما ستة مراحل.

و "العوطب"، لجة البحر، أو المطمئن بين الموجتين، أو أعمق موضع في البحر، و "الدردور" موضع في البحر يجيش ماؤه، قلما تسلم منه السفينة، و يخاف منه الغرق. و "الخليج"، وهو من البحر، سمي بذلك لأنه يجذب من معظم البحر، والخور الخليج من البحر، وقيل مصب الماء في البحر، وقيل مصب المياه الجارية في البحر إذا اتسع وعرض، وقيل: عنق من البحر يدخل في الأرض، والغبُ الضارب من البحر حتى يمعن في البر.

وذكر علماء اللغة أن الجزيرة إنماُ سميّت جزيرة لانقطاعها عن معظم الأرض أو لما جزر عنه. و "البضيع"، الجزيرة في البحر، والبحر نفسه. وأما "الدبر"، فقطعة تغلظ في البحر كالجزيرة يعلوها الماء وينضب عنها.

والسفينة هي واسطة النقل على وجه الماء في الاْنهار وفي البحار. وهي من الكلمات المعروفة في عربيتا، وقد أشير إليها في شعر عمرو بن كلثوم: ملأنا البرّ حتى ضاق عنّا  وموج البحر نملؤه سفينا

وقد وردت لفظة "سفينة" و "السفينة" في القرآن الكريم، ويدل ذلك على انها من الألفاظ التي كانت معروفة ومستعملة بهذا المعنى في أيام ظهور ا لاسلام.

وعبر عن السفينة بلفظة أخرى هي "الفُلك"، وتقع على الواحد والاثنين والجمع. وقد وردت في مواضع متعددة من القرآن الكريم . كما يعبر عنها ب "مركب"، والجمع مراكب. ولو إن المركب كلمة عامة تطلق على كل ما يركب عليه، فالدواب هي مركب أيضاً لمن يركبها، غير إن "المركب" السفينة على سبيل التغلب والاصطلاح. وقد عبر القرآن الكريم عن السفن والمراكب بلفظة "الجاريات" و "الجوار"، و"الجارية" كما في هذه الاية: )وله الجوارِ المنشآت في البحر كالأعلام(، وكما في هذه الآية: )ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام(، وفي مواضع أخرى. و "الجارية" المركب أيضاً، صفة غالبة لأنها تجري على الماء.

وقد وردت لفظة "الفُلك" بصورة خاصة تعبيراً عن سفينة نوح الواردة في الطوفان. ويذكر بعض المفسرين أن السفينة، أيَ "الفُلك"، كانت مصنوعة من خشب الساج، )ذات ألواح ودُ سُرْ(، أي أن ألواحها قد التصقت بعضها ببعض ب "دسر" وهي المسامير.

وورد في القرآن الكريم: )والفلك التي تجري في البحر(. وورد في الشعر: جَوافِلَ في السراب كما استقلت  فلوك البحر زال بها الشـرير

والفلوك هنا جمع "الفلك"، وأما الشرير، فشجر البحر. ويظهر من هنا أن "الفلك" هي سفينة من سفن البحر. وهي من السفن الكبيرة. وقد ورد في القرآن أيضاً )في الفلك المشحون( أي السفينة المشحونة المملوءة كما ورد: )حتى إذا كنتم في الفُلك وجرين بهم بريح طيبة(. وفي هذه الآية معنى مهم، يدل على إحاطة الجاهليين بالبحر وركوبهم فيه، وتسييرهم لها بفعل الرباح. وقد وردت في القران الكريم إشارات الى صنع الفلك والى سيرها مواخر في البحر.

ويقال للسفينة: "البارجة" أيضاً، والجمع "البوارج". وذكر انها السفن الكبار، وانها سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال.

و "القرقور": ضرب من السفن، وقيل: هي السفينة العظيمة أو الطويلة. والقرقور من أطول السفن. وجمعه قراقير. وفي الحديث: " فاذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ ركب شهداء البحر في قراقير من درّ".

و "الخليّة" العظيمة من السفن، والجمع خلايا. قال طرفة: كأنّ حدوج المالكـية، غـدوة  خلايا سفين بالنواصف من دَدِ

وقال الأعشى: يَكُبُّ الخليةّ ذات القلاع  وقد كاد جؤجؤها ينحطم

وقيل هي التي يتبعها زورق صغير.

وذكر إن من أسماء السفن الكبيرة "الخلج". وقيل انها دون العدولية. وأما "الصلفة" فسفينة كبيرة، و "الزنبرية" نوع من أنواع السفن الكبيرة. و "القادس": السفينة العظيمة، وقيل صنف من أصناف المراكب، اْو لوح من ألواحها.

وقد ضرب "لبيد ين ربيعة العامري" مثلاً بسفينة "الهندي" في طولها وعرضها وفي إحكام عملها، عملها صانعها من صفائح مشبوحة ودهنها وسدّ المسافات التي تكون بين صفائح الخشب حتى لا ينفذ منها ماء البحر. مما يدل بالطبع على وقوفه عليها وعلى شهرة تلك السفن في تلك الاْيام.

وقد اًشار بعض الكتبة من اليونان واللاتين إلى نوع من السفن دعوه" Madarata" ذكروا أن ميناء"عمانه"، "Omana "كان قد اشتهر ببنائه. وقد صنعت هذه السفن من الألواح المشدودة بالليف. وقد رأى بعض الباحثين أن هذه اللفظة من أصل عربي، هو "مدرّ عات"، ويراد بها السفن المشدودة بدروع النخل. ورأى آخرون أنها من أصل "Mabarata"، جمع "معبر"من أسماء السفن في لغة بني "إرم".

وذكر علماء اللغة أن "االمِعبٌر" ما عبر به النهر من فلك أو قنطرة أو غيره، والمعبرة سفينة يعبر بها النهر. فالمعابر إذن من الوسائل المستعملة في عبور النهر على ما يظهر من شرح أولئك العلماء.

وقريب من هذا الوصف وصف نوع من السفن عرف ب "العمائم". ذكر علماء العربية أنه: عيدان مشدودة تركب في البحر ويعبر عليها. وهو نوع بدائي بالطيع لا يمكن أن يقارن بالسفن التي كانت عند الرومان واليونان. و"الطوف" قرب ينفخ فيها ويشد بعضها الى بعض، فتجعل كهيئة السطح يركب عليها في الماء ويحمل عليها الميرة والناس، ويعبر عليها، وهو الرمث. وربما كان من خشب والجمع أطواف. وذكر بعض العلماء أن الطوف التي يعبر عليها الأنهار الكبار تسوى من القصب والعيدان يشدّ بعضها فوق بعض، ثم يقمط بالقمط حتى يؤمن انحلالها ثم تركب ويعبر عليها، وربما حمل عليها الحمل على قدر قوته وثخانته، و يرسمى: "العامة".

والرمث خشب يضم بعضه إلى بعض كالطوف ويركَب عليه في البحر. وفي الحديث إن رجلاً أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالّ: إنا نركب أرماثاً لنا في البحر ولا ماء معنا، أفنتوضأ بماء البحر. فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته. قال اًبو صخر الهذلي: تمنيت من حبـيُّ عُـلـيَةّ أنـنـا  على رمثٍ في الشرم ليس لنا وفر

وذكر علماء العربية اسم نوع من السفن قالوا له: "البوصي". وقالوا انه فارسي معرب، وان الكلمة وردت في شعر" للاعشى. وُ ذكر أن "البوصي" الملاح، وقيل الزورق، وان الكلمة معربة "بوزي".

وذهب بعض علماء اللغة إلى إن "العدولية" الواردة في قول طرفة بن العبد: عدولية أو من سفين ابـن يامـن  يجور بها الملاّح طوراً و يهتدي

سفناً منسوبة إلى قرية بالبحرين يقال لها "عدولي"، اًو إلى قوم كانوا ينزلون هجر، أو إلى عدول، رجل كان يتخذ السفن. ولا يستبعد إن يكون مراد الشاعر من السفن "العدولية"، السفن القادمة من ميناء "أدولس" "عدولي" ميناء تجاري على ساحل الحبشة اشتهر بالتجارة قبل الإسلام.

ويظهر من شعر طرفة المذكور، إن رجلا" اسمه "ابن يامين" كان تاجراً يملك سفناً، وأن سفنه كانت تمخر العباب. وذكر أيضاً أنه كان بحاراً، وورد "ابن نبتل" بدلاً من "ابن يامين".

وذكر علماء اللغة أن من أسماء المراكب المائية الصغيرة: الزورق والقارب والركوة. والزورق، السفينة الصغيرة، وقيل هو القارب الصغير. و"الركوة" زورق صغير.

وقد عرفت السفن المستعملة في القتال بأسماء خاصة، منها البارجة، وهي سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال.

والشراع هو "ماكنة" السفينة وقوتها المحركة الدافعة لها. ويقال له "القبِع" أيضاً، وجلّ كذلك. وقد ذكر علماء اللغة، أن الشراع كالملاءة الواسعة فوق خشبة من ثوب أو حصير مربوع وتر على أربع قوى، تصفقه الريح فيمضي بالسفينة. ويظهر من هذا الوصف أن أشرعة أهل الجاهلية كانت بسيطة، ولم تكن متداخلة كأشرعة الروم. والشراع البسيط على النحو المذكور، يكون ضعيفاً فاتر الهمة لا يتمكن من دفع السفن الكبيرة، بل وقد لا يتمكن حتى من دفع السفن الصغيرة بسرعة، بسبب صغر حجمه، ثم إنه لا يتمكن من الاستفادة من قوة الريح، ومن استخدام هذه القوة في توجيه السفينة بسرعة نحو هدفها،والسير بها في عرض البحر، بينما يتمكن الشراع المكون من عدة أقلعة، من الاستفادة من الريح، ومن دفع السفينة دفعاً سريعاً، ومن حملها الى عرض البحر، فيقلص من المسافات ويبعدها عن أخطار لصوص البحر، ولذلك لم تتمكن سفن أهل الجاهلية من مواجهة سفن الروم ومن تحديها، حين دخلت سفنهم البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط.

والدقل: سهم السفينة، وهو خشبة طويلة تشد في وسط السفينة، يمد عليها الشراع. والجؤجؤ: صدر السفينة، و "المرنحة": صدر السفينة كذلك، وعرى "الدقل" ب "الدوقل" كذلك وتسميه البحرية "الصاري". و "الصاري" الملاّح أيضاً، لحفظه السفينة. و "القب"، رأس الدقل، و "القرية"، خشبة مربعة على رأس القب.

وأما الذي يعدل اتجاه السفن وبغير من اتجاهها، فهو "السُكّان"، وهو "الكوثل" أيضاً. وذكر أيضاً إن "السكان" ما تسُكن به السفينة تمنع به من الحركة والاضطراب. وذكر بعض علماء العربية إن "الكوثل" مؤخو السفينة، وفيه يكون الملاحون ومتاعهم. والأغلب انه "السُكّان"، ويعبر عنه ب "الحيزرانة" كذلك. وبلفظة أخرى هي "الدويطرة". وقد عرفت بأنها كوثل السفينة.

ويعرف سكان السفينة ب "الخيزرنة" وب " الخيزران". قال النابغة يصف الفرات وقت مدّه: يظل من خوفه الملاّح معتصماً  بالخيزرانة بعد الأين والنجـد

ويستعمل الملاحون "المجاديف" "المجاذيف" في تجديف السفينة.

و "المجداف" خشبة رأسها لوح عريض تدفع بها. ويقال له "المقذف" و "المقذاف" أيضاً. ولم يتطرق علماء اللغة ولا أهل الأخبار إلى عدد "مجاديف" السفينة الواحدة، أي إلى عدد رجالها الذين كانوا يجدفون بالمجاديف. فالسفن الكبيرة الضخمة تحتاج إلى عدد من المجدفين، قد يبلغون العشرات. وقد كانت سفن الروم، ذات طابقين بالنسبة للمجدفين، فيجلس عدد منهم في الطابق الأسفل، ويجلس فوقهم عدد آخر من المجدفين، لتسير السفينة بسرعة، وقد استخدموا هذه الطريقة في سفنهم الحربية بصورة خاصة، لأنها سفن، يجب إن تعتمد على السرعة وعلى خفة الحركة لتتمكن من التغلب على سفن الأعداء.

وأما "الُمردي"، فخشبة يدفع بها الملاّح السفينة. وذلك كي يحركها عند الشواطىء والسواحل حيث تكون المياه ضحلة. والقيقلان خشبة يدفع بها السفينة أيضاً.

ويقال للذي يشتغل في السفينة ويعمل على تسييرها "الملاّح"، ويقال له "صار" و "الصاري" أيضاً. وحرفته " الملاحة". و يقال للملاّح: "السفآن" كذلك، وهو الذي يشتغل في السفن،ويعبر عنه ب "النوؤي". والجمع "نوتية" و "نوّاتين". "وفي حديث علي، كرم الله وجهه: كأنه قلع داري عنجه وتية". وورد أن "النوتي" البحار، وهو من كلام أهل الشام. واللفظة من أصل يوناني.

و "الربّان"، أو "ربان السفينة"، هو قائدها الذي يجريها. ويرى علماء اللغة أنها دخيلة معربة.

ويقال للموضع الذي ترفأ اليه السفن "المرفأ". من أصل "رفأ" بمعنى أدنى. وورد في حديث "تميم الداري": "أنهم ركبوا البحر ثم أرفأوا إلى جزيرة". ويعبر عن " المرفأ" بلفظة " الكلاّء"و " المُكلا" أيضاً.لأنه يكلأ السفن من الريح، وذلك بحبس السفن فيه لحمايته من الريح ولإنزال ما فيها، وأخذ ما فيه من تجارة وناس. ويقال للمرفأ "الميناء" كذلك، وعرفوه بأنه الموضع الذي ترفاً فيه السفن. كما يقال له: "فرضة" و"فرضة البحر" و " المرساة"، البقعة التي ترسو السفينة.

ومن مصطلحات السفن في العربية، الشحن، فيقال شحنت السفينة شحناً بمعنى ملئت، ومخرت السفينة، أي جرت. وحبت السفينة، أي جرت، وجنحت السفينة جنوحاً إذا انتهت إلى الماء القليل فلزقت بالأرض فلم تمض، وجمحت جموحاً إذا تركت قصدها فلم يضبطها الملاحون، ويقال ماهت السفينة إذا دخل فيها الماء، ورست وأرست، إذا بلغ أسفلها ا القعر فثبتت،وإذا اًرسيت وسخرت أطاعت وطاب لها السير، وحدرت السفينة أحدرها، وتقاذفت في البر جرت، وشجتّ البحر قطعته. وهناك مصطلحات عديدة أخرى يشير ورودها في اللغة إلى معرفة في البحر وفي استخدام السفن في البحار.

وعند دنوّ السفينة من الأماكن التي تريدها، ترسو في مرفأ لتفرغ حمولتها أو لتحميلها أو لتزود بما تحتاج اليه من زاد وطعام، فتلقي بمراسيها في المرفأ تثبيتاً فلا تتحرك ولا تأخذها الأمواج ولا الرياح. وبسمي الملاحون الِمرساة "الأنجر"، ويكون من الخشب الصلب الثقيل أو حديداً أو حجراً كبيراً، وقد يكون على شكل كرة، وقد يكون على شكل مربع أو مستطيل، أو على شكل "خطاف"، أو حديد محجن. فإذا أرادت السفينة الرسو أنزل إلى الماء ليستقر على القاع فتثبت السفينة. وقد وصف "الأنجر"، انه خشبات يخالف بينها وبين رؤوسها وتشدّ أوساطها في كل موضع واحد، ثم يفرغ بينها الرصاص المذاب فتصير كصخرة، ورؤوس الخشب ناتئة تشد بها الحبال وترسل في الماء إذا رست السفينة، تعريب لنكر من أصل فارسي.

وقد ذكر علماء اللغة أن "السبابجة"، هم قوم من السند يستأجرون ليقاتلوا، وكانوا قوماً جلاوزة وحرّ س السجن في البصرة أيام الإسلام. وكان رئيس السفينة البحرية يستأجرهم ليكونوا معه يبذرقونها، أي يخفروتها ويقاتلون من بتصدى لها بسوء. وقد كانت بالأبلة التي عاشت قبل البصرة جاليات جاءت إليها من الهند، فقد كان الاتجار بين الهند وجنوب العراق وسواحل جزيرة العرب اتجاراً قديراً، وقد أقامت جاليات أخرى منها في موإضع من هذه السواحل، وقد أشتهرت إلى عثور العلماء على هياكل بشرية بأرض عمان، تمثل "الدرافيديين"، أي سكان الهند القدامى، والى وجود أثر لملامح هندية في سكان سااحل عمان تظهر عليهم حتى اليوم.

وصناعة السفن الكبيرة تحتاج إلى أخشاب صلدة قوية والى مسامير من حديد تستعمل في ربط الألواح والأخشاب بعضها ببعض، والى أيدي فنية عاملة، وعلم بهندسة بناء السفن. ولم تتيسر هذه الأشياء في جزيرة العرب. فالخشب الصالح لبناء السفن غير موجود في أكثر أنحائها، و لهذا اقتصرت صناعة السفن على السفن الصغيرة في الغالب، وهي سفن ليس في مقدورها اختراق آفاق البحار الكبيرة والمحيطات، والتجول بحرية في أية ناحية كانت من نواحي البحار الواسعة. ولم يكن لها إلاّ السير في محاذاة السواحل، و هو سير يكلفها كثراً، و على السفن أن تقطع مسافات طويلة معرضة نفسها لمخاطر الاصطدام بالصخور الكامنة في المياه ولهجمات لصوص البحر الجائعين و للجوء إلى مراسي كثيرة طلباً للماء العذب والزاد، ولتمضية وقت طويل، على حين لا تحتاح السفن الكبيرة إلى كل ذلك، فهي قادرة بفضل متانتها وقوة صنعها من اختصار المسافات وتقصير الوقت وحماية نفسها من هجمات لصوص البحر باستخدام الرياح البحرية، وقطع البحر باستقامة و بحُرية إلى أي ميناء يريده الربان.

وكان على أصحاب معامل السفن العرب استيراد الخشب القوي الصالح لبناء السفن من الخارج، أو شراء السفن جاهزة من الأسواق الخارجية، وفي كلتا الحالتين يتكلف المشتغلون بالتجارة البحرية تكلفاً باهظاً ويكونون عالة في قوتهم وفي أعمالهم على الخارج. وهذا ما سهّل للرومان واليونان والفرس مزاحمة الدول العربية الجنوبية في البحر الأحمر وفي المحيط الهندي، ومن إنزال خسائر فادحة في ثروة العرب، أثرت أثراً كبيراً في الأوضاع السياسية والاقتصادية لجزيرة العرب، كما أثرت عليها من الناحية العسكرية إذ جعلت السواحل كل مكشوفة مفتوحة من الوجهة الحربية فأنزلت الدول الكبرى في مواضع منها قواتاً لحماية مصالحها التجارية وقوافلها الحربية وذلك قبل الميلاد وبعد الميلاد إلى ظهور الإسلام.

والساج من أثمن الأخشاب وأنفسها في صناعة السفن، فهو خشب مقاوم صلب، وقد استورد من الهند. ويظهر انه هو الخشب الذي ذكر "ثيوفراستسوس"،Theophrastus، انه كان بجزيرة "تيلوس"Tylus ويقصد بها البحرين، والخشب الذي كان في ميناء "عمانة" عمان الذي أشار اليه صاحب مؤلف "الطواف حول البحر الأريتيري"، والذي ذكر انه خشب مستورد من ميناء "بريجازا" بالهند.

وقد صنع الجاهليون سفنهم وقواربهم بأيديهم، مستعينين بالخشب المستورد وبالخشب المحلى. صنعوها في مواضع متعددة من سواحل جزيرة العرب، ولا سيما على سواحل الخليج، حيث تيسر لسكانها استيراد الخشب الصالح لبناء السفن من الهند. وهي صناعة لا تزال حية، إلا إن الهرم بدأ يظهر عليها، وأخذت تتقلص، وأوشكت على توديع الدنيا، لتراكم الأمراض عليها، ولعجزها عن مد نفسها بمقومات الحياة الملائمة لعصر السرعة.

وتتكون السفن الكبيرة الجيدة من سقائف، وهي ألواح السفينة. وكل لوح سقيفة. وقيل إن اللوح من ألواح السفينة، هو القادس وأما ما بين كل خشبتين من السفينة، فيقال الطائق. وتخرز السفن بالليف، ويجعل في خللها القار والجلفاط الذي يجلفط السفينة، وهو أن يدخل بين مسامير الألواح، وخروزها مشاقة الكتان، ويمسحه بالزفت والقار، وقد تطلى السفن بالقار، وتدسر. ويراد بالدسر المسامير لغاية التسمير والتدسير. وبقال للموضع الذي يجتمع فيه اغلماء الراشح جمة المركب.

ولم ترد في نصوص المسند المصورة صورة سفينة نهتدي بها إلى معرفة أشكال السفن عند إلعرب الجاهليين. كذلك لم يعثر المنقبون حتى الآن على صورة لها في النصوص التي ظفر بها في أماكن أخرى من جزيرة العرب. ولا يستبعد ان تكون سفن العرب انواعاً متعددة، بحسب أغراضها ووفرة ألخشب الصالح لبناء السفن وعلى قدر اختلاط سكان السواحل بغيرهم من اصحاب السفن. ولا أستبعد أن يكون أهل العربية الجنوبية والعربية الشرقية قد تأثروا بصناعة السفن اليونانية والساسانية والهندية والافريقية لاختلاطهم بهم، ومجيء سفن هؤلاء إلى مراسي السواحل ا لعربية، ولتمكنهم من شراء الخشب الصلد الصالح لبناء السفن من افربقية والهند.

ولم تتمكن سفن ذلك اليوم، وحتى أعظمها وأكبرها من مناطحة عواصف البحار ومقاومة أمواجها، فكثرت أمراضها و عللها، وفي جملتها ااخروق التي كانت تصيب مواضع اتصال ألواحها، فتقكك أوصالها فتهلك، ويتعرض أصحابها إلى خسائر كبيرة أضف إلى ذلك تعرضها إلى تحرش لصوص البحر بها، الذين كانوا يترصدون السفن، فإذا وجدوا فرصة مناسبة، هاجموها لأخذ ما قد يقع في أيديهم من حمولتها النفيسة. ولهذا كانت أجور نقل التجارة بالسفن عالية، لتعوض عن خسائر السرقة والغرق، ثم إن أجواف تلك السفن كانت صغيرة، لاتتحمل حملاً كبيراً، فصار أصحابها لا يحملّونها إلا السلع الغالية التي لا تحتاج إلى مكان كبير وا التي تتحمل أرباحها دفع الأجور الغالية عن نقلها الى المواضع التي يراد ايصالها إليها.

ولا يتسع هذا المكان لذكر كل الألفاظ والمصطلحات التي لها علاقة بالبحر، فهناك أسماء لمختلف أنواع السفن، وأسماء أدوات كثيرة استعملت في السفن، وأسماء للساحل وللجزر وللنياتات البحرية زغير ذلك وردت في كتب اللغة، واليها يجب إن يرجع من يريد المزيد من هذه الألفاظ والمصطلحات، غير إن علينا إن ننتبه الى إن في هذه المصطلحات، مصطلحات عديدة دخلت العربية في الإسلام. وتفيد هذه الألفاظ والمصطلحات فائدة كبيرة في الوقوف على مدى تأثر البحرية العربية الجاهلية بالبحرية الأجنبية، وذلك بدراسة أصول هذه الألفاظ والمصطلحات لمعرفة المكان الذي جاءت منه والشعب الذي مون البحارة العرب بها.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ