إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 1 يناير 2016

769 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الحادي والاربعون حملة أبرهة


769

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي

الفصل الحادي والاربعون

حملة أبرهة


وفي أيام عبد المطلب كانت حملة أبرهة على مكة، وهي حملة روّعت قريشاً وأفزعتهم، لما عرفوه من قساوة أبرهة ومن شدته في أهل اليمن، ومن انفراده بالحكم، واستبداده في الأمور،حتى انه لما مات وذهب مع الذاهبين لم تمت ذكراه كما ماتت ذكرى غيره من الحكام، بل تركت أثراً عميقاً في ذاكرة أهل اليمن، انتقل منهم إلى أهل الأخبار، فرووا عنه أقاصيص، ونسجوا حوله نسيجاً من أساطير وخرافات، على عادتهم عند تحدثهم عن الشخصيات الجاهلية القوية التي تركت أثراً في أهل تلك الأيام، حتى انهم لم يكتفوا بكل ما قالوه فيه، وكأنه لم يكن كافياً، فجعلوا منه جملة رجال سموهم "أبرهة" نصبوهم ملوكاً وتبابعة على مملكة سبأ وحمير.

والرأي الغالب بين الناس إن حملة أبرهة على مكة، كانت قبل المبعث بزهاء أربعين سنة، وميلاد الرسول كان في عام هذه الحملة، وهو العام الذي عرف ب "عام الفيل". وهو يوافق سنة "570" أو "571م". وانما عرف بعام الفيل، لأن الحبش كما يزعم أهل الأخبار جاءوا إلى مكة ومعهم فيل سموه "محموداً"، وقد جاءوا به من الحبشة. وفي بعض الروايات أن عدد الفيلة كان ثلاثة عشر فيلاً، أو اثني عشر، أو دون ذلك، أو أكثر، وأوصلوا العدد إلى ألف فيل. ولوجود الفيل أو الفيلة في الحملة، عرفت بحملهّ الفيل، وعبر عن الحبش في القرأن الكريم ب "أصحاب الفيل".

وقد ذهب بعض الرواة إلى أن عام الفيل إنما كان قبل مولد النبي بثلاث وعشرين سنة، وذكر بعضهم أنه كان في السنة الثانية عشرة من ملك "هرمز ابن انو شرُان". ولما كان ابتداء حكم "هرمز بن أنو شروان" سنة "579" فعام الفيل يكون في توالى السنة "581" للميلاد لا سنة "570" او "571" للميلاد كما يذهب الأكئرون إلى ذلك. وأما إذا اخذنا برواية من قال من الرواة وأهل الأخبار من أن عام الفيل قد كان لاثنتين واربعين سنة من ملك "انو شروان"، فيكون هذا العام قد وقع في حوالى السنة "573" للميلاد وهو رقم قريب من الرقم الذي ذهب إليه أكثر المستشرقين حين حولوا ما ذكره اهل الأخبار عن سنة ولادة الرسول إلى التقويم الميلادي.

وقد ورد ذكر هذا الحادث في القرآن الكريم: )ألم تر كيف فعل ربك باًصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل، وارسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول( وقد خاطبت هذه الآيات انرسول بأن قريشاً سوف تخيب وتحل بها الهزيمة، كما حلت بأصحاب الفيل، واصحاب الفيل اعظم منهم قوة واشد بطشاً، وهم لا شىء تجاههم، وفيها تذكير لقريش بما حل بالحبش، وما كان عهد الحبش عنهم ببعيد. وينسب الأخباريون حملة أبرهة على مكة إلى تدنيس رجل من كنانة "القليس" التي بناها أبرهة في اليمن، لتكون محجة للناس. فلما بلغ أبرهة خبر التدنيس كما يقولون، عزم على السير إلى مكة لهدم الكعبة،فسار ومعه جيش كبير من الحبش واهل اليمن.، وهو مصمم على دكها دكاً، وصرف الناس عن الحج اليها إلى الأبد. فلما وصل، هلك معظم جيشه، فاضطر إلى العودة إلى اليمن خائباً مدحورا.

ويذكر اهل الأخبار إن الرجل الذي دنس القليس،هو من النسّأة أحد بني فقيم، ثم احد بني مالك من كنانة. وقد غضب لما رآه من شأن تلك الكنيسة،ومن عزم أبرهة على صرف حاج العرب اليها، ومن مبالغته في الدعاية لها، ففعل ما فعل.

وقيل ان الرجل المذكور كان من النساك، من نساك بني فقيم، غاظه ما كان من عزم ابرهة على صرف العرب عن الحج الى مكة، فأحدث في القليس للحط من شأنها في نظر العرب، ولطخ قبلتها بحدثه، فشاع خبره بين الناس، وهزئ القوم من قليس حدث به ما حدث. وغضب ابرهة من عمله المشين هذا الموجه اليه والى كل الحبش، فعزم على هدم البيت الذي يقدسه هذا الكناني ومن يحج اليه.

ويفسر أخباريون آخرون عزم "أبرهة" على دك الكعبة وهدمها إلى عامل آخر، فهم يذكرون إن فتية من قريش دخلوا القليس فأججوا فيها ناراً، وكان يوماً فيه ريح شديدة، فاحرقت وسقطت إلى الأرض، فغضب أبرهة، وأقسم لينتقم من قريش بهدم معبدهم،كما تسببوا في هدم معبده الذيَ باهى النجاشي به.

وذكر أن "أبرهة" بنى القلَّيس بصنعاء، وهي كنيسة لم يُرَ مثلها في زمانها بشيء من الأرض، وكان نصرانياً، ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف اليها حج العرب. فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى ألنجاشي، غضب رجل من النسّأة، فخرج حتى أتى الكنيسة، فأحدث فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر بذلك اًبرهة، فغضب عند ذلك، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. وبعث رجلاً كان عنده إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة، فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد أبرهة ذلك غضباً وحنقاً، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت ثم سار وخرج معه بالفيل.

وذكر "السيوطي" سبباً آخر في قرار أبرهة غزو مكة، زعم أن أبرهة الأشرم كان ملك اليمن، وان ابن ابنته أكسوم بن الصباح الحميري خرج حاجأَ، فلما انصرف من مكة، نزل في كنيسة بنجران، فعدا عليها ناس من أهل مكة، فأخذوا ما فيها من الحلي وأخذوا قناع أكسوم، فانصرف إلى جده مغضباً، فبعث رجلا من أصحابه يقال له "شهر بن معقود" على عشرين ألفاً من خولان والأشعريين، فساروا حتى نزلوا بأرض خثعم فتيمنت خثعم عن طريقهم. فلما دنا من الطائف خرج إليه ناس من بني خثعم ونصر وثقيف، فقالوا: ماحاجتك إلى طائفنا، وإنها هي قرية صغيرة ? ولكنا ندلك على بيت بمكة يعبد فيه، ثم له ملك العرب، فعليك به، ودعنا منك، فأتاه حتى إذا بلغ المغمس، وجد إبلاً لعبد المطلب مئة ناقة مقلدة، فأنهبها بين أصحابه. فلما بلغ ذلك عبدالمطلب جاءه، وكان له صديق من أهل اليمن يقال له: ذو عمرو، فسأله أن يردّ عليه ابله، فقال: إني لا أطيق ذلك، ولكن إن شئت أدخلتلك على الملك. فقال عبد المطلب: افعل. فأدخله عليه، فقال له: إن لي اليك حاجةً. قال قضيت. كل حاجة تطلبها، ثم قص عليه قصة ابله التي انتهبها جيشه. فالتفت إلى ذي عمرو، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجباً، فقال: لو سألني كل شيء أحوزه، أعطيته اياه، ثم أمر بإرجاع ابله عليه. وأمر بالرحيل نحو مكة لهدمها. وتوجه الف شهر وأصحاب الفيل، وقد اجمعوا ما اجمعوا نحو مكة، فلما بلغوها، خرجت عليهم طير من البحر لها خراطيم كأنها البلس، فرمتهم بحجارة مسرجة كالبنادق، فشاختهم، ونزل الهلاك بهم فانصرف شهر هارباً وحده، ولكنه ما كاد يسير، حتى تساقطت اعضاء جسده فهلك في طريقه إلى اليمن وهم ينظرون إليه.

ويتفق خبر "السيوطي" هذا في جوهره وفي شكله مع الروايات الأخرى التي وصلت الينا عن حملة "أبرهة"، ولا يختلف عنها الا في أمرين: في السبب الذي من أجله قرر أبرهة هدم الكعبة، وفي الشخص الذي سار على مكة. اما السبب الذي اورده السيوطي، فهو غير معقول، لسبب بسيط واضح، هو إن ابن ابرهة، وهو أكسوم بن الصباح الحمري، هو رجل نصراني،والنصارى لا تحج إلى مكة، لأنها محجة الوثنيين، وقد عزم جدّه ابرهة على صرف العرب من الحج اليها، فكيف يحج اليها ابن ابنته،وهو على دين جدّه ? واما ما زعمه من إن "شهر بن معقود" "مقصود" هو الذي سار على مكَة سصها، وذلك بأمر من ابرهة، فإنه يخالف اجماع أهل الأخبار والمفسرين من إن ابرهة هو نفسه قاد تلك الحملة، وانه هو الذي اخذ الفيل او الفيلة معه،وسار على رأس جيش كبير من الحبش ومن قبائل من اهل اليمن كانت تخضع له. ثم إن السيوطي يشير إلى وجود "الملك" في الجيش، ولم يكن شهر بن معقود ملكاً ولم يلقبه اهل الأخبار بلقب "ملك"، وانما أنعموا بهذا اللقب على ابرهة وحده. أضف إلى ذلك إن ما ذكره السيوطي من حوار وقع بين عبد المطلب وبين الملك هو حوار يذكر اهل الأخبار انه جرى بين عبد المطلب وبين ابرهة. لذلك ارى إن الأمر قد التبس على السيوطي،فخلط بين ابرهة وبين شهر احد قادته من العرب، وانه قصد بالملك ابرهة لا القائد، وإن لم يشر إليه، بل جعل الفعل كل الفعل للقائد المذكور.

وأورد "القرطبي" رواية اخرى نسبها إلى مقاتل بن سليمان وابن الكلبي، خلاصتها: إن سبب الفيل هو ما روى إن فتية من قريش خرجوا تجاراً إلى ارض النجاشي، فنزلوا على ساحل البحر إلى بيعة للنصارى، تسميها النصارى: الهيكل، فأوقدوا ناراً لطعامهم، وتركوها وارتحلوا، فهبت ريح عاصفة على النار فأضرمت البيعة ناراً واحترقت، فأتي الصريخ إلى النجاشي، فأخبره، فاستشاط غضباً، فاًتاه ابرهة بن الصباح وحجر بن شرحبيل وابو يكنهوم الكنديون وضمنوا له احراق الكعبة. وكان النجاشي هو الملك، وابرهة صاحب الجيش، وابو يكسوم نديم الملك، وقيل وزيره، وحجر بن شرحبيل من قواده. فساروا معهم الفيل، وقيل ثمانية فيلة، ونزلوا بذي المجاز، واستاقوا سرح مكة. وتتفق هذه الرواية مع الروايات السابقة من حيث الجوهر، ولا تختلف عنها الا في جعل الكنيسة المحققة بيعة في ارض النجاشي، اي في ساحل الحبش، لا في ارض اليمن، والا في جعل الآمر بالحملة النجاشي، لا ابرهة نفسه. أما المنفذون لها، فهم ابرهة ومن معه.

وهناك سبب اخر سأتعرض له فيما بعد، يذكره أهل الأخبار في جملة الأسباب التي زعموا انها حملت ابرهة على السير نحو مكة لتهديمها. وهو سبب ارجحه وأقدمه على السببين المذكورين، لما فيه من مساس بالسياسة، ولأنه مشروع سياسي خطير المشروعات العالمية القديمة التي وضعها اقدم ساسة العالم للسيطرة على الطرق الموصلة إلى المياه الدافئة والى الأرينض المنتجة لأهم المواد المطلوبة في ذلك العهد.

وتذكر روايات اهل الأخبار إن أبرهة لما رتب كل شيء وجهز نفسه للسير من اليمن نحو مكة، خرج له رجل من اشراف اليمن وملوكهم، يقال له: "ذو نفر" وعرض له فقاتله، فهزم "ذو نفر" واصحابه، واخذ له ذو نفر اسراً. ثم مضى ابرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم، عرض له "نفيل بن حبيب الخثعمي" في قبيلى خثعم: شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفُيل أسراً وخرج معه يدلّه على الطريق، حتى إذا مرّ بالطائف، خرج إليه "مسعود بن معتب" في رجال ثقيف، فقال له: أيها الملك، انما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعين، ليس لك عندنا خلاف،وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد - يعني اللات - انما تريد البيت الذي بمكة، يعنون الكعبة، ونحن نبعث معك من يدلك، فتجاوز عنهم، وبعثوأ معه أبا رغال، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس، فهلك أبو رغال به. فرجمت العرب قبره،فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس.

وكان نفيل بن حبيب الخثعمي من سادات خثعم، ولما أخذه أبرهة أسيراً واحتبسه عنده، جعله دليله إلى مكة، وهو الذي أوصله إلى الطائف، حيث تسلم أبرهة الدليل الآخر من ثقيف، وهو أبو رغال. وذ كَر بعضهم أن "نفيل ابن حبيب" كان دليل أبرهة على الكعبة، وأنه عرف ب "ذي اليدين".

ولأهل الأخبار قصص عن "اًبي رغال"، صيره أسطورة، حتى صيره بعضهم من رجال ثمود ومن رجال "صالح" النبي. فزعموا إن النبي كان قد وجهه على صدقات الأموال، فخالف أمره، وأساء السيرة، فوثب عليه "ثقيف" وهو قسيّ بن منبه، فقتله قتلة شنيعة. وهو خبر وضعه أناس من ثقيف ولا شك، للدفاع عن أنفسهم، إذ اتهموا بان "أبا رغال" منهم، وقد جاموا بشعر، زعموا أن "أمية بن أبي الصلت" قاله في حقه، منه: وهم قتلوا الرئيس أبا رغال  بمكة إذ يسوق بها الوضينا

فصيروا القائل جدّ ثقيف، ونسبوا له فضل مساعدة نبي من أنبياء الله. وقد اشار "جرير بن الخطفي" في شعر قاله في الفرزدق إلى رجم الناس قبر أبي رغال، إذ قال: إذا مات الفرزدق فارجموه  كرجمكم لقبر أبي رغال

وذكر "المسعودي"، أن العرب ترجم قبراً آخر، يعرف بينهم بقبر العبادي في طريق العراق إلى مكة. بين الثعلبية والهبير نحو البطان. ولم يذكر شيئاً عن سببه، إذ أحال القارىء على مؤلفاته الأخرى.

وذكر "الهمداني" إن قبر أبي رغال عند "الزيمة". و "الزيمة" موضع صروف حتى هذا اليوم. ولما نزل أبرهة المغمس، بعث رجلاّ من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له، حتى انتهى إلى مكة: فساق إليه اموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب منها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا انه لا طاقهَ لهم به. فتركوا ذلك. ثم قرروا على أن يرسلوا سيدهم "عبد المطلب" لمواجهة أبرهة والتحدث إليه، فذهب وقابله، وتذكر رواية أهل الأخبار إن أبرهة لما ساًله عن حاجته وعما معه من أنباء، قال له: حاجتي إلى الملك أن يردّ علي مئتي بعير أصابها لي، فعجب ابرهة من هذا القول وقال له: اتكلمني في مئتي بعير قد اصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه ? قال له عبد المطلب: اني انا رب الابل، وان للبيت رباً سيمنعه.

وتذكر هذه الرواية أن أبرهة ردّ على عبد المطلب ابله، فرجع إلى قومه، وأمرهم بالخروج من مكة وللتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفاً عليهم من معرّة الجيش. فلما وصل جيش الحبش، لم يجد أحداً بمكة،وتفشى الوباء فيه، واضطر إلى التراجع بسرعة. فلما وصل أبرهة "إلى اليمن، هلك فيها بعد مدة قليلة من هذا الحادث.

ويذكر "الطبري" إن الأسود بن مقصود لما ساق أموال اهل مكة من قريش وغيرهم، وفي ضمنها ابل عبد المطلب، وأوصلها إلى أبرهة، وأن قريشاً وكنانة. وهذيل ومن كان معهم بالحرم من سائر الناس عزمت على ترك القتال، إذ تأكدوا انهم لا طاقة لهم به. بعث ابرهة "حناطة الحمري" إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له إن الملك يقول لكم: إِني لم آتِ لحربكم، إنما جئت لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم، فإن لم يُرد حربي فائتني به، فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب، فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: واللهِ ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله ابراهيم،. فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه، فواللّه ما عندنا له من دافع عنه. ثم انطلق معه إلى أبرهة. فلما وصل المعسكر، سأل عن "ذي نفر"، وكان له صديقاً، فدلّ عليه، فجاءه وهو في محبسه، فكلمه، ثم توصل بوساطته إلى سائق فيل أبرهة وهو أنيس، وأوصاه خيراً. بعبد المطلب، وكلمه في إيصاله إلى ابرهة، وان يتكلم فيه عند ابرهة بخير. ونفذ انيس طلب "ذو نفر"، وأدخله عليه، فكان ما كان من حديث.

وذكر الطبري: أن بعض اهل الأخبار زعموا إن نفراً من سادات قريش رافقوا عبد المطلب في ذهابه مع حناطة إلى ابرهة، ذكروا منهم.: يعمر "عمرو" ابن نفاثة بن عديّ بن الدُّئل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، وهو يومئذ سيد بني كنانة، وخويلد بن واثلة الهُذلي، وهو يومئذ سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث اموال اهل تهامة على إن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم.

ويذكر أهل الأخبار إن جيوش "ابرهة" حين دنت من مكة،توسل عبد المطلب إلى ربه وناجاه بأن ينصر بيته ويذل "آل الصليب" وأنه أخذ بحلقة باب الكعبه وقال: يا ربّ لا أرجو لهم سواكا  يا رب فامنع منهم حماكا

إن عدوّ البيت من عاداكا  أمنعهم أن يخربوا قراكا

وقال: لاهُمَّ إن العبـد يمـنـع  رحله فامنع رحـالـك

لا يغلين صـلـيبـهـم  ومحالهم عدواً محالـك

وانصر على آل الصليب  وعابـديه الـيوم آلـك

وقد بلغ أبرهة مكة، غير انه لم يتمكن من دكّها ومن هدمها، وخاب ظنه، إذ تفشى المرض بجيشه وفتك الوباء به، فهلك أكثره، واضطر إلى الإسراع في العودة، وكان عسكره يتساقطون موتى على الطريق، وهم في عودتهم إلى اليمن. وذكرت بعض الروايات إن أبرهة نفسه أصيب بهذا المرض. ولم يبلغ صنعاء الاّ بعد جهد جهيد. فلما بلغها، مات إِثر وصوله اليها.

وعلى هذه الصورة أنهى اهل الأخبار أخبار حملة ابرهة، فقالوا انها انتهت باخفاق ذريع، انتهت باصابة ابرهة بوباء خطير، وبإصابة عسكره بذلك المرض نفسه: مرض جلدي، أصاب جلود أكثر جيشه، فمزقها، وأصابها بقروح وقيوح في الأيدي خاصة، وفي الأفخاذ. أو بمرض وبائي هو الحصبة والجدري، فيذكر أهل الأخبار في تفسير سورة الفيل، وفي أئناء تحدثهم عن هذه الحملة وبعد شرحهم لمعنى "طير آبابيل": مباشرة، هذين المرضين ويقولون: "إن أول ما رئيت الحصبة والجُدري بأرض العرب ذلك العام". وتفسير ذلك بعبارة أخرى إن ما اصاب الحبش، هو وباء من تلك الأوبئة التي كانت تكتسح البشرية فيما مضى، فلا تشهب حتى تكون قد أكلت آلافاً من الرؤوس.

وكان لرجوع الأحباش إلى اليمن وهم على هذه الصورة من مرض يفتك بهم، وتعب ألمَّ بهم، أثر كبير أثر فيهم وفي قريش، ثم ما لبث ابرهة إن مات بعد مدهَ غير طويلة، فازداد اعتقاد قريش ب "رب البيت" وبأصنامها، وهابت العرب مكة، فكانت نكسة الحبش نصراً لقريش ولأهل مكة قوّى من معنوياتها. ويتجلى ذلك في القرآن الكرم في سورة الفيل، وهي من السور المكّية القديمة: )ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول(.

وقصة تدنيس "القليس"، قد تكون حقيقية وقعت وحدثت، وقد تكون أسطورة حيكت ووضعت، على كل حال، وفي كلتا الحالتين لايعقل أن تكون هي السبب المباشر الذي دفع النجاشي إلى السير إلى مكة لهدم البيت ونقضه من أساسه ورفع احجاره حجراً حجراً، على نحو ما يزعمه أهل الأخبار بل يجب أن يكون السبب أهم من التدنيس وأعظم، وأن يكون فتح مكة بموجب خطة تسمو على فكرة تهديم البيت وتخريبه، خطة ترمي إلى ربط اليمن ببلاد الشام، لجعل العربية الغربية والعربيهّ الجنوبية تحت حكم النصرانية، وبذلك يستفيد الروم والحبش وهم نصارى، وان اختلفوا ذهباً، ويحققون لهم بذلك نصراً سياسياً واقتصادياً كبيراً، فيتخلص الروم بذلك من الخضوع للاسعار للعالية التي كان يفرضها الساسانيون على السلع التجارية النادرة المطلوبة التي احتكروا بيعها لمرورها ببلادهم، إذ سترد اليهم من سيلان والهند رأساً عن طريق بلاد العرب، فتنخفض الأسعار ويكون في امكان السفن البيزنطية السير بأمان في البحار العربية حتى سيلان والهند وما وراءهما من بحار.

وآية ذلك خبر يرويه أهل الأخبار يقولون فيه إن "أيرهة" توج "محمد ابن خزاعي بن حزابة الذكواني"، ثم السلمي، وكان قد جاءه في نفر من قومه، مع أخ له، يقال له "قيس بن خزاعي"، يلتمسون فضله، وأمرّه على مضر، وأمره أن يسير في الناس، فيدعوهم في جملة ما يدعوهم إليه إلى حج "القليس"، فسار محمد بن خزاعي، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة، وقد بلغ أهل تهامة أمره، وما جاء له، بعثوا إليه رجلاٌ من هذيل، يقال له عروة بن حياض الملاصي فرماه بسهم فقتله. وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس، فهرب حين قتل أخوه، فلحق بأبرهة، فأخبره بقتله، فغضب وحلف ليغزون بني كنانة وليهدمنَّ البيت.

فمقتل "محمد بن خزاعي"، هو الذي هاج أبرهة وحمله على ركوب ذلك المركب الخشن. ولم يكن هياجه هذا بالطبع بسبب أن القتيل كان صاحبه وصديقه بل لأن من قتله عاكس رأيه وخالف سياسته ومراميه التوسعيهّ القاضية بفرض ارادته وارادة الحبش وحلفائهم على أهل مكة وبقية كنانة ومضر، وبتعيين ملك أو أمير عليهم، هو الشخص المقتول، فقتلوه. ومثل هذا الحادث يؤثر في السياسة وفي الساسة، ويدفع الى اتخاذ اجراءات قاسية شديدة، مثل ارسال جيش للقضاء على المتجاسرين حتى لا يتجاسر غيرهم، فتفلت من السياسي الأمور.

ومن يدري ? فلعل الروم كانوا هم المحرضين لأبرهة على فتح مكة وغير مكة حتى تكون العربية الغربية كلها تحت سلطان النصرانية، فتتحقق لهم مأربهم في طرد سلطان الفرس من بلاد العرب. وقد حاولوا مراراً اقناع الحبش بتنفيذ هذه الخطة والاشراك في محاربة الفرس، وهم الذين حرضوا الحبشة وساعدوهم بسفنهم وبمساعدات مادية أخرى في فتح اليمن. وهم الذين أرسلوا رسولاً اسمه "جوليانوس" Julianus، وذلك في أيام القيصر "يوسطنيان" Justinian لاقناع النجاشي Hellestheaeus و "السميع أشوع" Esimiphaeus بالتحالف مع الروم، وتكوين جبهة واحدة ضد الفرس والاشتراك مع الروم في اعلان الحرب على الفرس بسبب الرابطة التي تجمع بينهم، وهي رابطة الدين. وكان في جملة ما رجاه القيصر من "السميفع أشوع"، هو أن يوافق على تنصيب "قيس" Casius رئيساً على "Maddeni" معد.

وقد ذكر "المُسكَّري"، أن "محمد بن خزاعي بن علقمة بن محارب ابن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان السلمي" كان في جيش ابرهة مع الفيل، أي انه لم يقتل كما جاء في الرواية السابقة.

وقد ورد في بعض الأخبار أن عائشة أدركت قائد الفيل وسائسه، وكانا أعميين مقعدين يستطعمان. وقد رأتهما.

وقد كان من أشراف مكة في هذا العهد غير عبد المطلب، المطعم بن عدي. وعمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم، ومسعود بن عمرو الثقفي، وقد صعدوا على حِراء ينظرون ما سيفعل أبرهة بمكة.

وذكر بعض أهل الأخبار، أن فلالاً من الحبش من جيش أبرهة وعفاء وبعض من ضمّه العسكر، أقاموا بمكة، فكانوا يعتملون ويرعون لأهل مكة، وليس في كتب أهل الأخبار أسماء القبائل العربية التي جاءت مع "أبرهة" للاستيلاء على مكة بتفصيل. وكل ما نعرفه انه كان قد ضم إلى جيشه قوات عربية قد يكون بينها قوم من كندة، وقد أشير إلى اشتراك خولان والأشعرين فيها، وذكر أن "خنِدقاً" كانوا ممن اشترك في جيش أبرهة،وكذلك "حميس بن أد"  

وقد اشير إلى أبرهة الأشرم والى الفيل في شعر شعراء جاهليين ومخضرمين واسلاميين. وقد ورد في شعر "عبد الله بن الزبعرى" أنه كان مع "أمير الحبش" ستون ألف مقاتل. وورد في شعر "امية بن ابي الصلت" إن الفيل ظل يحبو ب "المغمس" ولم يتحرك، وحوله من ملوك كندة أبطال ملاويث في الحروب صقور. ومعنى هذا أن سادات كندة كانوا مع الحبش في زحفهم على مكة. وذكر "عبد الله بن قيس الرقيّات": إن "الأشرم" جاء بالفيل يريد الكيد للكعبة، فولى جيشه مهزوماً، فأمطرتهم الطير بالجندل، حتى صاروا وكأنهم مرجومون يمطرون بحصى الرجم.

وذكر إن "عمر بن الخطاب" كان في جملة. من ذكر "أبا يكسوم أبرهة" في شعره، واتخذه مثلاً على من يحاول التطاول على بيت اللّه وعلى "آل اللّه" سكان مكة. وذكر أهل الأخبار انه قال ذلك الشعر في هجاء "زنباع بن روح ابن سلامة بن حداد بن حديدة" وكان عشاراً، أساء إلى "عمر بن الخطاب" وكان قد خرج في الجاهلية تاجراً وذلك في اجتيازه واخذ مكسه، فهجاه عمر، فبلغ ذلك الهجاء "زنباعاً"، فجهز جيشاً لغزو مكة. فقال عمر شعراً آخر يتحداه فيه بأن ينفهذ تهديده إن كان صادقاً، لأن من يريد البيت بسوء يكون مصيره مصير أبرهة الأشرم، وقد كف زنباع عن تنفيذ ما عزم عليه ولم يقم به.

لقد تركت حملة "الفيل" أثراً كبيراً في أهل مكة، حتى اعتبرت مبدأ تقويم عندهم، فصار أهل مكة يؤرخون بعام الفيل "في كتبهم وديونهم من سنة الفيل". فلم تزل قريش والعرب بمكة جميعاً تؤرخ بعام الفبل، ثم أرخت بعام الفجار، ثم أرخت ببنيان الكعبة.

لقد كان لأهل مكة صلات باليمن متينة، إذ كانت لهم تجارة معها،تقصدها قوافلها في كل وقت، وخاصة في موسم الشتاء، حيث تجهز قريش قافلة كييرة يساهم فيها أكثرهم، واليها أشير في القران الكريم في سورة قريش: )لإيلف قريش. ايلافِهم رحلة الشتاء والصيف(. ولهذا فقد كان من سياستهم مداراة حكام اليمن وارضاؤهم، ومنع من قد يعتدي منهم على أحد من أهل اليمن أو الحبش ممن قد يقصد مكة للاتجار أو للاستراحة بها في أثناء سيره إلى بلاد الشام، خوفاً من منع تجارهم من دخول أسواق اليمن. فلما وثب أحدهم على تجار من اليمن كانوا قد دخلوا مكة، وانتهبوا ما كان معهم، مضت عدة من وجوه قريش إلى "أبي يكسوم"، أي أبرهة وصالحوه أن لا يقطع تجار أهل مكة عنهم. وضماناً لوفائهم بما اتفقوا عليه وضعوا "الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار" وغيره رهينة، فكان "أبرهة" يكرمهم ويصلهم، وكانوا يبضعون البضائع إلى مكة لأنفسهم.

وقد وضع أهل الطائف رهائن عند أبي يكسوم كذلك، ضماناً لحسن معاملتهم للحبش ولمن قد يقصد الطائف للاتجار من الحبش أو من أهل اليمن.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

768 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الحادي والاربعون أبرهة


768

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي

الفصل الحادي والاربعون

أبرهة


AbrahamوAbramiois هما اسمان لمسمى واحد، أريد به "أبرهة" المشهور عند أهل الأخبار الذي اغتصب الملك باليمن، ونصب نفسه حاكماًعليها، ولقب نفسه بألقاب الملوك، وإن اعترف اساساً بأنه "عزلى ملكن اجعزين"، أي "نائب ملك الأجاعزة" على اليمن. وحكم اليمن أمداً، وترك في نفوس اليمانيين اثراً قويا.

ويرى بعض الباحثين أن "كالب ايلا أصبحة "، كان قد أرسل حملة سنة "523" للميلاد على اليمن، حملتها اليها سفن بيزنطية، نزلت في البلاد وتغلبت على "ذي نواس" فهرب "ذو نواس" من "ظفار"، ثم عاد فباغت الحبش وأنزل بهم خسائر كبيرة، واضطهد النصارى وعذّ بهم. فحمل النجاشي على ارسال حملة جديدة عليه نزلت اليمن سنة525" للميلاد. وصارت في أيدي الحبش حتى سنة "530" للميلاد. اذ قامت ثورة على الحبشة، وانتهز "أبرهة" الفرصة، فأخذ الأمر بيديه، وبقي حاكماً على اليمن منذ هذا الوقت تقريباً حتى سنة "575" للميلاد. وكان قد انتزع الحكم من "السميفع أشوع"، الذي نصّبه الحبش ملكاً على اليمن حين دخولهم اليها وعيّنوا رجلين من الحبش يحكمان معه ويراقبان أعماله لئلا يقوم بعمل يضر مصالحهم.

ولأهل الأخبار روايات عن كيفية استئثار "أبرهة" بالحكم واغتصابه له. لهم رواية تقول: إنه جاء إلى اليمن جندياً من جنود القائد الحبش "أرياط" الذي كلفه نجاشي الحبشة بفتح اليمن، فلما أقام باليمن سنين، نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي، حتى تفرقت الحبشة، وخرج أبرهة على طاعة قائده، ثم غدر به وأخذ مكانه. ورواية أخرى، تقول إن النجاشي أرسل جيشا ًقوامه سبعون الفاً، جعل عليه قائدين، أحدهما: أبرهة الأشرم. فلما ركب ذو نواس فرسه واعترض البحر فاقتحمه وترك به، نصب أبرهة نفسه ملكاً على اليمن، ولم يرسل له شيئاً، فغضب النجاشي ووجه اليه جيشاً عليه رجل من أصحابه، يقال له أرياط، فلما حل بساحته، بعث اليه أبرهه: "إنه يجمعني واياك البلاد والدين، والواجب عليّ وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممن معي ومعك، فإن شئت فبارزني، فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا". فرضي بذلك أرياط، واْجمع أبرهة على المكر به، فاتعدا موضعاً يلتقيان به، واكمن أبرهة لأرياط عبداً يقال له: "أرنجده" في وهدة قريب من الموضع الذي التقيا فيه، فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته، فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه، فسمي الأشرم، ونهض أرنجده من الحفرة، فزرق أرياط فأنفذه، فقتله". وأخذ أبرهة الحكم لنفسه واستأثر به.

وتذكر رواية أخرى، أن النجاشي كان قد وجه أرياط أباصحم "ضخم" في أربعة آلاف إلى اليمن، فأداخها وغلب عليها، فأعطى الملوك، واستذل الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكسوم، فدعا إلى طاعته. فأجابوه، فقتل أرياط، وغلب على اليمن.

وتذكر رواية إن "أرياط" اخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سلحين وبينون وغمدان، حصوناً لم يكن في الناس مثلها. ونسبوا في ذلك شعراً إلى "ذي جدن"، زعموا أنه قاله في هذه المناسبة. ويظهر من روايات اخرى أن تلك الحصون بقيت إلى ما بعد أيامه. وذكر أن "أرياط" كان فوق أبرهة، أقام باليمن سنتين في سلطانه لا ينازعه أحد، ثم نازعه أبرهة الحبشي الملك.

وتجمع روايات أهل الأخبار على أن النجاشي غضب على أبرهة لما فعله باليمن ولما أقدم عليه من قتل أرياط، وأنه حلف الاّ يدع أبرهة حتى يطأ بلاده، ويحز ناصيته، ويهرق دمه. فلما بلغ ذلك أبرهة، كتب إلى النجاشي كتاباً فيه تودد واعتذار وتوسل واسترضاء، فرضي النجاشي عنه، وثبته على عمله بأرض اليمن.

ولما استقام الأمر لأبرهة باليمن، بعث إلى "أبي مرة بن ذي يزن"، فنزع منه امرأته "ريحانة ابنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان"، و "علقمة" هو ذو جدن. وكانت ولدت لأبي مرّة معد يكرب بن أبي مرة، وولدت لأبرهة بعد ابي مرة مسروق بن أبرهة، وبسباسة ابنة أبرهة. وهرب منه أبو مرة.

ولأبرهة ذكر وشهرة. في كتب أهل الأخبار والتأريخ. وقد ورد اسمه في الشعر الجاهلي، وضرب به المثل في القوة والصيت والسلطان، حتى لنجد أهل الأخبار يذكرون اسماء جملة اشخاص دعوهم "أبرهة" ذكروا أنهم حكموا اليمن.

والظاهر أن الشهرة التي بلغها في أيامه وغزوه القبائل العربية واستعماله القسوة معها، أحاطته بهالة في أيامه تضخمت فيما بعد، فأحيط بقصص وأساطير وصير من اسمه جملة حكام حكموا باسم "أبرهة".

فقد ذكروا اسم "أبرهة تبع ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ". وكان يقال له "الرائد". وجعلوا لأبرهة هذا ولدين، هما: إفريقس، والعبد ذو الأذعار. وأولد إفريقس شمر يرعش. وذكروا "أبرهة" آخر، قالوا له: "أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة". وسمى "الهمداني" جملة رجال "أبرهة"، وأدخلهم في "الأصابح". ويظهر من دراسة اسم "أبرهة" ونعته في الحبشية أن الأخباربين أخذوها فصيرّوا منها أسماء عربية ربطوا بينها وبين تأريخ اليمن كما فعلوا مع أشخاص اخرين.

وقد ضرب "لبيد بن ربيعة العامري" المثل ب "أبي يكسوم" وهو أبرهة في وجوب الاتعاظ بهذه الدنيا الفانية التي لا تدوم لأحد، فقال: لو كان حي في الحياةُ مخلداً  في الدهر ألقاه أبويكسـوم

والتبّعان كلاهما وُمـحـرَق  وأبو قبيس فارس اليحمـومْ

وقد ترك أبرهة وثيقة مهمة على جانب خطير من الأهمية، وهي النص الذي وسم بGlaser 618 وبCIH 541، عند الباحثين في العربيات الجنوبية. وهي ثاني نص طويل يصل الينا من اليمن، يتألف من "36 ا" سطراً ومن حوالي "470" كلمة وتبحث عن ترميم سدّ مأرب ذي المكانة الخالدة في القصص العربي وتجديده مرتين، وذلك في أيام أبرهة. المرة الأولى في شهر "ذو المدرح" من سنة "657" من التاريخ الحميري المقابلة لسنة "542" للميلاد، والثانية في شهر "ذو معان" "ذ معن" من سنة "658" من التأريخ الحميري، أي في سنة "543" من الميلاد.

وقد افتتح النص بالعبارة الاتية: " بخيل وردا ورحمت رحمنن ومسحو ورح قدس سطرو ذن مزندن. إن ابره عزلى ملكن اجعزين رمحز زبيمن ملك سبأ وذ ريدن وحضرموت ويمنت واعربهمو طودم وتهمت"، أي "بحول و قوة ورحمة الرحمن ومسيحه وروح القدس سطروا هذه الكتابة. إن أبرهة نائب ملك الجعزيين رمحز زبيمان ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت وأعرابها في النجاد وفي تهامة ". ويلاحظ أن أبرهة قد لقب نفسه في هذا النصر باللقب الرسمي الذي كان يتلقب به ملوك حمير قبل سقوط دولتهم، مع أنه كان "عزلى ملكن اجعزين"،أي نائب ملك الجعزين. والواقع أنه كان قد استأثر بالحكم في اليمن، وحصر السلطة في يديه، وصار الحاكم المطلق، ولم يترك النجاشي أكسوم غير الاسم، حتى أنه دعاه في هذا النص "ملك الجعز" حسب.

وفي النص حديث عن ثورة قام بها "يزد بن كبشت" "يزيد بن كبشة" من السادات البارزين في اليمن. وكان أبرهة قد أنابه عنه، وجعله خليفته على قبيلتي "كدت" و "دا"، غير أنه ثار عليه لسبب لم يذكر في النص، وأعلن العصيان. وانضم إليه أقيال "اقول" سبأ و "اسحرن"،وهم: "ذو سحر" و "مرة " و"ثممت" و "ثمت" "ثمامة" و "حنش" "حنشم" و "مرثد " و "حنف" "حنفم" "حنيف" و "ذ خلل" "ذو خليل" و "ازانن" و"الأزان" والقيل "معد يكرب بن سميفع"، و "هعن" "هعان" واخوته أبناء أسلم. فما بلغ نبأ هذه الثورة مسامع "أبرهة"، سيّر إليه جيشاً بقيادة "جرح ذزبنر" "جراح ذو زبنور"، فلم يتمكن أن يفعل شيئأ، وهزمه "يزيد"، واستولى على حصن "كدر" "كدار"، وجميع من أطاعه من "كدت" "كدة" ومن "حريب" حضرموت وهاجم "هجن اذمرين" "هجان الذماري" وهزمه واستولى على أملاكه، وحاصر موضع "عبرن" "عبران" "العبر". عندئذ قرر أبرهة معالجة الموقف بارسال قوات كبيرة لرتق الخرق قبل اتساعه، فجهز في شهر "ذ قيضن" "ذو القيض" "ذو قيضان" من سنة "657" من التقويم الحميري أي سنة "542" للميلاد جيشاً لجباً من الاحباش والحميريين، وجهه نحو أودية "سبأ" و "صمرواح" ثم "نبط" على مقربة من "الوادي" "عبرن" "عبران" "العبر". وفي "نبط" جعل أهل "الو" "الوى" و "لمد" والحميربين في المقدمة. أما القيادة، فكانت بأيدي القائدين: "وطح" "وطاح" و "عوده" "ذو جدن". وبينما كان الجيش في طريقه لحرب."يزيد بن كبشة" إذا به يظهر مع عدد من أتباعه أمام "أبرهة" يطلب منه العفو والصفح. أما الباقون، فقد تحصنوا في مواضعهم، وأبو الخضوع والاستسلام.

وبينما كان أبرهة يفكر في أمر بقية الثائرين إذا به يسمع بخبر سيء جداً، هو تصدع سد "مأرب" وتهدم بعض توابعه، وذلك في شهر "ذ مذرن" "ذو مذران" "ذو المذرى" من سنة "657" من تقويم حمير، أي سنة "542" للميلاد. فأمر مسرعاً بتحضير مواد البناء والحجارة ، وحدد أجل ذلك بشهر "ذ صربن" "ذو الصرب" من السنة نفسها. وفي أثناء مدة التحضير هذه، افتتح أبرهة كنيسة في مدينة مأرب يظهر أنه هو الذي أمر ببنائها، ورتب لخدماتها جماعة من متنصرة سبأ. ولما انتهى من ذلك عاد إلى موضع السدّ لوضع أسسه وأقامته مستعيناً بحمير وبجنوده الحبش، لكنه اضطر بعد مدة إلى السماح لهم بإجازة، ليهيئوا لأنفسهم الطعام وما يحتاجون إليه، وليريحهم مدة من هذا العمل المضني الذي تبرموا منه، وليقضي بذلك على تذمر العشائر التي لم تتعود مثل هذه الأعمال الطويلة الشاقة. ورجع أبرهة في أثنائها إلى مأرب، فعقد معاهدة مع أقيال سبأ وتحسنت الأحوال، وأرسلت إليه الغلات والمواد اللازمة للبناء،ووصلت إليه جموع من الفعلية وأبناء العشائر، فعاد إلى العمل بهمة وجد، فأنجزه على نحو ما أراد، فبلغ طوله خمسة وأربعين "أمماً". أما عرضه، فكان أربع عشرة ذراعاً، بني بحجارة حمر من "البلق". وانجزت أعمال قنواته وأحواضه والمشروعات الفرعية المتعلقة به في "خبشم" "خبش" وفي "مفلم" "مفلل" "مفول". وقد دوّن أبرهة في نهاية النص ما أنفقه على بناء هذا السد من أموال، وما قدّمه إلى العمال والجيس الذي اشترك في العمل من طعام واعاشة من اليوم الذي بدئ في بالانشاء حتى يوم الانتهاء من في شهر "ذو معن" ذو معان" من سنة "658" الموافقة لسنة "543"للميلاد.

ويظهر من النص أن ثورة "يزيد بن كبشت" كانت ثورة عنيفة قوية، وأنها شملت حضرموت و "حريب" و "ذو جدن" و "حباب" عند "صراواح". ولكنها فشلت وتغلبت أبرهة عليها بمساعدة قبائل يمانية ذكرها في النص.

أما "يزيد بن كبشة" فلا نعرف من أمره في الزمن الحاضر إلا شيئاً يسيراً، وهو ما كره أبرهة في نصه عنه، من أنه عيّه عاملاً ووكيلاً عنه على قبيلة "كدت" "كدة". وهي كندة على رأي أكثر العلماء.

وأما الاقيال الذين انضموا إليه وساعدوه، وهم: "ذو سحر" و "مرة" و "ثمامة" و "حنش" و "مرثد" و "حنيف" وآل ذو خليل وذو يزان "ذ يزن" "ذو يزن"، و "معديكرب بن سميفع" و "هعن" "هعّان" واخوته أبناء أسلم. فهم يمثلون على الجملة الطبقات الأرستقراطية القديمة في سبأ. فآل ذو خليل وذو سحر، من الأسر التي ذكرت أسماؤها في النصوص المدونة قبل الميلاد. وقد أرخ بأسرة "ذي خليل" في نصوص المسند، وذكروا في كتابات السبئيين العتيقة التي تعود الى أيام المكربين. وكان لهم في أيامهم شأن يذكر في تأريخ سبأ، إذ كان منهم المكربون. وذكر "الهمداني" اسم جماعة يقال لهم "البحريون"، قال: انهم من ولد ذي خليل من حمير.

وليس من السهل تشخيص "مرّة" و "ثمامة"، فهما من الأسماء المتعددة المذكورة في الكتب العربية. وقد أشير إلى "ثمامة بن حجر" ملك "قصر الهدهاد" في "عمران". وذكر الهمداني "بني ثمامة" وقال: إن جبأ مدينة المعافر، وهي لآل الكرندي من بني ثمامة آل حمير الأصغر، فهل يكون لهؤلاء صلة ب "ثمامة" النص ? وذكر بعض الأخباريين اسم ملك من ملوك اليمن سموه "مرثداً" زعموا أنه كان آخر الملوك، وزعم قسم منهم أنه حكم مدة قصيرة بعد "ذي نواس"، فهل صاحب هذا الآسم هو "مرثد" المذكور في النص ? ولا عبرة بالطبع بما ذكر من أنه كان ملكاً، فقد كان من عادة الأقيال والأذواء التلقب بلقب ملك.

وورد "ذو مراثد بن ذو سحر"، في الموارد العربية، فجمعت بين "مراثد" و "سحر"، وورد اسم "سحر" واسم مرثد في النص، فهل هنالك صلة بين هذه الأسماء ? ويرى "كلاسر" أن "ازان"، هم "يزن"، ومتهم "سيف بن ذى يزن" الذي ثار على الحبش،واستعان بالفرس لانقاذ بلاده من أيدي الأحباش.

وأما معديكرب بن سميفع، فيرى الباحثون أنه ابن "السميفع أشوع". وقد جاء اسمه بين أسماء الأقيال الذين ثاروا على أبرهة، وانضموا إلى ثورة "يزيد ابن كبشة". فهو من الأقيال الحاقدين على أبرهة لاغتصاب أبرهة الملك من والده. ولهذا انضم إلى "يزين بن كيشة ! سيد "كدت" "كندة" وحارب معه الحبش.

وفي أثناء وجود أبرهة في مأرب قضي على عصيان الأقيال الذين انضموا إلى ثورة "يزيد"، وأبوا الخضوع لحكم أبرهة بعد استسلام يزيد وخضوعه. وكذلك استسلمت قبيلة كدار "كيدار" "كدر"، وتحسن موقفه بذلك كثيراً، وأصبح سيد اليمن وصاحب الأمر. أما الذين ساعدوه وآزروه وعاونوه والتفوا حوله، فهم: ذو معاهر و "بن ملكن" ابن الملك ومرجزف وذو ذرنح وعدل "عادل" و ذو فيش، وذو شولمان "ذو الشولم" و "ذو شعبان" "ذو الشعب" وذو رعين "ذرعن"، و "ذو همدان" و"ذو الكلاع"، و "ذ مهدم" "ذو مهد" و "ذ ثت" "ذو ثت" "ذو ثات"و"علسم" و "ذو يزان" "ذ يزن" "ذو يزن"، و "ذو ذبين" "ذو ذبيان" و "كبر حضرموت" كبير حضرموت، وذو فرنة "ذ فرنة". وقد ذكر النص انهم كانوا إلى جانب الملك، وانهم كانوا على ود وصداقة معه. وهم بالطبع من أسر عريقة، ومن كبراء القوم، وقد وردت أسماء بعض أسرهم في النصوص المدونة قبل الميلاد.

ولم يذكر في هذا النص اسم "كبر حضرموت"، أي كبير حضرموت الذي كان يحكم حضرموت في أيام أبرهة، يظهر من ذكره مع الرجال الذين حضروا إلى مأرب أنه كان تابعاً لأبرهة، أو أنه كان حليفا له.

وتدل جملة "بن ملكن"، على أن المراد بها "ابن الملك"، أي "ابن أبرهة"، ولم يشر النص إلى اسمه. فلعله قصد أكبر أولاده. ويرى البعض انه كان يحكم "وعلان" "ذو ردمان"، وانه كان يلقب ب "ذ معهر" "ذو معاهر" "ذو معهر". وقد أشار "الهمداني" إلى "ذي المعاهر". وذكر أنه قصر "وعلان" ب "ردمان".

وفي اثناء وجود أبرهة في مأرب، وفدت إليه وفود من النجاشي ومن ملك الروم "ملك رمن" ومن ملك القرس "ملك فرسن"، ورسل من "المنذر" "رسل مذرن" ومن "الحارث بن جبلة" "رسل حرثم بن جبلت" ومن "أب كرب بن جبلة" "أبكرب بن جبلة" "رسل ابكرب بن جبلت"ومن رؤساء القبائل. ويلاحظ إن النص قد قدّم النجاشي على ملك الروم، كما قدّم ملك الروم على ملك الفرس، ثم ذكر من بعد ملك الفرس اسم المنذر والحارث ابن جبلة وأبي كرب بن جبلة "ابكرب بن جبلت". أما تقديم النجاشي على غيره فأمر لا بد منه، وذلك لسيادة الحبشة ولو بالاسم على اليمن، واعتراف أبرهة بسيادة مملكة اكسوم عليه. وفي ارسال مندوب عن النجاشي إلى أبرهة في مهمة سياسية، دليل ضمني على انفراد أبرهة بالحكم، واستقلاله في ادارة اليمن حتى صار في حكم ملك مستقل، يستقبل وفود الدول ورسلهم ومن بينهم وفد من ملك قامت حكومته بغزو اليمن والاستيلاء عليها. وأما تقديم ملك الروم على ملك الفرس، فلصلة الدين والسياسة بين الحبشة والروم واليمن، فللروم الأسبقبة والأفضلية اذن على الفرس.

ويلاحظ أيضاً أن النص قد استعمل كلمة "محشكت" للوفد أو الرسل الذين جاؤوا الى أبرهة من النجاشي ومن ملك الروم، فكتب "محشكت نجشين" و "محشكت ملك رمن" أي "رسل الجا!ثي" "سفراء النجاشي" "سفير النجاشي" و "رسل ملك الروم". وتعني كلمة "محشكت" في إللغة السبئية "الزوجة"، فعبرّ في هذا النص بهذه الكلمة عن معنى "سفير" "سفراء" و "رسل حكومة صديقة مقربة"، فلها إذن هنا معنى دبلوماسي خاص. أما بالنسبة إلى رسل "ملك الفرس"، فقد أطلق عليهم كلمة "تنبلت"، فكتب "تنبلت ملك فرس"، أي "وفد ملك الفرس" وذلك يشير إلى أن لهذه الكلمة معنى خاصأَ في العرف السياسي يختلف عن معنى "محشكت"، وأن الوفد لم يكن في منزلة وفدي الحبشة والروم ودرجتهما.

ولقد أحدث مجيء مندوب النجاشي "رمحيز زبيمن" ومندوب ملك الروم ومبعوث ملك الفرس،ورسل المنلر ملك الحيرة، والحارث بن جيلة وأبي كرب اين جبلة، أثراً كبيراً ولا شك في نفوس العرب الجنوبيين، وفي نفوس الأقيال وقبائلهم، فمجيء هؤلاء إلى اليمن، وقطعهم المسافات الشاسعة، ليس بامر يسير، وفيه أهمية سياسية كبيرة. وفيه تقدير لأبرهة ولمكانته في هذه البقعه الخطرة المسيطرة على البحر الأحمر وفمه عند باب المندب، وعلى المحيط الهندي. كما أحدثت الأبهة التي اصطنعها أبرهة لنفسه في اليمن. والقوة التي جمعها في يديه أثرأَ كبيراً ولا شك أيضاً في نفوس المبعوثين الذين قطعوا تلك المسافات للوصول إلى عاصمة سبأ ذات الأثر الخالد في النفوس.

ولم يكن مجيء هؤلاء المبعوثن إلى أبرهة لمجرد التهنئة او التسلية أو المجاملة أو ما شاكل ذلك من كلمات مكتوبة في معجمات السياسة. ولكن لأمور أخرى أبعد من هذه وأهم، هي جرّ أبرهة إلى هذا المعسكر أو ذلك، وترجيح كفة على أخرى، وخنق التجارة في البحر الأحمر، أو توسيعها، ومن وراء ذلك اما نكبة تحل بمؤسسات الروم وتجاراتهم، واما ربح وافر يصيبهم بما لا يقدر. لقد كان العالم إِذ ذاك كما هو الآن، جبهتين: جبهة غربية، وجبهة أخرى شرقية: الروم والفرس. ولكل طبّالون ومزمرون من الممالك الصغيرة وسادات القبائل يطبلون ويزمرون، ويرضون أو يغضبون، ويثيبون أو يعاقيون إرضاء للجبهة التي هم فيها، وزلفى اليها وتقرباً. لقد سخر الروم كل قواهم السياسية للهيمنة على جزيرة العرب، أو ابعادها عن الفرس وعن الميالين اليهم على الأقل. وعمل الفرس من جهتهم على تحطيم كل جبهة تميل إلى الروم وتؤيد وجهة نظرهم وعلى منع سفنهم من الدخول إلى البحر الهندي، والاتجار مع بلاد العرب. وعمل المعسكران بكل جد وحزم على نشر وسائل الدعاية واكتساب معركة الدعاية والفكر، ومن ذلك التأثير على العقول. فسعى الروم لنشر النصرانية في الجزيرة، فأرسلوا المبشرين وساعدوهم، وحرضوا الحبشة على نصرها ونشرها، وسعى الفرس لنشر المذاهب النصرانية المعارضة لمذهب الروم والحبشة ولتأييد اليهودية أيضاً، وهي معارضة لسياسة للروم أيضاً. ولم يكن دين الفرس عكما نعلم نصرانياً ولا يهودياٌ، وإنما هو دين بغيض إلى أصحاب الديانتين. ولم يكن غرض الروم "من بث النصرانية أيضاً خالصاً لوجه الله بريئاً من كل شائبة.

أما النجاشي الذي أرسل الوفد إلى أبرهة فاسمه "رمحيز زبيمن" "رمحيز زبيمان" كما ذكر ذلك أبرهة نفسه. ولا يعرف من أمر هذا النجاشي شيء كثير، ولا يعرف كذلك أكان قد خلف النجاشي "كالب ايلا أصبحة" Kaleb Ela Asbaha الذي بأمره كان الفتح، أم كان خلفاً لخليفته. وقد أشرت من قبل إلى ما ذكره "بروكوبيوس" وأهل الأخبار عن التوتر الذي كان بين نجاشي الحبشة وأبرهة، وعن امتناع أبرهة عن دفع جزية سنوية إليه. ويظهر إن أبرهة رأى أن من الخير له مصالحة النجاشي والاعتراف بسلطانه اسمياً، وفي ذلك كسب سياسي عظيم، كما هو كسب للنجاشي ولو صورياً، فدفع الجزية له وتحسنت العلاقات.

وأما "ملك رمن" ملك الروم، فلم يذكر "أبرهة" اسمه في نصه. ولكن يجب أن يكون هو القيصر "يوسطنيانوس" Justinian الذي حكم من سنة"527" حتى سنة "566" للميلاد، وكان حكمه بعد حكم "يسطين" الذي ولى الحكم من سنة "518" حتى سنة "527" للميلاد. وكان "يوسطنيانوس" "يوسطنيان" قد وضع خطة للتحالف مع الحبش ومع حمير للاضرار بالفرس. وراسل "السميفع أشوع" Esimiphaeus للاتحاد معه ولمحاربة الفرس. فلما تولى "أبرهة" الحكم عاد القيصر فاتصل به، وتودد إليه لتنفيذ ما عرضه على "السميفع أشوع" من مهاجمة الفرس. فوافق أبرهة على ذلك، وأغار عليهم غير أنه ترجع بسرعة.

وأما "حرثم بن جبلت"، فهو الحارث بن جبلة ملك الغساسنة، وأما "ابكرب بن جبلت"، فإنه Abochorabus المذكور في تأريخ "بروكوبيوس". وقد ذكر هذا المؤرخ أن القيصر "يوسطنيانوس" "يوسطنيان" Justinian كان عينه عاملاً "فيلارخا" Phylarch على عرب السرسين Saracens بفلسطين، وأنه كان رجلاً صاحب قابليات وكفاية، تمكن من تأمين الحدود ومن منع الأعراب من التعرض لها، فكان هو نفسه يحكم قسماً منهم، كما كان شديداً على المخالفين له. وذكر أيضاً أنه كان يحكم أرض غابات النخيل جنوب فلسطين، ويجاور عربها عرب اخرون يسمون "معديني" "معدّ" للأع " Maddeni هم أتباع ل "حمير" Homeritae.

أراد هذا الرئيس أن يتقرب إلى القيصر، وأن يبالغ في تقرّبه إليه وفي إكرامه له، فنزل له عن أرض ذات نخل كثير، عرفت عند الروم ب Phoinikon "واحة النخيل"، أو "غابة النخيل" وهي أرض بعيدة، لا تبلغ إلا بعد مسيرة عشرة أيام في أرض قفرة. فقبل القيصر هذه الهدية الرمزية، إذ كان يعلم، كما يقول المؤرخ "بروكوبيوس" عدم فائدتها له، وأضافها إلى أملاكه، وعين هذا الرئيس عاملاً "فيلارخاً" على عرب فلسطين.

وقد قام ملك هذا الرئيس على ملك رئيس آخر كانت له صلات حسية بالروم كذلك، هو "امرؤ القيس" Amorkesos الذي سبق إن تحدثت عنه في كلامي على علاقة العرب بالبيزنطيين.

و "غابة النخيل" التي ذكرناها، تجاور أرض قبيلة "معد" Maddenoi، وكانت معد كما يظهر من أقوال المؤرخ "بروكوبيوس" خاضعة في عهده لحكم الحميريين. وقد ذكرت كيف أن القيصر توسط لدى "السميفع أشوع" ليوافق على تعيين "قيس" رئيساً على معد. وقد تمردت هذه القبيلة على "أبرهة"، فسيرّ اليها قوة لتأديبها، كما يظهر ذلك من كتابة أمر "أبرهة" بكتابتها لهذه المناسبة. أدّبها بقوة سيرّها اليها في شهر "ذو ثبتن" من شهور فصل الربيع، فانهزمت معد، وأنزلت القوة بها خسائر فادحة. وبعد أن تأدبت وخضعت، اعترف "أبرهة" بحكم "عمرو بن مذر" عليها، وتراجعت القوة عنها.

و Maddenoi، هي قبيلة Ma,addayaالتي ذكرها "يوحنا الأفسوسي" John of Ephsus مع "طياية" Taiyaye في كتابه الذي وجهّه إلى أسقف "بيت أرشام" Beth Arsham،ويظهر من هذا الكتاب أن عشائر منها كانت مقيمة في فلسطين.

وفي القرآن الكريم سورة، أشارت إلى سيل العرم، هي سورة سبأ، ورد فيها: )لقد كان لسبأ في مسكنهم آية، جناّت عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربكم.واشكروا له، بلدة طيبة ورب غفور. فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدّلناهم بجنيتهم جنتين ذواتي أكل خمط واثلٍٍ و شيء من سدرٍ قليل(. ولم يحدد المفسرون الوقت الذي تهدم فيه السد.

ول "أبرهة" نص آخر، كتبه بعد النص المتقدم، لمناسبة غزوه "غزيو" "معداً"، في شهر "ذ ثبتن" "ذى ثبت" "ذى الثبت" "ذى الثبات" من شهور سنة "662" من التقويم الحميري الموافقة لسنة "547" أو "535" للميلاد. وهذا النص عثرت عليه بعثة "ريكمنس" مدوّنا على صخرة بالقرب من بئر "مريغان". فوسم ب Ryckmans 506. وقد ترجمه "ريكمنس" G.Ryckmans الى الفرنسية، ثم إلى لغات أخرى.

وفي النص مواضع طمست فيها معالم بعض الحروف، عزّ بذهابها فهم المعنى وضبط الأعلام. كما أن فيها بعض تعابير معقدة، عقدت على من عالجه فهم المعنى فهماً واضحاً، ثم هو نص قصير لا يتجاوز عشرة اسطر، واختصر وصف الحوادث حتى صيره وكأنه برقية من برقيات "التلغراف"، ولكنه مع كل هذا ذو خطر بالغ،لأنه يتحدث عن حوادث لم نكن نعرف عنها شيئاً، ويصف الأوضاع السياسية في ذلك العهد، ويشير إلى اتصال ملوك الحيرة بالحبش والى سلطان حكام اليمن على القبائل العربية، مثل معدّ، مع أنها قبائل قوية وكثيرة العدد. وهو مما يؤيد رواية أهل الأخبار في أنه كان لليمن نفوذ على قبائل معدّ وأن تبايعة اليمن كانوا ينصبون الملوك والحكام على تلك القبائل.

وقد تلقب "أبرهة" في هذا النص كما تلقب في نص سد مأرب بلقب الملك. الذي كان يتلقب به ملوك اليمن، وهو: "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت "اليمن" وأعرابها في النجاد "طودم" وفي المنخفضات "تهمتم"، "تهامة"، كما افتتحه بجملة: "نخيل رحمن ومسحهو"، أي "بحول الرحمن ومسيحه"، وقد سبق ل "ابرهة" أن افتتح نصه الذي دوّنه على "سد مأرب" بجملة: "بخيل ودا ورحمت رحمن ومسحهو ورح قدس"، ومعناها: "بحول وقوة ورحمة الرحمن ومسيحه روح القدس"، والجملتان من الجمل التي ترد في نصوص اليمن لأول مرة، وذلك بسبب كون أبرهة نصرانياً، وقد صارت النصرانية في أيام احتلال الحبش لليمن ديانة رسمية للحكومة، باعتبار أنها ديانة الحاكمين. وعرف "أبرهة" في النصين ب "ابره زيبمن"، أي "أبرهة زييمان"، ولفظكة "زي ب م ن" "زيبمن" من ألقاب الملك في لغة الأحباش.

واليك هذا النص كما دوّنه "ريكمنس" عن النص الأصيل: "بخيل رحمنن ومسحهو ملكن ابره زبيمن ملك سبا وذ ريدن وحضرموت ويمنت واعربهمو طودم وتهمت سطرو ذن سطرن كغزيو معدم غزوتن ربعتن بورخن ذ ثبتن كقسدو كل بنيعمرم وذكى ملكن ابجر بعم كدت وعل وبشرم بنحصنم بعم سعدم و م.خ ض.و وضرو قدمى جيشن على بنيعمرم كدت وعلى ود، ع. ز. رن. مردم وسعدم بود بمنهح تربن وهرجو وازرو ومنمو ذ عسم ومخض ملكن بحلبن ودنو كطل معدم ورهنو وبعدنهو وزعهمو عمرم بن مذرن ورهنهمو بنهو وستخلفهو على معدم معدم وقفلو بن حلبن بخيل رحمنن ورخهو ذلئنى وسثى وست ماتم ".

ونصه في عربيتنا: "بحول الرحمن ومسيحه. الملك أبرهة زبيمان ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت "اليمن" وأعرابها في الطود "الهضبة" وفي تهامة "المنخفضات". سطروا هذه الأسطر لما غزت معد: الغزوة الربيعية بشهر ذو الثبات "ذ ثبق" "ذو الثبت". ولما غلظ " ثار" كل "بنو عامر". أرسل الملك "أبا جبر"، بقبيلة "كدت" كندة وقبيلة "عل" و "بعثر بن حصن" "بشرم بن حصنم" بقبيلة "سعد" لحرب "بني عامر" فتحركا بسرعة وقدما جيشهما نحو العدو: وحاربت "كدت" بكندة وقبيلة "عل" بني عامر ومراداً، وحاربت "سعد" بواد "بمنهج" ينهج "يؤدي" إلى "تربن" "الترب". فقتلوا من بني عامر وأسروا وكسبوا غنائم. وأما الملك، فحارب ب "حلبن" "حلبان"، وهزمت معد، فرهنت رهائن عنده.

وبعدئذ، فاوض "عمرو بن المنذر" "عمرم بن مذرن"، وقدّ م رهائن من أبنائه. فاستخلفه "اقره" على معد. وقفل "أبرهة" راجعاً من "حلين" "حلبان"، بحول الرحمن. بتأريخ اثنين وستين وست مئة.

وقد درس بعض الباحثين هذا النص، فذهب بعضهم إلى أنه يشير إلى حملة أبرهة على مكة في العام الذي عرف عند أهل الأخيار ب "عام الفيل" وأشير اليها في القرآن الكريم. وذهب بعض آخر إلى أنه يشير إلى غزو قام به أبرهة تمهيداً لحملة كان عزم القيام بها نحو اْعالي جزيرة العرب، فتوقفت عند مكةْوذهب آخرون إلى إن ما جاء في هذا النصبر لا علاقة له بحملة الفبل، ذلك لأن هذه الحهعلة كانت في سنة "547" للميلاد على تقديرهم، على حين كانت حملة الفيل سنة "563" على تقديرهم أيضاً.

وذهب "بيستن" إلى أن هذا النص يتحدث عن معركتين: معركة قام بها "أبرهة" في "حلبان": ومعركة كندة وسعد - مراد بموضع "تربن" "الترب" "تربة"، وقد حاربت فيها جماعة من القبائل.

ويظهر من النص إن "أبرهة" غزا بنفسه معداً في شهر "ذى ثبتن" من ربيع سنة "662" من التقويم السبئي، والتقى بها في موضع "حلبن" "حلبان"، فهزمها وانتصر عليها، فاضطرت عندئذ إلى الخضوع له ومهادنته، والى وضع رهائن عنده تكون ضماناً لديه بعدم خروجها مرة ثانية عليه. فوافق على ذلك. وفيما كان في "حلبان" بعد اتفاقه مع معد، جاءه "عمرو بن المنذر" "عمرم ابن مذرن" وكان أبوه "المنذر" عينه أميراً على معد، ليفاوضه في أمر "معد" فقابله ب "حلبان"، وأظهر له استعداد أبيه "المنذر" على وضع رهائن عنده لئلا يتكرر ما حدث، وبحصول اعترافه على تولي عمرو حكم "معد" فوافق أبرهة على ذلك، وقفل "وقفلو" أبرهة راجعاً إلى اليمن، وسوّى بذلك خلافه مع معدّ. وصار "عمرو بن المنذر" رئيساً على معد بتعيين أبيه له عليها وبتثبيت "أبرهة" هذا التعيين.

و "حلبان" موضع في اليمن في أرض "حضور"، وذكر انه موضع في اليمن على مقربة من "نجران"، وانه موضع ماء في أرض "بني قُشيَر". وقد وعت ذاكرة أهل الأخبار على ما يظهر شيئاً عن ألمعركة التي نشبت في هذا الموضع إذ رووا شعراً للمخبّل السعدي يفخر بنصرة قومه "أبرهة بن الصباح" ملك اليمن. وكانت "خندف" حاشيته. ذكروا أنه قال: صرموا لأبرهة الأمور محلها  حلبان فانطلقوا مع الأقـوال

ومحرق والحارثان كلاهـمـا  شركاونا في الصهر والأموال

وأورد "الهمداني" أبياتاً فيها اسم موضع "حلبان" واسم "أبي يكسوم"، وهي قوله:.

ويوم ابي يكسوم والناس حضرٌ  على حلبان إذ تقضي محامله

فتحنا له باب الحضير وربّـه  عزيز يمشي بالسيوف أراجله

وقد روى هذان البيتان وهما من شعر "المخبل السعدي" في هذا الشكل: ويوم أبي يكسوم والناس حضر  على حلبان إذ تقضي محامله

طوينا لهم باب الحصين ودونه  عزيز يمشي بالحراب مقاوله

ويظهر من هذا الشعر أن "أبرهة" لما جاء بجيشه إلى موضع "حلبان"، وجد مقاومة، ووجد أبواب الحصن مقفلة، وقد تحصن فيه المقاومون، ودافعوا عنه، فهجم قوم الشاعر عليه، ففتحوا باب الحصن، ودخلوه.

أما تأديب " بني عامر"، فلم يقم ب "أبرهة" بنفسه، بل قام به قائد اسمه "ابجبر". "أبو جبر"، قاد قبيلتي "كدت"، أي "كندة" و "عل"، وقائد آخر اسمه "بشرم بن حصنم"، أي "بشر بن حصن"، قاد قبيلة "سعدم"، أي "سعد" "بنو سعد". وسار القائدان بجيشهما وتقدما بهما إلى "بني عامر"، وحاربا على هذا النحو: حاربت "كندة" و "عل" قبائل سقطت بعض الحروف من اسم كل واحدة منها،فبقي من احداهما "ود.ع" وبقي من الأخرى "زرن" "ز. رن" وقبيلة "مردم"، أي "مراد". وحاربت "سعد" بوادٍ يؤدي إلى "تربن" "الترب"، فقتلوا وأسروا "ازروا" وأصابوا غنائم. ولم يسم النصر الوادي الذي يؤدي إلى "الترب".

ويظهر أن موضع "تربن" الذي يؤدي إليه الوادي الذي جرت فيه المعركة، هو موضع "تربة"، مكان في بلاد بني عامر، ومن مخاليف مكة النجدية، على مسافة ثمانين ميلاً تقريباً إلى الجنوب الشرقي من الطائف. وذكر أنه واد بقرب مكة اى يومين منها، يصب في بستان ابن عامر، حوله جبال السَّراة، وقيل انه واد ضخم، مسيرته عشرون يوماً أسفله بنجد أعلاه بالسراة،وقيل: يأخذ من السرًاة ويفرغ في نجران، وقيل: موضع من بلاد بني عامر بن كلاب واسم موضع من بلاد عامر بن مالك.

و "عمرم بن مذرن"، هو "عمر بن المنذر" ملك الحيرة، وكان أبوه "المنذر" حليفاً للساسانيين. فيكون قد عاصر "ابراهة" اذن، ويكون "عمرو" ابنه من المعاصرين له أيضاً.

وقصد ب "بنيعمرم"، "بني عامر". وهم "بنو عامر بن صعصعة" من "هوازن".

ومراد، هي قبيلة مراد التي منها "غطيف". وفي أيام الرسول وفد عليه "فروة بن مسيك المرادي" مفارقاً لملوك كندة. وقد كانت بين مراد وهمدان قبيل الإسلام وقعة ظفرت فيها همدان، وكثر فيها القتلى في مراد. وعرفت تلك الوقعة بيوم الروم. ورئيس همدان االأجدع بن مالك والد مسروق.

وأما "سعدم" أي قبيلة "سعد"، التي قادها "بشر بن حصن" في هذه المعركة، فلم يذكر النص هويتها. غير أننا إذا ما أخذنا بشعر "المخبلّ السعدي" الذي افتخر به بنصرة قومه لأبرهة في يوم "حلبان" وبانضمامهم إليه، ففي استطاعتنا أن نقول حينئذ: إن قومه هم "سعدم" أي "سعد" القبيلة المذكورة في النص.

و "ابجير" اسم قد يقرأ "أبو جبر"، وقد يكون "أبو جابر" وقد يكون "أبجبر" وقد يكون "أبو جبار". وكل هذه الأسماء هي أسماء معروفة عند ألجاهليين. وقد ذهب "كستر" " M.J. Kister" الى احتمال كونه "يزيد ابن شرحبيل الكندي"او " أبو الجبر بن عمرو"، وهون من كندة ايضا. وهو من آل الجون من بطون كمندة.

وقد اشير في كتب أهل الاخبار الى امير من امراء كندة عرف ب"أبي الجبر" وقد ذكر في مقصورة "ابن دريد". وروى انه زار "كسرى" ليساعده على قومه، فأعطاه جماعة من الاساورة اخذهم معه ليساعدوه، فلما وصل الى "كاظمة" سئموا منه، وارادوا التخلص منه فدسوا السم له في طعامه. ولكنه لم يمت منه، بل شعر بالم منه، فأكرهه الاساورة على ان يكتب كتابا لهم يحملونه الى كسرى يذكر فيه أنه سمح لهم بالعودة، فكتب لهم كتاباً ثم سافر الى الطائف، فعالجه "الحارث بن كلمدة الثثفي"، حتى شفي، فوهبه جارية كانت له اسمها "سميّة" أهداها له "كسرى"، ثم ذهب إلى اليمن، ولكن عاوده مرض في طريقه اليها فات. وقد رأى "كستر" أنه هو "أبو جبر" المذكور في النص.

وأما "بشرم بن حصنم"، أي "بشر بن حصن"، أو "بشر بن حصين" أو "بشار بن حصن" أو "بشار بن حصين" أو "بشير بن حصن"،فقد ذهب "لندن" Ludin، الى انه احد سادات "كندة".

لقد أشرت إلى رأي بعض الباحثين في هذه الحملة، والى ذهاب بعضهم إلى انها كانت حملة الفيل، أي حملة أبرهة المذكورة في القرآن الكريم على مكة. كما أشرت إلى رأي آخر، ذكر أن هذه الحملة كانت مقدمة لحملة الفيل، أي حملةتجريبية سبقت تلك الحملة. وحجة الفريق الأول ما ورد في بعض الروايات من أن مولد الَرسول، كان بعد عام الفيل بثلاث وعشرين سنة أي في حوالي السنة "547" للميلاد. وهو تأريخ ينطبق مع السنة المذكورة في النص، إذا أخذنا برأي من يجعل مبدأ التقويم الحميري سنة "115" قبل الميلاد. ومن ورود رواية أخرى في حساب السنين عند قريش، تظهر بنتيجة حسابها وتحويلها أن عام الفيل كان في سنة "552" بعد الميلاد، وهو تأريخ ينطبق مع تأريخ النص أيضاً إذا أخذنا برأي "ريكمنس" في مبدأ التقويم الحميري من أنه كان سنة"109"لا"115" قبل الميلاد.   

وأبرهة هذا هو "صاحب الفيل" الذي قصد بفيلته وجنده هدم الكعبة وإكراه الناس على الحج إلى "القليس" الكنيسة التي بناها بمدينة "صنعاء" في روايات الأخباريين. وهي كنيسة قال عنها أهل الأخبار،انها كانت عجيبة في عظمتها وضخامتها وتزويقها من الداخل والخارج، حتى إن "أبرهة" لما انتهى من بنائها كتب إلى النجاشي: "إني قد بنيت لك بصنعاء بيتاً لم تبن العرب ولا العجم مثله ". أو "إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلهَا لملك. كان قبلك". ويبالغ أهل الأخبار في وصفها فيذكر "الأزرفي"، انه بناها بجانب قصر غمدان، وأنه أقامها بحجارة قصر بلقيس بمأرب، نقلها العمال والفعلة والمسخرون من مأرب إلى صنعاء. فهدموا ذلك القصر وأخذوا حجره وما يصلج للبناء من مادة، ثم نقلوه إلى صنعاء لاستعماله في بناء تلكً الكنيسة التي بنوها بناء ضخماً عالياً، وجعلوا جدرانها من طبقات من حجر ذي ألوان مختلفة. لون كل طبقة يختلف عن الطبقة التي تحتها أو التي فوقها. وزينوا الجدران بأفاريز من الرخام والخشب المنقوش. وجعلوا الرخام ئاتئاً عن البناء، وجعلوا فوق الرخام حجارة سوداً لها بريق، وفوقها حجارة بيضاً لها بريق، فكان هذا ضاهر حائط القليس. وكان عرضه ست أذرع. وكان للقليس باب من نحاس عشر أذرع طولاً في أربع أذرع عرضاً. وكان المدخل منه إلى بيت في جوفه، طوله ثمانون ذراعاً في أربعين ذراعاً معلق العمد بالسياج المنقوش ومسامير الذهب والفضة، ثم يدخل من البيت الى إيوان طوله أربعون ذراعاً، عن يمينه وعن يساره، وعقوده مضروبة بالفسيفساء مشجرة، بين أضعافها كواكب الذهب ظاهرة، ثم يدخل من الإيوان إلى قبة ثلاثون ذراعاً في ثلاثين ذراعاً، جدرها بالفسيفساء، فيها صلب منقوشة بالفسيفساء والذهب والفضة، وفيها رخامة مما يلي مطلع الشمس من البلق مربعة عشر أذرع في عشر أذرع، تغشي عينَ من ينظر اليها من بطن القُبّة تؤدي ضوء الشمس والقمر إلى داخل القّبه، وكان تحت القبة منبر من خشب اللبخ، وهو عندهم الابنوس، مفصد بالعاج الأبيض. ودرج المنبر من خشب الساج ملبسة ذهباً وفضة. وكان في القبة سلاسل فضة. وفي القبة أو في البيت خشبة ساج منقوشة طولها ستون ذراعاً يقال لها كعيب، وخشبة من ساج نحوها في الطول يقال لها: امرأة كعيب كانوا يتبركون بهما في الجاهلية. وكان يقال لكعيب الأحوزي،والأحوزي بلسانهم الحر.

وكان أبرهة قد أخذ العمال بالعمل أخذاً شديداً، وأمر بالعمل في بناء الكنيسة ليل نهار. وإذا تراخى عامل أو تباطأ عن عمله أنزل وكلاؤه به عقاباً شديداً، يصل إلى قطع اليد. وبقي هذا شأنه ودأبه حتى أكمل بناؤها وسرّ من رؤيتها، فأصبحت بهجة للناظرين.

ونجد في وصف "الأزرفي" ومن تقدم عليه من أهل الأخبار للقليس شيئاً من المبالغة، ولكنه على الاجمال وصف يظهر أنه أخذ من موارد وعته وشاهدته وأدركته. لذلك جاء وصفاً حيأَ نابضاً بالحياة، ينطبق على الكنائس الضخمة التي أنشئت في تلك الأيام في القسطنطينية أو في القدس أو في دمشق، أو في المدن الأخرى. والظاهر من هذا الوصف، أن فن العمارة اليماني القديم قد أثر في شكل بناء هذه الكنيسة، التي تأثرت بالفن البيزنطي النصراني في بناء الكنائس.

ويذكر "الأزرفي" إن القليس بقي في صنعاء على ما كان عليه حتى ولى أبو جعفر المنصور الخلافة، فولي "العباس بن الربيع بن عبيد الله الحارثي" "العباس بن الربيع بن عبد الله العامري" اليمن، فذكر له ما في القليس من ذخائر، وقيل له انك تصيب فيه مالاً كثيراً وكنزاً فتاقت نفسه إلى هدمه. ثم استشار أحد أبناء وهب بن منبه وأحد يهود صنعاء فألحا عليه بهدمه،وبينّ اليهودي له أنه إذا هدمه فإنه سيلي اليمن أربعن سنة، فأمر بهدمه، واستخرج ما فيه من أموال وذهب وفضة. وخاف الناس من لمس الخشبة المنقوشة التي كانوا يتبركون بها،ثم اشتراها رجل من أهل العراق كان تاجراً بصنعاء وقطعها لدار له. وخرب القليس حتى عفى رسمه وانقّطع خبره.

واذا كان ما يقوله الأزرفي نقلاً عن رواة أدركوا تلك الكنيسهّ من إن أبرهه أقامها بأحجار قصر بلقيس باليمن، فإنه يكون بذلك قد قوض أثراً مهماً من آثار مدينة مأرب، وأزال عملاً من الأعمال البنائيه التي أقامها السبئيون في عاصمتهم قبله وهو عمل مؤسف.

وفي صنعاء اليوم موضع يعرف ب "غرفة القليس"، يظن أنه موضع تلك الكنيسة، وهو موضع حفيرْ صغير ترمى فيه القمامات وعليه حائط ويقع أعلى صنعاء في حارة القطيع بقرب مسجد نصير.

وذكر "الهمداني" اسم قصر دعاه "القليس" نسب بناءه إلى "القليس بن عمرو"، وهو في زعمه من أبناء "شرحبيل بن عمرو بن ذي غمدان بن إلى شرح يخضب". وقال: انه بناه بصنعاء، وهو بناء قديم. وذكر أيضاً أن "عمرو ينأر ذو غمدان ابن إلى شرح يخضب بن الصوار" هو أول من شرع في تشييد "غمدان" بعد بنائه القديم.

وقد أمر "أبرهة" ببناء كنيسة في "مأرب" أشار إلى بنائها في نصه الشهير، أقامها في سنة "542م"، ورتب لخدمتها جماعة من متنصرة سبأ، واحتفل هو نفسه بافتتاحها، ولعله استعان ببنائها بحجارة قصور مأرب ومعبدها الكبير، ذلك لأن حجارتها منحوتة نحتاً جيداً،يجعل من السهل استعمالها في البناء على حين يتطلب الحجر الجديد وقتاً طويلاً وأموآلاً باهظة. ولهذا السبب ذهب أهل الأخبار إلى أنه أمر بنقل حجارة قصر مأرب إلى صنعاء.

لقد أصيب مشروع أبرهة الرامي إلى هدم الكعبة والاستيلاء على مكة باخفاق ذريع، يذكرنا بذلك الاخفاق الذيُ مني "به مشروع "أوليوس غالوس". لقد كان في الواقع مشروعاً خطيراً، لو تم إذن لاتصل ملك الروم بملك حلفائهم وأنصارهم الحبش في اليمن، ولتحقق حلم الإسكندر الأكبر وأغسطس ومن فكر في الإستيلاء على هذا الجزء الخطير من العالم من بعدهما، ولتغير الوضع السياسي في الجزيرة من غير شك، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، حدث أن مكة التي أريد هدمها هي التي هدمت ملك الحبشة في اليمن، وملك من جاء بعدهم لنجدة أهل اليمن، وملك البيزنطيين في بلاد الشام وملك الفرس في العراق وفي كل مكان.

وصل إلى "خمير"، ولا في اي مكان كان يحكم. وما علاقة ذلك الملك الحبشي بجزيرة العرب إن صح انه ملك الحبش حقاً.وإذا أخذنا بقول هذا الشاعر وصدّقناه، فقد يكون ذهب ليتوسل إلى الحبش لفك أسر جماعة من قومه أو من أصحابه قد يكونون ذهبوا للاتجار أو لشراء الرقيق، فقبض عليهم لسبب من الأسباب واحتجزوا، فذهب لالتماسهم فنجح في وساطته وقد يكون "خمير" هذا احد الحكّام أو الاقطاعيين، لا النجاشي ملك الأحباش.

ويظهر من كتاب "الإشتقاق" أنه كان لأبرهة حفيد اسمه "ابن شمر، إذ ذكر مؤلفه "ابن دريد" اسم رجل سماه "ابن شمر بن أبرهة بن الصباح"، قال: إنه قتل مع "علي بن أبي طالب" بصفين. ومعنى هذا أنه كان لأبرهة ولد اسمه "شمر". ونجد في كتب أهل الأخبار أسماء رجال كانوا من حفدة "أبرهة".

وقد سعى الأحباش، مدهَ مكثهم في اليمن، في نشر النصرانية بين الناس، وبناء الكنائس،، ويحدثنا "قزما الرحالة" Cosmas Indicopleutes في نحو سنة "535م"، اي بعد اندحار "ذي نواس"، عن كثرة الكنائس في العربيةالسعيدة وعن كثرة الأساقفة والمبشرين الذين بشروا. بين الحميريين والنبط وبني جرم. وقد اشتهرت كنيسة "نجران"، وكذلك كنيسة صنعاءْ، وكنيسهّ "ظفار" التي بناها الحبش،وقد أشرف عليها الأسقف "جرجنسيوس" صاحب "كتاب شرائع الحميرين"، وكان مقرباً لدى النجاشي ومستشاره ومساعده في تنصير الحمريين.

وورد ان القيصر "يوسطين" "جستين" كان قد أرسل "كريكنتيوس" Gregentius of Ulpana من الاسكندرية إلى "ظفار" ليكون "أسقفاً" على نصاراها، وقد تناظر مع "حبر" من أحبار يهود فيها، فغلبه، وقدّم قانون للشريعة إلى "أبرام"Abram"ملك حمير.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

767 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الحادي والاربعون حكم السميفع أشوع


767

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي

الفصل الحادي والاربعون

حكم السميفع أشوع

وذكر "بروكوبيوس" إن الذي حكم حمير بعد مقتل ملكهم هو رجل اسمهEsimiphaios=Esimiphaeus اختاره النجاشي من نصارى حمير ليكون ملكاً. على أن يدفع إلى الأحباش، جزية سنوية فرضي بذلك وحكم. غير أن من تبقىّ من جنود الحبشة في أرض حمير ثاروا عليه وحصروه في قلعة، وعينوا مكانه عبدأَ نصرانياً اسمه "ابراهام" Abraham كان مملوكاً في مدينة "أدولس" "عدول" Adulis لتاجر يوناني. فغضب النجاشي وأرسل قوة قوامها ثلاثة آلاف رجل لتأديبه وتأديب من انضم إليه. فلما وصلت إلى اليمن، التحقت بالثوار، وقتلت قائدها وهو من ذوي قرابة النجاشي. فغضب Hellestheaeus عندئذ غضباً شديدآ،وسيّر إليه قوة جديدة لم تتمكن من الوقوف أمام أتباع Abram فانهزمت ولم يفكر النجاشي بعد هذه الهزيمة في إرسال قوة أخرى. فلما مات، صالح Abraham خليفته على دفع جزية سنويه، على أن يعترف به نائباً عن الملك على اليمن، فعين نائبا عنه.

وذكر "بروكوبيوس" أيضاً أن القيصر "يوسطنيانوس" أرسل رسولاً عنه إلى النجاشي Ela-Atzbeha Hellestheaeus والى Esimiphaeus اسمه "جوليانوس" Julianus ليرجو منهما اعلان الحرب على الفرس وقطع العلاقات التجارية معهم، لأنهما والقيصر على دين واحد، فعليهما مساعدة أبناء دينهم الروم والاشتراك معهم في قضيتهم، وهي قضية عامة مشتركة، على النصارى جميعاً الدفاع عنها.

وطلب من ملك حمير Homeritae خاصة أن يوافق على تعيين "قيس" "Phylarch" Caisus=Kaisos سيداً على قبيلة معد Maddeni، وأن يجهز جيشاً كبيراً يشترك مع قبيلة معد في غزو ارض الفرس. وكان قيس كما يقول "بروكوبيوس" من أبناء سادات القبائل، وكان شجاعاً قديراً وكفؤاً جداً وحازماً، قتل بعض ذوي قرابة Esimiphaeus فانهزم إلى البادية هائماً. وقد وعد الملك خيراً، غير أنه لم ينجز وعده، إذ كان من الصعب عليه اجتياز أرض واسعة بعيدة وطرق طويلة تمر بصحارى وقفار لمحاربة أناس أقدر من قومه في الحرب. وقد وصل رسول "جستنيان" "يوسطنيان" Justinian سنة "531م" إلى ميناء "ادولس" من البحر، ثم ذهب منه إلى "اكسوم" حيث وجد النجاشي Ela Atybeba واقفاً على عربة ذات أربع عجلات، وقد ربطت بها، أربعة فيلة، وكان عارياً إلا من مئزر كتان مربوط بذهب، وقد ربط على بطنه وذراعيه حلياً من ذهب. وبعد أداء هذا الرسول رسالته، ثار "ابرام" Abram على Esimiphos، وقضى على حكمه.

وقد رجع السفير فرحاً مستبشراً بنجاح مهمته، معتمداً على الوعود التي أخذها من الملكين. غير انهما لم يفعلا شيئاً، ولم ينفذا شيئا مما تعهدا به للسفير. فلم يغزوا الفرس، ولم يعين "السميفع أشوع" "قيساً" "فيلارخاً" على قبيلة معد. وقد تحرش Abramos=Abram بالفرس، غير انه لم يستمر في تحرشه بهم، فما لبث أن كف قوانه عنهم.

ولا يعقل بالطبع توسط القيصر في هذا الموضوع لو لم يكن الرجل من أسرة مهمة وعريقة، له عند قومه مكانة ومنزلة، وعند القيصر أهمية وحظوة. ولشخصيته ولمكانة أسرته، وأرسل رسوله الى "السميفع" لاقناعه بالموافقة على اقامته رئيسا على قومه، وبهذا يكتسب القيصر رئيسا قويا وحليفا شجاعا يفيده في خططه السياسية الرامية الى بسط سلطان الروم على العرب، ومطافحة الساسانيين.

وقد زار "ابرام" Abram والد "نونوسوس" Nonnosus الذي أرسله جستنيان" Justinian إلى النجاشي وإلى اليمن وإلى معد Caisus=Kaisos "قيساً" هذا مرتين، وذلك قبل سنة "535م"، وزاره "نونوسوس" نفسه في أثناء حكمه، فأرسل "قيس" ابنه "معاوية" معه إلى القسطنطينية إلى "يوسطنيان"، ثم استقال "قيس"، وصار أخوه رئيساً على معد، وزار القسطنطنية، فعينّ "فيلارخاً" على فلسطين.

ويظهر من دراسة خبر المؤرخ "بروكوبيوس" أن قيصر الروم المذكور كان قد أرسل رسولاً عنه إلى "النجاشي" وإلى "السميفع"، إبان حكم السميفع لليمن، أي قبل ثورة "أبرام" "أبرهة" عليه. ولهذا كلمه الرسول في أمر "قيس"، ولكنه أخفق في اقناعه بالعفو عنه وبالاعتراف به رئيساً على معد، فلم يعترف به إلى مقتله. فلما توفي، جاء رسول القيصر ثانية إلى النجاشي والى ابرهة والى "قيس" بمهمة تحريضهم لمعارضة الفرس، وتوحيد كلمتهم. وكان "أبرهة" على عكس "السميفع" على علاقة طبية ب "قيس"، وقد قرر تنصيبه رئيساً على معد.

وقد أشار المؤرخ "ملالا" إلى خبر الرسول الذي أرسله القيصر إلى النجاشي لاقناعه بالاشتراك مع الروم في محاربة الفرس، غير أنه لم يذكر اسم الرسول الذيَ أوفده القيصر إلى بلاط "أكسوم". وقد ذكر أن النجاشي بعد أن تغلب على ملك حمير عين أحد ذوي قرابته ويدعى Anganes=Agganعلى الحميريين. وأما "يوحنا الأفسي"،. فقد دعاه Abramios، ودعاه "ثيوفانس،" "الحارث" Arethas.

و Esimiphaeusالذي نصبه النجاشي ملكاً على حمير بعد مقتل ملكهم اليهودي،  

هو "السميفع أشوع"، صاحب النص الموسوم ب CIH 621 بين العلماء. وقد دونه مع أولاده: "شرحبيل" يكمل" و "معديكرب يعفر"، وجماعة من سادات القبائل منهم: أبناء ملحم "ملحهم"، وكبراء "كبور" قبائل محرج سيبان ذو نف. وقد كان السميفع أشوع من "بني لحيعت يرخم"،وكان هو وأولاده سادة "الهت" على: "كلعن" "كلعان" أي الكلاع و"ذ يزن" "ذى يزان" "ذى يزأن" و "ذى جون" و "مثلن" "مثلان" "مطلحن" "مطلحان" و "شرفن" "شرفان" "شرقان" و "حب" "حبم" ويثعن "يثعان" و "يشر" يشرم ويزر ومكرب "مكريم، و "عقهت" "عقهة" و "بزاي" "بزايان" ويلجب "يلجبم" وغيمن "غيمان" "جيمان" و يسب وجبح وجدوى "جدويان" و "كزر" "كزران" و "رخيت" وجردان "الجرد" وقبيل "قبلان" و شرجى "شرجا".

أما أبناء ملحهم، فقد كانوا على وحظت "وحظة" و "الهان" "الهن" و "سلفن" "سلفان" "السلف"، و "ضيفن" "ضيفت" "الضيفة" و "ريان" "رثاج" و "رياح" و "ريحن" و "ر كب" "ركبن" و "مطلن" "مطلان" و "مطلفن" "مطلفان" و "ساكلن" "ساكلان"، و "زكزد".

وقد دونوا النص المذكور، لمناسبة ترميمهم واصلاحهم أسوار ودروب ومنافذ وصهاريج حصن "مويت" "عرمويت"، "ماويت" "ماوية"، وتحصنهم فيه بعد أن جاء الحبش إلى أرض حمير ففتحوها، وقتلوا ملكها وأقياله الحمريين والأرحبيين، وذلك في شهر "ذو حجت" "ذي الحجة" من سنة "640" من التأريخ الحميري الموافق لسنة "525 " للميلاد.

ويظهر إن "السميفع أشوع"، كان من أهل "نصاب"، وكان قد هاجر لسبب لا نعرفه هو وأولاده إلى الحبشة.فأقام بها، ثم عاد فاستقر في "عرّ مويتّ" أي في "حصن ماوية"، وأخذ يوسع من هذا الحصن أرضه ويفتح أرضين جديدة ويتقدم نحو الأرضين التي حكمها "ذو نواس". فلما جاهر "ذو نواس" بمناصبة النصرانية والحبش والروم العداء،كلفه الحبش والروم بمهاجمة "ذي نواس" وقدّموا له المساعدات المادية من عون عسكري ومالي، يستعين بها في تنفيذ مشروعه هذا. وأخذ يشتري القبائل ويفرض نفوذه عليها بالقوة وبالمال حتى انتهى الأمر بزوال ملك "ذي نواس"، فعيّن "السميفع" حاكماً على اليمن ونائباً عن ملك الحبشة عليها، الا أن ثورة وقعت فيها، قضت على حكمه، فولى الأحباش شخصاً آخر في مكانه. وذلك بعد السنة "531" للميلاد.

و "شرحب ال لحمى عت يرخم" "شرحبيل لحيعت يرخم"، هو والد "السميفع أشوع"، ولم يكن ملكآَ، غير أنه لم يكن من العامة، بل كان من "اقول" الأقيال. وذلك لعدم ذكر لقب الملك بعد اسمه، وعدم نص ابنه "السميفع" على أن والده كان ملكاً. ويجوز أن يكون للسميفع أشوع أبناء آخرون،غير الولدين: "شرحب ال يكمل" "شرحبيل يكسل" و "معد يكرب يعفر" المذكورين في النص.

وفي متحف استانبول نص وسم ب Osma. Mus. No:281 نشره وترجمه العالم البلجيكي "ريكمنس" G.Ryckmans، في مجلة Le Museon،وردت في مطلعه جملة: "نفس قدس سميفع أشوع ملك سبا "، وفي آخره عبارة: "بسم رحمنن وبنهو كرشتش غلبن "، ومعناها "بسم الرحمن وابنه المسيح الغالب". وفي هاتين الجملتين دلالة مريحة على أن السميفع أشوع كان ملكاً على سبأ وأنه كان على دين النصارى. وقد استعمل النص كلمة "كوشتس" بمعنى المسيح ويستعملها أهل الحبشة كذلك. وقد أخذوها، ولا شك من الروم. ويؤيد كولت "السميفع أشوع" نصرانياً، ما ذكره المؤرخ "بروكوبيوس" من أن الحبشة عينت رجلاً نصرانيأ من حمير اسمه Esimiphaeus ملكاً على حمير، وذلك بعد قتل الملك الحميري الذي عذِّب النصارى في بلاده، ويقصد به ذو نواس.

ولم جيك "السميفع أشوع" ملكاً مستقلاً كل الاستقَلال يتصرف بملكه كيف يشاء، بل كان في الواقع تابعاً لحكومة "أكسوم". يفهم ذلك صراحة من هذا النص الذي أتحدث عنه. جاء في السطر الثالث منه:"امراهمو نجشت اكسمن برو وهوثرن"، أي "في أيام أميرهم نجاشي أكسوم بنوا وأسسوا". وجاء في السطر السادس: "املكن الابحه ملك جبشت"، أي "الملك الابحة ملك الحبشة"، ويقصد ب "الابحة" نجاشي الحبشة "الا أصبحة" Ella ' Asbeha الذي كان ملك الحبشة في ذلك العهد، وعاصمته مدينة "أكسوم".

وتعني كلمة "نجشت" الواردة في النص ملكَاً أو أميراً في العربية، وقد أخذها العرب من البفس، وأطلقوها على ملوك الحبش، وهي "نجاشي" و "النجاشي" في عربيتنا، كما أطلقوا كلمة "قيصر" على اباطرة الروم.

وقد ذكرت في النص أسماء "ذو يزان" "ذو يزن" و "حسن" "حسان" و "شرحبال" "شرحبيل" قيل "ذو معفرن"، أي قيل المعافر. و"اسودن" أي الأسود "وسميفع" قيل "دو بعدان" "ذ بعدن"، وزرعة قيل مرحبم، أي مرحب "المراحب" و "حارث" و "مرثد" أمراء "ثعبان"و "شرحبيل يكمل". وجاء بعض هذه الأسماء في نصوص أخرى، ومنها نص " حصن غراب" المتقدم وقد اشتهر بعض هذه القبائل في الإسلام.

ولدينا نص غفل من التأريخ وسمه العلماء بREP.EPIG.4069، وردت فيه جملة أسماء، هي: "شرحب ال يكمل" "شرحبيل يكمل" و"شرحب ال يقبل" "شرحيل يقبل"، و "مرثد علن احسن" "مرثد علن أحسن" "مرثد علان أحسن"، و "سميفع أشوع" أبناء "شرحب ال لحى عت يرخم" "شرحبيل لحيعت يرخم" أقيال "اقول" "ذو يزان" "ذو يزن" و "جدنم" "ذو جدن" و "يلجب" و "يصر". ويظن أن "السميفع أشوع" المذكور هنا هو الملك الذي نتحدث عنه. ولم يلقب في هذا النص بلقب ملك، كما لم يلقب به والده كذلك. والظاهر أنه كتب قبل عهد توليه الملك. وأنه لم يكن من الأسرة المالكة، ولكن من ابناء الذوات والأعيان. ووردت في نهاية النص جملة "الرحمنّ رب السماء والأرض"، وهي عبارة تختلف عن العبارات المألوفة التي نعهدها في النصوص الوثنية القديمة، تظهر منها عقيدة التوحيد والابتعاد عن الآلهة اقديمة بكل جلاء. غير أننا لا نستطيع أن نستخرج منها أن صاحبها كان يهودياً كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين، أو أنه كان نصرانيا. انما نستطيع أن نقول إن أصحاب هذا النص كانوا على دين التوحيد وكفى.

ومن الأسماء الواردة في هذا النص: "ضيفتن" "ضيفت" "ضيفة" و "ريحم" "ريح" "رياح" و "مهرت" "مهرة" وقبيلة "سيبن" "سيبان ". وقد تكون مهرت "مهرة"، هي مهرة التي تنسب إلى "مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قصاعة" في اصطلاح النسابين.

ويقع "عرمويت"، أي حصن "مويت" "ماوية" في جزيرة بركانية تسمى حصن الغراب" وهو الآن خراب. وقد عثر الباحثون في أنقاضه على كتابة وسمت بCIH 728 دونها "صيد ابرد بن مشن" "صيد ابرد بن مشان"، أحد أقيال "بدش" "باداش". وورد فيها اسم "قنا". وقد كان لهذا الحصن شأن كبير في تلك الأيام لحماية الجزيرة والميناء من الأعداء المهاجمين ومن لصوص البحر. وللدفاع عن التجار الذين كانوا يتاجرون مع افريقية والهند. ولهذا اهتم " ألسميفع أشوع" وأولاده بترميمه وبإصلاحه وتقويته.

وأما ميناء "قنا" الذي ذكرته في مواضع من هذا الكتاب، وهو في الموضع المسمى ب "بيرعلي" في الوقت الحاضر على رأي بعض الباحثين، فقد كان من الموانىء المهمة على البحر العربي. وقد كان مرفأ للتجارة الآتية من الشمال، أو من البحر لارسالها إلى "شبوة" ومواضع أخرى في شمال هذا الميناء.

ومما يلاحظ أن المواضع الآثارية التي على الساحل الجنوبي لجزيرة العرب قليلة معدودة. وتكاد تنحصر في أرض عدن وابينَ. وحصن الغراب وفي مواضع من أطراف "ظفار" وحول "المكلا" و"الشحر " وساحل مهرة. مع ان السواحل هي من المواضع التي يجب أن تكون في العادة عامرة بالمدن والمرافئ بسبب سهولة اتصالها بالعالم الخارجي، ووقوعها على طرق مائية تجلب اليهن السفن والناس. والظاهر ان وخامة الجو في هذه السواحل وصعوبة حماية ساحل من لصوص البحر، وتفشي الامراض، وملوحة المياه الجوفية، واسبابا اخرى، كانت في جملة ما حال بين الناس وبين بناء المدن على هذه السواحل.

وقد اشتهرت ظفار بأنها المرفأ المعد لتصدير اللبان والمر وحاصلات البلاد العربية الجنوبية الاخرى. وكان محاطا بسور. أما المواضع الاخرى، فلم تكن مسورة في الغالب. وقد اشار " كرب ايل وتر " في اخباره عن حروبه في السواحل الجنوبية انه خرب مدينة " تفض" في " ابين "، واحرق مواضع اخرى على البحر، يظهر انها لم تكن مسورة. ويظهر ان السواحل لم تكن مأهولة مثل الارضين الشمالية العالية، فلم يعثر الباحثون على كتابات كثيرة فيها حتى الآن. وصارت مدينة "عدن" ومدينة "قنا" من أهم المرافىء على الساحل الجنوبي.

هذا ولا بد لي هنا من الإشارة إلى كتابة حبشية ناقصة عثر عليها "أحمد فخري" سنة "1947م" بمأرب، فيها إشارة إلى دخول الحبشة إلى اليمن، وإن لم ينص على ذلك نصاً. ويظن أنها تشدير إلى استيلاء "الا اصبحة" النجاشي على اليمن سنة "525" للميلاد. وانتصارة على "ذي نواس".

ويظهر من هذه الكتابة أن حملة الحبش على اليمن نقلت في قافلتين من السفن: تحركت القافلة الأولى بقيادة النجاشي الذي كان قد احتجز سفينة خاصة به، فعبرت به باب المندب ورست عد ساحل اليمن.وكانت سفينة النجاشي أول سفينة بلغته، ثم تلتها بقية السفن. وقد سقط من الكتابة اسم الموضع الذي رست السفن فيه، ولعلة "مخا". فوقعت معارك بين ألحبش، وبين الحميرين، انتصر فيها الأحباش فأخذوا أسرى وغنائم. ولما كان النصر ناقصاً وقد طمست من الكتابة البا??قية منهَ كلمات، فقد صار غامضاً مقتضباً،لا يفهم منه إلا إشارات.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

766 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الحادي والاربعون العرب وألحبش


766

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي

الفصل الحادي والاربعون

العرب وألحبش


صلات العرب بالحبشة صلات قديمة معروفة ترجع إلى ما قبل الميلاد. فبين السواحل الافريقية المقابلة لجزيرة العرب وبين السواحل العربية اتصال وثيق قديم، وتبادل بين السكان. اذ هاجر العرب الجنوبيون إلىالسواحل الافريقية وكونوا لهم مستوطنات هناك، وهاجر الأفارقة إلى العربية الجنوبية، وحكموها مراراً، وقد كان آخر حكم لهم عليها قبل الإسلام بأمد قصير.

ويرى بعض الباحثين إن أصل الحبش من غرب اليمن من سفوح الجبال،وفي اليمن جبل يسمى جبل "حُبيش"، قد يكون لاسمه صلة بالحبش الذين هاجروا إلى افريقية وأطلقوا اسمهم على الأرض التي عرفت باسمهم،أي "حبشت" أو الحبشة.

ويرون أيضاً إن "الجعز" أو "جعيزان" كما يدعون كذلك، هم cesani للذين وضع "بليني" منازلهم على مقربة من "عدن". فهم من أصل عربي جنوبي. هاجر إلى الحبشة وكو"ن مملكة هناك. والى هؤلاء نسبت لغة الحبش، حيث عرفت بالجعزية، أي لغة الجعز.

ويظن إن العرب الجنوبيين هم الذين موّ نوا السواحل الافريقية المقابلة بالعناصر السامية. وكانوا قد هاجروا مراراً اليها،ومن بين تلك الهجرات القديمة، هجرة. قام بها السبئيون في القرن الخامس قبل الميلاد. وقد هاجر معهم "الحبش" في ذلك الوقت أيضاً. وقد توقف سيل الهجرات هذه حين ندخل "البطالمة" في البحر الأحمر،وصار لهم نفوذ سياسي وعسكري على جانبي هذا البحر. غير أنها لم تنقطع انقطاعاً تاماً، إذ يرى بعض الباحثين أن العرب كانوا قد دخلوا الحبشة والسواحل الإفريقية المقابلة فيما بعد الميلاد أيضاً، فنزحوا اليها فيما بين السنة "232" والسنة "250" بعد الميلاد مثلاً، حيث ركبوا البحر ونزلوا هناك.

وقد تبين أن السبئيين كانوا قد استوطنوا في القرن السادس قبل الميلاد المناطق التي عرفت باسم "تعزية"Ta'izziya من أرض "أريتريا" ونجد الحبشة، وكوّنوا لهم حكومة هناك. وأمدوا الأرضين التي استولوا عليها بالثقافة العربية الجنوبية. ولم يقطع هؤلاء السبئيون صلاتهم بوطنهم. القديم، بل ظلت أنظارهم متجهة نحوه في تدخلهم وهم في هذا الوطن بشؤونه وارسالهم حملات عليه واحتلالهم له في فترات من الزمن. ولعلّ ما جاء في أحد النصوص من "مصر" الحبشة، قصد به هؤلاء الذين كانوا قد استوطنوا تلك المنطقة من إفريقية.

وفي القرن السادس قبل الميلاد،كان الاوسانيون قد نزحوا إلى السواحل الافريقية الشرقية، فاستوطنوا الأرضين المقابلة ل Pemba "زنزبار" Zanzibar وهي "عزانيا" Azania، وتوسعوا منها نحو الجنوب. وقد عرف هذا الساحل في كتاب "الطواف حول البحر الأريتري "، باسم Ausaniteae وهو اسم يذكرنا ب "أوسان". وقد ذكر مؤلف الكتاب، أنه كان خاضعاً في أيامه "القرن الأول بعد الميلاد"ء، لحكام Mapharitis. ويريد بهم حكام دولة "سبأ وذو ريدان".

وقد عثر الباحثون على حجر مكتوب في حائط كنيسة قديمة بالقرب من "أكسوم"، وإذا به كتب بالسبئية، وفيها اسم الإلهة السبئية "ذت بعسن" "ذات بعدن" "ذات البعد" وعثر على بقايا أعمدة في موضع "يحا" الواقع شمال شرقي "عدوة" Adua، تدل على وجود معبد سبئي في هذا المكان، كما عثر على مذبح سبئي خصص بالإله "سن" "سين". وعثر على كتابات وأشياء أخرى تشير كلها إلى وجود السبئيين في هذه الآرضين.

وعرف ملك الحبش ب "النجاشي" عند العرب. واللفظة لقب تطلقه العربية على كل من ملك الحبشة، فهي بمنزلة "قيصر"، اللفظة التي يطلقها العرب على ملوك الروم، و "كسرى" التي يطلقونها على من حكم الفرس، و "تبع" التي يطلقونها على من يحكم اليمن. أما في العربية الجنوبية، فقد أطلقت لفظة "ملك" على من ملك الحبشة، وقد ورد "ملك اكسمن"،أي "ملك اكسوم" وورد "ملك حبشت"، أي ملك الحبشة. فأخذ العرب اللفظة من الحبش. وهي في الحبشية بمعنى جامع الضريبة، والذي يستخرج الضريبة، فهي وظيفة من الوظائف في الأصل، ثم صارت لقباً. وورد في بعض النصوص العربية الجنوبية اذ لقب به "جدرة" مثلاً.

ويظن إن مملكة "أكسوم" التي ظهرت في أوائل أيام النصرانية، قد كانت دولة أقامها العرب الجنوبيون في تلك البلاد. وقد استطاع الباحثون من العثور على عدد من الكتابات تعود إلى ملوك هذه المملكة، دوّن بعض منها باليونانية مما يدل على تأثر ملوك هذه المملكة بالثقافة اليونانية وعلى وجود جاليات يونانية هناك نشرت ثقافتها في الحبشة. وقد عرفْت هذه المملكة بمملكة "أكسوم" "اكسمن".نسبة إلى عاصمتها. مدينة "اكسم" "أكسوم".

وقد كان ملوك أكسوم وثنيين. بقوا على وثنيتهم إلى القرن الرابع أو ما بعد ذلك للميلاد. ويظن إن إلملك "عزانا" Ezana وهو ابن الملك "الاعميدا" Ela-Amida، هو أول ملك تنصر من ملوك هذه المملكة وذلك لعثور الباحثين على آثار تعود إلى عصر، ترينا القديمة منها انه كان وثنياً، وترينا الحديثة منها انه كان نصرانياً، مما يدل على أنه كان وثنياً في أوائل أيام حكمه، ثم اعتنق النصرانية، فأدخل شعارها في مملكته، وذلك بتأثير المبشرين عليه.

وفي جملة ما يستدل به على تأثر العرب الجنوبين في الحبش، هو الأبجدية الحبشية المشتقة من الخط العربي الجنوبي. وقرب لغة الكتابة والتدوين عندهم من اللهجات العربية الجنوبية. وبعض الخصائص اللغوية والنحوية التي تشير إلى أنها قد أخذت من تلك اللهجات. ثم عثور العلماء على أسماء الهة عربية جنوبية ومعروفة في كتابات عثر عليها في الحبشة والصومال. ووجودها في هذه الأرضين هو دليل على تأثر الافريقين بالثقافة العربية الجنوبية،أو على وجود جاليات عربية جنوبية في تلك الجهات.

وكما تدخل العرب في شؤون السواحل الإفريقية المقابلة لهم، فقد تدخل. الافريقيون في شؤون السواحل العربية المقابلة لهم. لقد تدخلوا في أمورها مراراً. وحكموا مواضع من ساحل العربية الغربية ومن السواحل الجنوبية وتوغلوا منها إلى مسافات بعيدة في الداخل حتى بلغوا حدود نجران.

ويظهر من الكتابات الحبشية، أن الحبش كانوا في العربية الجنوبية في القرن الأول للميلاد. وقد كانوا فيها في القرن ألثاني أيضاً. ويظهر أنهم كانوا قد استولوا على السواحل الغربية، وهي سواحل قريبة من الساحل الافريقي ومن الممكن للسفن الوصول اليها وانزال الجنود بها. كما استولوا على الأرضين المسماة ب Kinaidokopitae في جغرافية "بطلميوس".

وورد في نص من النصوص الحبشية أن ملك "أكسوم" كان قد أخضع السواحل المقابلة لساحل مملكته، وذلك بارساله قوّات برية وبحرية تغلبت على ملوك تلك السواحل من ال "Arrhabite " "الأرحب" "الارحبية" "أرحب" Kinaidokolpite، وأجبرتهم على دفع الجزية، وعلى العيش بسلام في البر وفي البحر. ويرى بعض الباحثين إن المراد ب "Arrhabite" بدو الحجاز. وأن Kinaidokolpite هم "كنانة". وأن السواحل التي استولى الأحباش عليها تمتد من موضع "لويكه كومه" Leuke Kome "القرية البيضاء" إلى أرض السبئيين.

ويرى "فون وزمن" أن احتلال الحبش لأرض Kinaidokoplitae الأرض المسماة باسم قبيلة لا نعرف من أمرها شيئاً، والتي ورد اسمها في كتابة Monumentum Adulitanum فقط وفي جغرافية "بطلميوس"، كان قبل تدوين تلك الكتابة وربما في حوالي السنة" 100" بعد الميلاد. ويراد بها ساحل الحجاز وعسير من ينبع Ianbia في الشمال إلى السواحل الجنوبية الواقعة على البحر العربي شمال "وادي بيش"،فشملت الأرض المذكورة والتهائم والساحل كله.

غير اننا نجد أن مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري" يشير من جهة آخرى إلى أن الساحل الافريقي المسمى ب "تنجانيقا" في الوقت الحاضر كان في أيدي الحميريين في ذلك الوقت. ومعنى ذلك إن ملك حمير استطاع في أيام ذلك المؤلف من الاستيلاء على ذلك الساحل ومن ضمه إلى ملكه. كما فعل أهل حضرموت وعمان فيما بعد.

ووردت جملة "احزب حبشت" في النص الموسوم ب "CIH 314+954". وهي تشير إلى وجود "أحزاب" أي جماعات من الحبش في العربية الجنوبية. وقد يراد بها مستوطنات حبشية وقوات عسكرية كانت قد استقرت في تلك البلاد. كما وردت في النص الموسوم ب Ryckmans 535 اذدي يتحدث عن حرب أعلنها "الشرح يحضب" على "احزب حبشت"، و "ذى سهرتن" و "شمر ذى ريدان".

وأشار "اصطيفان البيزنطي" إلى قوم دعاهم Abasynoi يظهر من قوله إن مواطنهم كانت في شرق حضرموت. ويفهم من كلامه أن هؤلاء كانوا حبشاً يقيمون في هذه الأرضين. وقد يكونون قد استولوا عليها بانقوة وألحقوا ما استولوا عليه بمملكة أكسوم.

وورد في كتابات تعود إلى أيام "علهان نهقان"، بأن هذا الملك كان قد تفاوض مع "جدرت" "جدرة" ملك "أكسوم" والحبشة لعقد صلح معه. ويظهر من جملة "واقول وقدمن واشعب ملك حبشت"،أي "واقيال وسادات وقبائل ملك الحبشة"، الواردة فيها، أن ملك الحبشة كان يحكم جزءاً من العربية الجنوبية في ذلك الوقت، وان الملك "علهان نهفان" تفاوض معه لتحسين العلاقات السياسية فيما بينه وبين الحبش ولضمان مساعدتهم في حروبه مع منافسيه وخصومه. ويرى "فون وزمن" أن تلك المفاوضات كانت قد جرت في حوالي السنة "180" بعد الميلاد.

وقد عقد "علهان" حلفاً مع الحبش، ويظهر أنه عقده بعد انتهائه من الحرب التي أعلنها على حمير. تلك الحرب التي اشترك الحبش فيها أيضاً وكذلك أهل حضرموت. ولما عقد "علهان" الحلف مع الحبش، كان ابنه "شعر أوتر" قد اشترك معه في الحكم.

ولم يدم الحلف الذي عقد بين "علهان" وابنه "شعر أوتر" من جهة والحبش من جهة أخرى، إذ سرعان ما نقض ووقعت الحرب بن "شعر أوتر" وبين "الحبش" على نحو ما ذكرت في أثناء حديثي عن حكم ""شعر أوتر". إلا أنه لم يتمكن من القضاء عليهم، ولم يزحهم عن اليمن. بل بقوا في الأرضين التي كانت خاضعة لهم والتي تقع في الجزء الغربي من اليمن.

وقد جاء اسم "جدرت" "جدرة" على هذه الصورة: "جدر نجش اكسم" في النصوص. وورد على هذه الصورة: "جدرت ملك حبشت واكسمن" في النص الذي وسم ب Jamme ومعنى الجملة الأولى "جدر نجاشي أكسوم".

ومعنى الجملة الثانية "جدرة ملك الحبشة وأكسوم". وقد قدّر بعض الباحثين زمان حكم هذا النجاششي بحوالي السنة "250" بعد الميلاد.

ويظهر إن الحبش كانوا قد تمكنْوا من دخول "ظفار" عاصمة حمير، وذلك فيما بين السنة "90 ا" و "205" بعد الميلاد. وذلك في أيام "لعزز يهنف يهصدق". ولا ندري إلى متى بقوا فيها. والظاهر أن حكمهم فيها كان قصيراً.

وقد كان نزول الحبش في أرض اليمن في أيام حكم الملك الحبشي "عذبة" على ما يظن. وكان هذا الملك على صلات حسنة بالرومان،ففتح بلاده للمصنوعات الرومانية النفيسة، وظل الحبش في اليمن في أيامه حتى وفاته، فلما توفي أو عزل تولى ملك آخر مكانه هو "زوسكالس" Zoskales وقد أدى هذا التغير إلى تبدل ألحال، اذ اضطر الحبش إلى النزوح من الأماكن التي كانوا قد استولوا عليها. ويرى بعض الباحثين إن ثورة قامت في الحبشة على حكم "عذبة" وأحلت "زوسكالس" محله. فانتهز أهل اليمن فرصة انشغال الحكومة بالاضطرابات التي وقعت بهذه الثورة، ونهضوا على الحبش فأخرجوهم عن ديارهم،وأخرج الحبش من السواحل التي كانوا قد استولوا عليها، المعروفة ب Kinaidokolpitae، ويراد بها ساحلّ الحجاز وعسير.

ووردت في النص الموسوم ب "Rychmans 535"، لفظة "و ذ ب ه" "وذبه" ثم ذكرت بعدها جملة: "ملك اكسمن "، أي "ملك الاكسومين"، أو "ملك الأكسوميين". وهو الملك الذي استعان به "شمر ذو ريدان". وقد قرأ بعض الباحثين لفظة "وذبه" على هذه الصورة "عذبة" اًو "وزبه". وذهبوا إلى أنه ملك الحيشة الذي استعان به "شمر ذو ريدان"4، والذي تدخل في شؤون اليمن فيما بين السنة "300" و "320" بعد الميلادْ، ويظهر من اللقب الطويل الذي تلقب به ملك "أكسوم"،أي الحبشة Ethiopiaوهو الملك "عيزانا" Ezana، أن اليمن وما جاورها من أرضين كانت خاضعة لحكم الحبش في أيامه أيضاً. أما لقبه الذي تلقب به فهو: "ملك اكسوم وحمير وريسان وسبأ وسلحن"، ويذكر بعد هذا اللقب أسماء ثلاثة مناطق افريقية كانت تحت حكمه، ثم ختم هذا اللقب بتتمته، وهي جملة: "ملك الملوك" و "سلحن" "سلحين"، هو قصر ملوك سبأ وذو ريدان بمأرب.

وكان الملك "عيزانا" "عزانا"، قد دخل في النصرانية بتأثير المبشر "فرومنتيوس"، الذي أرسله إليه الملك "قسطنطين" ملك البيزنطيين عام "350" للميلاد أو "356". وقد فرض هذا الملك النصرانية على شعبه وأعلنها ديانة رسمية لمملكته كما جعل الديانة الرسمية للعربية الجنوبية.

وكانت العربية الجنوبية خاضعة لحكم أبيه، ولعلّه هو الذي أدخلها في حكمه. اذ كان أبوه وهو "الاعميدا" Ella 'Amida، قد لقب نفسه باللقب المذكور. ويرى بعض الباحثين أن حكم "عيزانا" لم يكن فيما بين السنة "330" و "350" بعد الميلاد أو بعد ذلك كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين، بل كان في حوالي السنة "450" للميلاد. ويرى أن ملكاً آخر كان قد تدخل في شؤون اليمن واستولى على ساحل Kinaidokopitae، هو الملك "سمبروتس" Sembruthes وقد حكم على رأيهم في حوالي السنة "405" بعد الميلاد.

ويرى بعض الباحثين أن الحبش استولوا على العربية الجنوبية بعد وفاة "شمر يهرعش"، وأن ذلك كان في حوالي السنة "335 م". وأن "ثيوفيلس" نصَّر عرب اليمن في حوالي السنة "354 م"، إذ أنشأ كنيسة في " ظفار". وقد صار رثيس أساقفة "ظفار" يشرف على الكنائس التي أنشئت في اليمن وفي ضمن ذلك كنيسة "نجران" والكنائس الأخرى التي بنيت في العربية الجنوبية إلى الخليجْ.

وأعرف تدخل للحبش في العربية الجنوبية، تدخلهم في شؤون اليمن في النصف الأول للقرن السادس واحتلالهم اليمن، إذ بقوا فيها أمداً حتى ثار أهل اليمن عليهم، فتمكنوا من انقاذ بلادهم من الحبش بمعونة من الفرس. وتركوا بذلك اليمن أبداً.

ويظهر من بعض الكتابات أن حصن "شمر" والسهل المحيط به كان في أيدي الحبش، وقد ورد فيها اسم موضع "مخون"، وهو "مخا". ويرد اسم هذه المدينة لأول مرة. وتتناول هذه الكتابات حوادث وقعت سنة "528" بعد الميلاد. وتبدأ قصة دخول الحبش إلى اليمن على هذا النحو: لما قتل ذو نواس من اًهل نجران قربباً من عشرين ألفاً، أفلت منهم رجل يقال له "دوس ذو ثعلبان" أو رجل آخر اسمه "جبار بن فيض" أو غير ذلك، ففرّ على فرس له، فأعجزهم حتى خرج فوصل الحبشة،وجاء إلى ملكها، فأعلمه ما فعل "ذو نواس" بنصارى نجران، وأتاه بالانجيل قد أحرقت النار بعضه، فقال له: الرجال عندي كثير، وليست عندي سفن. وأنا كاتب إلى قيصر أن يبعث إليّ بسفن أجعل فيها الرجال، فكتب إلى قيصر في ذلك وبعث إليه بالانجيل المحرق. فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة عبر فيها البحر ودخل اليمن.

وفي رواية أخرى إن "دوس ذو ثعلبان" قدم على قيصر صاحب الروم، فاستنصره على "ذي نواس" وجنوده وأخبره بما بلغ منهم، فقال له قيصر: بعدت بلادك من بلادنا ونأت عنا، فلا نقدر على إن نتناولها بالجنود. ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فانه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك منا، فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك. فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه، ويأمره بنصره وطلب ثأره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه. فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي، بعث معه سبعين ألفاً من الحبشة، وأمر عليهم رجلاٌ من أهل الحبشة يقال له أرياط، وعهد إليه إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، وأخرب ثلث بلادهم، واسب ثلث نسائهم وأبنائهم. فخرج أرياط ومعه جنوده، وفي جنوده أبرهة الأشْرم، فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان حتى نزلوا بساحل اليمن. وسمع بهم ذو نواس، فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن، فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرق لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة، فلم تكن له حرب، غير أنه ناوش ذا نواس شيئاً من قتال، ثم انهزموا ودخلها أرياط بجموعه. فما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه، وجه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فسحل فيه، فكان آخر العهد به. ووطىء "أرياط" اليمن بالحبشة، فقتل ثلث رجالها وأخرب ثلث بلادها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها، ثم أقام بها.

ويظهر من دراسة هذا المروي،أن الرواة كانوا على اختلاف بينهم في حديثهم عن "أصحاب الأخدود". وقد أشار العلماء إلى هذا الاختلاف. وقد اختلفوا في زمانهم أيضاً، واكتفى بعضهم بقولهم: "وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد"، وقال بعضهم: انهم كانوا باليمن قبل مبعث الرسول بأربعين سنة، أخذهم "يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيفاً وثمانين رجلاً، وحفر لهم أخدوداً وأحرقهم فيه. وجعل بعضهم عدد من قتل من نصارى نجران عشرين ألفاً، وجعله بعضهم اثني عشر ألفاً، وذكر بعض آخر إن أصحاب الأخدود سبعون ألفاً. وقد قتلهم "ذو نواس اليهودي" واسمه "زرعة بن تبان أسعد الحميري"، واسمه أيضاً "يوسف". وجعله بعضهم "يوسف بن ذي نواس بن تبع الحميري". وجعلوا زعيم نصارى نجران، والذي ثبت النصرانية فيها ونشرها بين النجرانيين رجل من أهل نجران، اسمه "عبد الله بن ثامر". وكان قد أخذ النصرانية عن راهب، رآه فلازمه وتعلق به، وأثر في قومه، بشفائه الأمراض بالدعاء لهم إلى الله لشفائهم، فدخل كثير ممن شفوا وبرؤوا بدينه، وبذلك انتشرت النصرانية في نجران.

ولم يبين رواة الخبر المتقدم الأسباب التي دعت نجاشي الحبشة إلى الطلب من قائده "أرياط" بأن يقتل ثلث رجال اليمن، ويخرب ثلث البلاد، ويسبي ثلث النساء وأبناءهم وأن يتبع هذا النظام الثلاثي في العقوبة. ولم يذكروا الموارد التي أخذوا منها خبرهم على طريقتهم في أخذ الأخبار من غير تمحيص.

وزعم "ابن الكلبي" أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر،حمل جيشه فيها، فخرجوا في ساحل المندب. فلما سمع بهم ذو نواس، كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته، وان يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحداً فأبوا، وقالوا: يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته. فلما رأى ذلك، صنع مفاتيح كثيرة، ثم حملها على عدة من الابل، وخرج حتى لقي بعضهم فقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها. فلما وجه الحبشة ثقات اصحابهم في قبض الخزائن، كتب "ذو نواس" إلى كل ناحية أن اذبحوا كل من يريد اليكم منهم. ففعلوا فلما بلغ النجاشي ما كان من ذي نواس، جهز سبعين ألفاً، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة. فلما صار الحبشة إلى صنعاء ورأى ذو نواس أن لا طاقة له بهم، ركب فرسه واعترض البحر فاقتحمه، فكان أخر العهد به.

هذا مجمل ما ورد في كتب المؤرخين الاسلاميين والأخبارين عن ذي نواس. وقد أخذ بعضه مما علق في أذهان أهل اليمن عن ذلك الحادث، وأخذ بعض آخر مما علق بأذهان أهل الكتاب عنه، ويعود الفضل في تدوينه وجمعه إلى القران الكريم، إِذ إشار بايجاز إليه: )قتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود(. فكانت اشارته هذه الى أصحاب الأخدود حافزاً دفع بالمفسرين وأصحاب التأريخ والأخبار على جمع ما علق بالأذهان من هذا الحادث، فجاء على الصورة المذكورة.

ولم يرد الينا شيء من هذا القصص الذي رواه الأخباريون عن ذي نواس مكتوباً في المسند. وكل ما ورد مما له علاقة في حادث دخول الحبشة اليمن، هو ما جاء في النص المهم المعروف بنص حصن غراب والموسوم REP.EPIGR.2633 من أن الأحباش فتحوا أرض حمير وقتلوا ملكها وأقياله الحميريين والأرحبيين.

ولم يذكر في النص اسم هذا الملك. ويعود تأريخه إلى سنة "645" من التقويم الحميري الموافقة لسنة "525" للميلاد.

ويرى ونكلر مستنداً إلى نص "حصن غراب" أن "ذا نواس" كان هو البادىء بالحرب، وأن السميفع أشوع وأولاده أصحاب النص كانوا في معية الملك ذي نواس في حملته على الحبشة، غير انه لم يكتب له التوفيق، وأصيب بهزيمة اذ سقط فهزم جمعه. وعندئذ غزا الحبش ارض اليمن واستولوا عليها. فأسرع السميفع أشوع وأولاده في الذهاب إلى حصن "ماوية" للتحصن فيه ولتقوية وسائل دفاعه، ولم تكن قلوب هؤلاء مع ذي نواس، وانما أكرهوا على الذهاب معه. وبقوا في حصنهم هذا إلى أن دخل الحبش أرض اليمن، فتفاهم معهم.

وقد أشرت إلى ملخص ما جاء في التواريخ الاسلامية عن ذي نواس وعن حادث تعذيب نصارى نجران، وهو حادث لم يكن بعيد العهد عن الإسلام. فقد أشير إليه بايجاز في القرآن الكريم: ) قتل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود. اذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (. فجمع المفسرون والأخباريون ما علق بالأذهان من هذا الحادث ورووا أخباراً متناقضة متباينة في أصحاب الأخدود.

أما رأي اليهود - وهم طرف من أطراف هذا النزاع - عن حادث نجران فلا علم لنا برأي رجاله المعاصرين في الحادث. إذ لم يصل الينا شيء مدوّن بقلم مؤلف يهودي معاصر له. وقد أخذ الأخباريون - كما قلت - ما كان علق عن ذلك الحادث بأذهان يهود اليمن ويثرب، على لسان وهب بن منبه، وأضرابه، أخذوه عن طريق الرواية والحفظ، فهذا المدون في كتب أهل الاخبار والمنصوص على سنده هو كل ما نعرفه من رأي اليهود المتأخرين في حادث في نجران.

وأما ما رواه النصارى عنه، وهم الطرف الثاني فيَ النزاع، فإنه أطيب جداً وأوضح مما ورد في الموارد الاسلامية وفي الرواية اليهودية الشفوية اذ اعتمدت المواد الاسلامية واليهودية على منابع شفوية، هي السماع والرواية، فجاء وصفها للحادث مزوّقأَ. أما الموارد النصرانية فقد اعتمدت على السماع والمشافهة أيضاً، ولكنها أخذت من موارد ووثائقّ مسجلة دوّن بعضها بعد وقوع الحادث بقليل، وكان لتدوينها الحادث أهمية كبيرة بالنسبة لمن يريد تأريخه والوقوف على كيفية حدوثه، وإن كانت لا تخلو أيضاً من المبالغات والتهويل، والعواطف، لأنها كتبت في ظروف عاطفية حماسية. ونقلت من محيط للمبالغة فيه مكانة كبيرة ومن أفواه أناس ليس لهم علم بمنطق المحافظة على صدق الواقع. وقد دوّنت لبعث حمية النصارى على انقاذ أبناء دينهم المضطهدين في اليمن.

وقد ادرك بعضها زمن الحادث وأخذ سماعاً من رجال شهدوه، أو من رجال نقلوا رواياتهم من شهود العيان. فلهذه الوثائق إذن شأن عظيم،ني نظر المؤرخ. ومن هؤلاء الرحالة: "قزما"، والمؤرخ "بروكوبيوس" المتوفي في حوالي السنة "565" للميلاد. ومن المتأخرين: المؤرخ "ملالا" Johannes Malala. وقد نقل من كتابه بعض المؤرخين المتأخرين عنه،مثل "ثيوفانس"Theophanes "758 - 818" و "سدرينس" Georg Cedrnus، و "نيقيفورس كالستيNicephorus Callisti.

وكان "قزما" المعروف ب Cosmas Indicopleutes أي "قزا بحار البحر الهندي"، وصاحب كتاب "الطبوغرافية النصرانية" Christian Cosmography وكتاب "البحار الهندية" "بحار البحر الهندي" Indicopleutes في مدينة "أدولس" Adulis، الواقعة على ساحل الحبشة على المحيط الهندي ينقل كتابة "بطلميوس" Ptlemaeus اليونانية بأمر النجاشى )Elesboan ()Elesboas( في العهد الذي كان فيه النجاشي يتهيأ لغزو أرض حمير. فكتب في جملة ما كتبه قصة غزو الحبشة لليمن بعد25 عاماً من وقوعه. فلروايته عن الحملة شإن كبير لأنها غير بعيدة عهد عن الحادث، ثم إن صاحبها نفسه كان قد أدركها وقد سمع أخبارها من شهود عيان. ولعله كان نفسه من جملة أولئك الشهود، شاهد السفن وهي تحمل الجنود لنقلهم إلى اليمن، واتصل بالرسميين الحبش واستفسر منهم عن الحملة.

ويفهم من رواية "قزما"، إن الحملة كانت في أوائل أيام حكم القيصر "يسطينوس" Justinus "518 -527م". أما "ثيوفانس" Theophanes و "سدرينوس" Cedrnus ومن اعتمد عليهما، فقد جعلوا الحملة في السنة الخامسة من حكم هذا القيصر، وذكروا إن الذي حمل النجاشي على هذا الغزو هو تعذيب ملك حمير لنصارى نجران، وقد قتل هذا الملك.

ويحدثنا "ثيوفانس". و "سدرينوس" عن غزو ثانٍ قام به الحبش على حمير لآعتداءاتهم على تجار الروم،وذلك في السنة الخامسة عشرة من حكم "يوسطنيانوس" Justinus "527 - 565م"، وفي عهد النجاشي "ادد"Adad. أما ملك حمير، فاسمه "دميانوس"Damianus. وقد ذكر "ملالا" هذا الحديث محرفأَ بعض التحريف، فجعل اسم النجاشي "أندس" Andasبدلاّ من ادد، وصيّر اسم ملك حمير "دمنوس" Damnus عوضاً عن "دميانوس" Damianus، وذكر حملة "اندس" هذه قبل جملة Elasbaas. وأشار إلى أن النصرانية كانت قد انتشرت في الحبشة قبل أيام "اندس". وذكر المؤرخان الآخران إن "أدد" تنصر على أثر احرازه النصر على الحمريين.

وتحدثنا رواية سريانية إن النجاشي المسمى "ايدوك" Aidog حارب الملك "اكسينودون" Xenedon ملك الهنود. ثم حارب "دميون" Dimion ملك حمير لاعتدائه على التجار الروم واستيلائه على أموالهم. فانتصر "ايدوك" على ملك حمير، ثم تنصر، وعين على حمير ملكاً نصرانياً. فلما مات هذا الملك، عذب خلفه نصارى نجران، فغزا "ايدوك" حمير وانتصر عليها. وأقام علها "ابرهام" "ابراهيم" Abraham. ولا يشك المستشرق "فيل" Fell في أن - المراد ب "Adad" "Andas" "Aidog"" رجل واحد هو النجاشي "كالب"،وهو Elasbaas "كلب الا أصبحه" "كالب الا اصبحه". وأما Dimion , Damianus, Xenedon، يراد بها "ذو نواس". وقد تحدث "فل" Fell باطناب عن مختلف الروايات الواردة عن النجاشي "كالب" "كلب الا إصبحه" و "الاعاميدة". "عيلاميده" وعن انتشار النصرانية في الحبشة، وأمثال ذلك، فإليه يرجع من يطلب المزيد.

وفي المرويات اليونانية عن الشهداء أن الذي قام بتعذيب نصارى نجران هو الملك "ذو نواس" Dunaas ملك حمير، وان ذلك كان في السنة الخامسة من حكم، "يوسطينوس" Justinus، أن الذي غزا اليمن هو النجاشيEla Atzbeha. فلما دخلت جيوشه أرض حمير، فر Dunaas الى الجبال فتحصن فيها، حتى إذا سنحت له الفرصة خرج فقتل من بقي من جيش النجاشي في اليمن واحتل مدينة "نجران" فقام عندئذ Elesbas بحملة ثانية فانتصر بها على "Dunaas" وعين Abraham في مكانه.

وفي جملة ما لحق بقصص الشهداء الحميريين، المناظرة التي جرت بين أسقف "ظفار" المسمى "كَريكنتيوس " Gregentiusوبين Herban اليهودي، والظاهر أنها من القصص الذي وضع في السريانية وليست لها قيمة تأريخية بالطبع. وقد دوّن "يوحنا الأفسي" John of Ephesus المتوفي في حوالي سنة "585" للميلاد في تأريخه الكنسي وثيقة مهمة جداً عن حادث تعذيب نصارى نجران، هي رسالة وجهها "مار شمعون" أسقف "بيت أرشام" Simon of Beth Arsham المعاصر لهذا الحادث إلى "رئيس دير جبلة" Abt von Gabula يصف فيها ما سمعه وما قصصَّه عليه شهود عيان من أهل اليمن وما لاقوه هناك من أصناف العذاب. ومنه أخذها البطريق "ديونيسيوس" Patriach Dionysius، فأدخلها في تأريخه المؤلف بالسريانية. وقد نشرها "السمعاني" في مؤلفه "المكتبة الشرقية". وتجد هذه الرسالة أيضاً في تأريخ "زكريا" Zacharias von Mitylene المتوفي في حوالي سنة "568" للميلاد، وهو بالسريانية أيضاً. وفي الرسالة اختلافات عن نسخ الرسالة الأخرى، ولكنها غير مهمة على كل حال ولا تغير من جوهرها شيئاً.

وقد ذكر "شمعون" في رسالته أنه كان قد رافق "ابراهيم" "ابراهام" Abraham والد"نونوسوس" Nonnosus الشهير في رسالة خاصة أمر بها القيصر "يوسطينوس" Justinus الأول الى ملك الحيرة "المنذر الثالث". وكان ذلك في العشرين من كانون الثاني من سنة "835" من التأريخ السلوقي،وتقابل هذه السنة سنة"524" للميلاد. فلما بلغا قصر الملك، سمعا بأخبار استشهاد نصارى نجران. وعلم به "شمعون".من كتاب وجهّه ملك حمير الى ملك الحيرة، يطلب منه أن يفعل بنصارى مملكته ما فعله هو بنصارى نجران. وقد قرىء الكتاب أمامه، فوقف على ما جاء فيه، وعلم به أيضاً من رسول أرسله في الحال إلى نجران ليأتيه بالخبر اليقين عن هذه الأعمال المحزنة التي حلت بالمؤمنين.

وقد وجّه شمعون في نهاية الرسالة نداءً إلى الأساقفة خاصة أساقفة الروم ليعلمهم بهذه الفاجعة التي نزلت باخوانهم في الدين، والى بطريق الاسكندرية ليتوسط لدى نجاشي الحبشة في مساعدة نصارى اليمن، كما وجّه نداءه الى أحبار "طبرية" للتأثير على ملك حمير، والتوسط لديه بالوصف عن الاضطهاد والتعذيب.

وقد درس عدد من الباحثين هذه الرسالة، ونقدوها، وهي في الجملة صحيحة ووثيقة مهمة لا شك في ذلك بالنسبة إلى من يريد الوقوف على موضوع استشهاد نصارى نجران. أما ما جاء فيها على لسان ملك حمير من جمل وعبارات استخلصت على حد قول "شمعون" من الرسالة التي وجهها ملك حمير إلى المنذر، فمسألة فيها نظر، وقضية لا يمكن التسليم بها، فلا يعقل أن يكون ما قيل فيها على لسانه قد صدر منه. وما دوّن فيها من عبارات بحق الشهيد "حارثة" "الحارث" Arethas ونصارى نجران لا يعقل أن يكون قد صدر من ملك يهودي. ولكننا لا نستطيع أن ننكر أو نتجاهل أمر الرسالة التي أرسلها الملك إلى المنذر لحثه على اضطهاد نصارى مملكته مقابل مبلغ يقدمه ملك حمير إليه. ولا داعي يدعو إلى نكرانها والشك فيها. وكل ما نستطيع أن نقوله إن الرسالة صحيحة، ولكن ما دونه شمعون من جمل وعبارات على انها من كلام ملك حمير، هو من انشائه وكلامه، لا ترجمة حرفية للكتاب. وخلاصة ما يقال في الرسالة انها وثيقة مهمة، ولها قيمة تأريخية في الجملة بغض النظر عن التفصيلات الواردة فيها وعن عواطف كاتبها وعن المبالغات التي وردت فيها وفي مركز صاحبها والمكانة التي كان فيها ما يسوغ صدور مثل هذه الأمور منه ووقفه عليها.

ومن الوثاثق التأريخية التي تتعلق بشهداء نجران كتاب ينسب إلى "يعقوب السروجي" في السريانية في نصارى نجران، وقصيدة في رثاء الشهداء ل"بولس" Paulus Bishop of Eddessa أسقف "الرها" Eddassa=Edessa ومدحه اياهم، ونشيد كنسي سرياني ل"يوحنا بسالطس" Johannes Psaltes رئيس دير قنسرين المتوفى سنة "600" للميلاد، وميمر ليعقوب الرهاوي.

ويظهر مما ورد في "كتاب الشهداء الحميريين" وفي رسالة "شمعون الأرشامي" أن "يعقوب السروجي" أسقف "سرجيوبولس" Sergiopolis أي "الرصافة" كان من رجال البعثة المذكورة التي أوفدها القيصر "يوسطين الأول" "يسطينوس" Justin 1 إلى الملك "المنذر". و "الرصافة" Sergiopolis هي "متروبولية منطقة الفرات" Metoripolis of Euphratensis بالنسبة إلى نصارى العرب. ويذكر مؤلف الكتاب المذكور أنه عمد وهو في "حيرة النعمان" "حيرتا دى نعمانا" Hirtha Dhe,Na, mana أحد سادات حمير، واسمه "أفعو"Afu، وكان أحد الوثنين الذين جاؤوا من اليمن إلى الحيرة، وقد شاهد بنفسه تعذيب نصارى "نجران". وقد كلفه ملكه، أي ملك حمير،السفارة عند ملك الحيرة. ولكنه كان رقيق القلب، فرق قلبه وهو في الحيرة على النصرانية، فتنصر على يديه.

وقد نقل مؤلف كتاب الشهداء الحميريين صورة الكتاب الذي أرسله ملك حمير، وقد دعاه "مسروقاً" Masruq، إلى "المنذر بن الشقيقة" "منذر بن شقيقة" Mundhar bar Zaqiqa وهو يحرضه فيه على النصارى.

ولا بد من الإشارة إلى الأثر المهم المنشور باليونانية ل "يوحنا بولند" Johann Bolland وجماعته في عشرات المجلدات، والى أثر آخر نشره "بويسونا" Boissona في اليونانية كذلك في خمسة مجلدات. فقد دوّنت في الكتاب الأول قصة الشهيد القديس "الحارث" Arethas وبقية شهداء نجران، وقصة الحرب التي وقعت بين النجاشي وذي نواس. ودوّنت في الأثر الثاني مضامين رسالة "مار شمعون". وقد بين "فينندفل" Winand Fell رأيه فيما جاء في مجموعة "بولند" Bolland.

وللنصوص الحبشية ولا شك أهمية عظيمة عند من يريد تدوين غزو الأحباش لليمن وتأريخ شهداء نجران إذ كانوا الطرف الرئيسي في هذا الحادث، وهم الذين أغاروا على اليمن فقتلوا ملك حمير. لذا وجّه الباحثون أنظارهم نحوها وفتشوا عنها، غير انهم لم يعثروا على نصوص فيها أمور جديدة عن الحادث تنفرد بها. وما عثر عليه ليس بكثير. ومن ذلك كتابة عليها "يوسف سابيتو" J.Sapeto أشير فيها باختصار إلى القديس الحارث "حيروت" Herut وبقية الشهداء، وجملة مخطوطات حبشية محفوظة في المتحف البريطاني وردت فيها أخبار الشهداء وغزو الحبشة لليمن، وأمر "ذو نواس" المسمى فيها ب "فنحاس"،وهي لا تختلف في الجملة اختلافاً كبيراً عما جاء في أعمال "البولنديين" وأعمال القديس "أزقير" التي نشرها "روسيني"، وهو الذي استشهد بأمر ملك حمير "شرحبيل بن ينكف" مع "38" آخرين.

يتبين من بعض الموارد الإغريقية والحبشية أن الأحباش كانوا قد نزلوا بأرض حمير قبل قيام ذي نواس بتعذيب نصارى حمير بسنين، وانهم انتصروا على ذي نواس، فاضطر إلى التقهقر إلى الجبال للاحتماء بها، وانهم تركوا في اليمن جيشاً لحماية النصارى والدفاع عنهم. فلما مات قائد الجيش ونائب الملك، انتهز ذو نواس هذه الفرصة فأغار على الحبش فتمكن منهم، وعذّب من وجد في بلاده من النصارى واضطهدهم، وأغار على نجران، وحاصرها مدة طويلة بلغت سبعة أشهر على زعم الرواية الحبشية. فلما طال الحصار،عمد ذو نواس إلى الخداع والغش، ففاوض النجرانيين على التسليم له، وتعهد إن فتحوا له المدينة، ألاّ يتعرض لهم بسوء. فلما صدقوه وفتحوا المدينة له، أعمل فيهم السيف، فحمل، ذلك الحبش على غزو اليمن.

وورد في كتاب الشهداء الحميريين، ما يفيد بأن الحبش بعد أن نزلوا أرض حمير، عارضهم رجل اسمه "مسروق" وحاربهم وقاومهم، وهاجم مدينة "ظفار" عاصمة حمير، وكان الحبش قد استولوا عليها وتحصنوا بها، ولما رأى "مسروق" أنه لا يتمكن من التغلب على الحبش الذين كانوا يحاربونه في مدينة "ظفار"، أوفد اليهم كهانأَ ويهوداً من طبرية ورجلين من الحيرة كانا نصرانيين في الاسم، يحملون معهم كتاباً يعدهم فيه أنهم إن سلّموا له "ظفار" فلن يؤذيهم، بل يعيدهم إلى الحبشة سالمين. فوثقوا بكلامه وصدّقوه، وخرجوا إليه وكانوا ثلاث مئة محارب على رأسهم القائد "أبابوت"، فقبض عليهم وغدر بهم، إذ سلمهم إلى اليهود فقتلوهم. ثم أرسل من حرق بيعة ظفار بمن كان فيها من الحبش، عددهم مئتان وثمانون رجلاً، وكتب إلى الحميريين آمراً بقتل النصارى قاطبة إن لم يكفروا بالمسيح ويتهوّدوا. وكتب إلى الحارث من أشراف مدينة نجران أن يأتيه مع من عنده من حملة السلاح لحاجته الشديدة اليهم. فلما بلغ الحارث مدينة ظفار، وسمع بما حدث، رجع إلى نجران. فحاصر مسروق المدينة، وطال الحصار، فراسل أهلها على الأمان. فلما فتحوا له مدينتهم، غدر بهم، وأحرق بيعتهم وأحرق خلقاً منهم بالنار رجالاً ونساءً وأطفالاً. وكان بعض قسيسيهم من حيرة النعمان ومن الروم والفرس والحبشة.

فلما تمادى مسروق في غيه وفي قتل النصارى في نجران وغير نجران من مدن اليمن وقراها، سار سيد من سادات القوم اسمه "أميّة" الى الحبشة فأخبر مطرانها "أوبروبيوس" و "كالب" النجاشي بما حل بنصارى اليمن، فأمر "كالب" جيوشه بغزو حمير، فغزتها وقضى على "مسروق" اليهودي، وهو "ذو نواس" في كتب الإسلاميين.

هذه رواية في السبب المباشر لغزو اليمن. وفي رواية أخرى أن الملك "دميون" Dimion "دميانوس" Dimianos ملك حمير Homeritae، كان قد أمر بقتل التجار الروم الذين كانوا في بلاده وبنهب أموالهم انتقاماً من الروم الذين أساؤوا في بلادهم معاملة اليهود واضطهدوهم، فتجنب التجار الروم الذهاب إلى اليمن أو إلى الحبشة والى المناطق القريبة من حمير، فتأثرت التجارة مع الحبشة، وتضرر الأحباش. فعرض النجاشي على ملك حمير عروضا لم يوافق عليها، فوقعت الحرب. وتزعم الرواية أن النجاشي لم يكن نصرانياً، فقيل له: إن كتب لك النصر فادخل قي دين المسيح. فوافق على ذلك. فما انتصر، تنصّر، وانتقم من حمير. ثم أرسل رجلين من ذوي قرابته الى القيصر يلتمس منه إرسال أسقف وعدد من رجال الدين. وبعد بحث واستقصاء وقع الاختيار على Johannes Paramonaris من كنيسة القديس يوحنا، فذهب مع عدد من الكهان " فعمّد النجاشي وأتباعه، وأقام الكنائس، وأرشد الناس إلى الدين الصحيح.

وقد عرف ذو نواس في النصوص النصرانية باسم Dimnus=Damian و Damnus=Dimianos و "مسروق". ونرى تشابهاً كبيراً بين Dimnus و Damian و Damnus وكلمة "ذو نواس" العربية. فالظاهر أنها تجريف نشأ عن هذا الأصل. وأما النصوص الحبشية فقد دعته "فنحاس" Phin,has، وهو اسم من اسماء اليهود.

أما النجاشي الذي حارب حمير وغزا أرضها طَ فقد دعاه "بروكوببوس" باسم Hellestheaeus. ودعاه غيره بأسماء قريبة منه مثل Elesbowan=Elisbahaz و Ela-Atzbeha=Elesbaas=Elesboas. ويظهر انها أخذت من "ايلا اصباح" Ela-Asbah أو "ايلاصباح" Ela-Sebah في الحبشية. ودعي أيضاً باسم اخر، هو Aidug، دعاه به "يوحنا الأفسي" Johannes von Ephesus و "اندس" Andas وقد دعاه "ملالا" بذلك. و Adad ودعاه به "ثيوفانس" و "سدرينوس" Cedrenus. أما في الروايات الحبشية، فقد سمي "كالب" Kaleb. فهو إذن "الا أصبحة كالب" Elle, Asbwha Kaleb وتعني "الا" Elle=Ella "ذو" أو من "آل". وأما "أصبحة"، فاسم أجداده وعشيرته التي انحدر منها. كما أن "ذا نواس"، لا يعني اسم الملك، بل لقب أسرته. فاسمه هو "يوسف". ويكون النجاشي، أي ملك الحبشة الذي جهز الجيش وفتح اليمن هو "كالب" من "آل أصبحة" أو "الا أصبحة كالب" كما عرف بذلك.

وقد تحول اسم النجاشي Ela Sebah=Elesbass الى "أصحمة" في العربية. فقد ذكر بعض العلماء أن "أبرهة ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي"، ف "أصحمة" إذن هو النجاشي المذكور.

والنجاشي Ela Atybeba=Elesboas، وهو ابن النجاشي Tayena الذي كان على النصرانية. وقد خلف هذا النجاشي، النجاشي Andas الذي كان قد أقسم أنه إذا انتصر في الحرب يتنصر. فانتصر،فدخل في النصرانية. وصارت النصرانية ديانة رسمية للحبشة. وقد لقب Tayena بلقب "ملك اكسوم وحمير Homer وريدان وسبأ وسلحين" في كتابة من كتاباته، مما يدل على أنه كان قد حكم اليمن.

وقد عثر في خرائب مدينة "مأرب" القديمة، على نص مصاب بتلف في مواضع عديدة منه، تبين من دراسة ما بقي منه انه مدون بلغة أهل الحبشة، وأنه يتحدث عن غزو بحري لميناء لم يذكر اسمه في النص، وقد يكون ذلك بسبب التلف الذي أصاب النص، قام بذلك الغزو مدون النص، وقد كان في سفينة تبعتها إحدى عشرة سفينة أخرى، فنزل بذلك الميناء وتغلب عليه ونزل المحاربون من سفنهم ودخلوا الميناء، فأخذوا غنائم وأسرى. ثم تلت هذه السفن دفعة ثانية من سفن جاءت محملة بالمحاربن، نزلوا في موضع يقع جنوب الموضع الذي نزل هو فيه. لم يذكر اسمه في النص كذلك. وقد انتصر الغزاة على الأماكن التي هاجموها، لأنهم كانوا مع الحق والشرع، فكان الله معهم، وكان أهل الميناء على الباطل وضد الشريعة الحقة فعوقبوا بالهزيمة.

والنص المذكور - وإن كان خلواً من كل إشارة إلى "ذي نواس"، أو إلى اسم "نجاشي" الحبشة، أو إلى زمن وقوع الغزو والأماكن التي وقع عليها - يشير إلى غزو الحبش لليمن في حكم "ذي نواس"، والى تغلب الحبش عليه. ويظهر منه أن القافلة الأولى تركت ساحل الحبشة من موضع "ادولس" "عدولس" "عدولي" Adulis على ما يظهر وكانت بإمرة "الا اصبحة"، فعبرت باب المندب، حتى وصلت إلى ساحل اليمن. وقد اختارت ميناء "مخا" موضعاً للنزول، فنزلت به وتغلبت على أصحابه. ثم جاءت قافلة أخرى نزلت في موضع يقع جنوب هذا الميناء، وتغلبت على أصحابه كذلك. وبذلك تم النصر للحبش. ولم يشر النص إلى أسم الموانىء التي تحرك منها الجيش، أو الموانىء التي نزل بها في ساحل اليمن.

وقد عالج الباحثون هذه الأسماء، فرأى قسم منهم أنها تعني شخصاً واحداً هو ملك الحبشة الذي حارب ذا نواس. ورأى آخرون أن المراد ب Aidug و Adad و Andas شخص واحد هو نجاشي حكم قبل هذا العهد، اي في القرن الرابع للميلاد، وهو "الا عاميدة" "علا عاميدة" Ela Amida، المعاصر للقيصر قسطنطين، وكان أول من تنصر من ملوك الحبشة على بعض الروايات. وذلك لعدم انسجام هذه الرواية التي تنص على تنصر Aidug بعد انتصاره على حمير، كما أشرت إلى ذلك، مع روايات أخرى تشر إلى تنصر ملوك الحبشة قبل غزو اليمن هذا بكثير.

وترى الروايات العربية أن ذا نواس لما غُلب على أمره ورأى مصيره السيىء، ركب فرسه وسار إلى البحر فدخله فغرق فيه. أما الروايات الحبشية والإغريقية، فإنها ترى أنه سقط حياً في أيدي الأحباش فقتلوه.

وهناك شعر نسب إلى علقمة ذي جدن زعم انه قائله، هو: أو ما سمعت بقبل حمير يوسفاً  أكل الثعالب لحمه لم يقتبر ?

وقد استدل منه "فون كريمر" على أن ذا نواس لم يغرق في البحر كما في الروايات العربية الأخرى، بل قتل قتلاً كما ورد في روايات الروم.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ