إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 31 أغسطس 2014

381 موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين" الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب: عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام: -العز يعرف نفسه:


381

موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين"

الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب

المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب:

عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام:

-العز يعرف نفسه:

وقبل كل هذا الثناء من الآخرين، وبعد هذا الثناء، يأتي ثقة العز العالم الواثق بربه والعارف لما أعطاه الله من علم وفقه وحرصه على نشره بين الناس ابتغاء مرضاة الله تعالى، ولذلك لما هاجر من دمشق، ورحل في طريقه إلى مصر، هرع إليه أمراء المدن لاستضافته في إماراتهم لكي يحظوا بوجوده عندهم، ويسابقوا غيرهم، ويفخروا به؛ ومن بين هؤلاء صاحب الكرك وهي قلعة قوية، ومدينة صغيرة فجاء سلطانها وسأل العز الإقامة عنده، فأجابه بصراحة الرجال، وثقة: بلدك صغير على علمي، وقصدي نشره وتابع سيره إلى أرض الكنانة، وعاصمة الأيوبيين في القاهرة.
وصدق الشاعر عندما قال:

هم الرَّجال وعيبٌ أن يُقال لمن
              
    لم يتصف بمعاني وصفِهم رَجُلُ ()
   

ك- ما قيل فيه من شعر:
قال فيه تلميذه ابن الطباخ:


مجلسكم بحر وإني أمرؤ
          
    لا أحسن العوم فأخشى الفرق
   
وقال يحي بن عبدالعظيم الجزار بمدح الشيخ ذكر ابن السبكي بيتين من ذلك هما:


سار عبدالعزيز في الحكم سيراً
          
    لم يسره سوى ابن عبدالعزيز
      
عمنا حكمه بفضل بسيط
          
    شامل للورى ولفظ وجيز
   

وقال قاضي أسوان عمر بن عبدالعزيز يمدحه في مجلسه:


مولاي عز الدين عز بك العلا
          
    فخراً فدون حذاك منه الهام
      
لما رأينا منك علماً لم يكن
              
    في الدرس قلنا إنه إلهام
      
جاوزت حد المدح حتى لم يطق
          
    نظما لفضلك في الورى النظام
   

وهذا فيض من غيض مما ذكره العلماء فيه ()رحمه الله رحمة واسعة وأعلى ذكره في المصلحين وأسكنه فسيح جناته وجمعنا به في دار الخلود مع الأنبياء والصديقيين والشهداء والصالحين.

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


==========================================

380 موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين" الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب: عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام: 5-أقوال العلماء فيه:


380

موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين"

الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب

المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب:

عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام:

5-أقوال العلماء فيه:

 لقد شهد العلماء قبل العامة للعز بن عبدالسلام بالإمامة والرياسة وعلو المقام يدل على ذلك مواقفه التي ذكرنا طرفاً منها ومؤلفاته وتلامذته الذين طبقت شهرتهم الآفاق وقد شهد للشيخ علماء عصره ومن جاء بعدهم من جهابذة العلم ومشاهير الرجال وهذه نبذة من أقوالهم ():
أ- ثناء المعاصرين له:

- قال العلامة ابن الحاجب صديق العز ومعاصره ورفيقه في السفر والرحلة عن العز : ابن عبدالسلام أفقه من الغزالي ().
- قال العلامة، جمال الدين الحصري: ت 637ه شيخ الحنفية في زمانه مخاطباً سلطان دمشق عن العز: هذا رجل لو كان في الهند، أو في أقصى الدنيا، كان ينبغي للسلطان أن يسعى في حُلوله في بلاده لتتم بركته عليه وعلى بلاده، ويفتخر به على سائر الملوك().
- وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: ت 656ه معاصر العز يمدح مجلسه في الفقه : ما على وجه الأرض مجلس في الفقه أبهى من مجلس عز الدين بن عبدالسلام().
- وقال الحافظ زكي الدين المنذري ت 656ه: مفتي الشافعية بمصر ومعاصر العز: كنا نفتي قبل حضور الشيخ عز الدين، وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين فيه.

ب- ثناء بعض التلاميذ على العز:

قال أبو بكر بن مسدي الأندلسي: 663ه، تلميذ العز عن شيخه: أحد فقهاء هذا المذهب، ممن فرَّع على أصوله، وهذَّب، ورأس فقهاء بلده().
- قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة 665ه أحد تلاميذة الشيخ: وكان أحق الناس بالخطابة والإمامة وأزال كثيراً من البدع التي كان الخطباءُ يفعلونها، من دقَّ السيف على المنبر، وغير ذلك، وأبطل صلاتي الرغائب ونصف شعبان، ومنع منهما.
- قال القاضي الفقيه الأصولي الأديب الحافظ ابن دقيق العيد 702ه: تلميذ العز عن شيخه، كان ابن عبدالسلام أحد سلاطين العلماء ().
- قال عز الدين الحسيني تلميذ العز عن شيخه: كان عالم عصره في العلم جامعاً لفنون متعددة، مضافاً إلى ما هو عليه من ترك التكلف مع الصلابة في الدين، وشهرته تغني عن الإطناب في () وصفه.

ج- ثناء العلماء والمنصفين على العز:

- قال الذهبي ت 748ه عن العز: .. بلغ رتبة الاجتهاد وانتهت إليه رئاسة المذهب، مع الزهد والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلابة في الدين ().
- وقال فخر الدين بن شاكر الكتبي ت 764ه عن العز : شيخ الإسلام، وبقية الأعلام، الشيخ عز الدين .. سمع .. وتفقه .. ودرّس وأفتى، وبرع في المذهب، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من البلاد، وتخرج به أئمة وله الفتاوى السديدة، وكان ناسكاً ورعاً، وأمّاراً بالمعروف، نهاءً عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم ().
- وقال اليافعي اليمني ت 764ه عن العز : سلطان العلماء، وفحل النجباء، المقَّدم في عصره على سائر الأقران، بحر العلوم والمعارف، والمعظم في البلدان، ذو التحقيق والإتقان والعرفان والإيقان ... وهو من الذين قيل فيهم: علمهم أكثر من تصانيفهم، لا من الذين عبارتهم دون درايتهم، ومرتبته في العلوم الظاهرة مع السابقين في الرعيل الأول().
- وقال العلامة تاج الدين ابن السبكي ت 771ه في ترجمته العز: شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمة الأعلام، سلطان العلماء إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في زمانه، المَّطلع على حقائق الشريعة وغوامضها، العارف بمقاصدها لم ير مثل نفسه، ولا رأى من رآه مثله، عِلمْاً وورعاً وقياماً في الحق، وشجاعة وقوة جنان، وسلاطة لسَان ().
-  وقال العلامة الفقيه الشيخ جمال الدين عبدالرحيم الإسنوي: (772ه) في ترجمة العز : الشيخ عز الدين ... كان رحمه الله شيخ الإسلام علماً وعملاً، وورعاً، وزهداً وتصانيف، وتلاميذ، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، يهين الملوك فمن دونهم، ويغلظ القول .. وكان فيه مع ذلك حسن محاضرة بالنوادر والأشعار ().
- وقال المؤرخ الفقيه الأديب العماد الحنبلي عن العز: عز الدين، شيخ الإسلام .. الإمام العلامة، وحيد عصره، سلطان العلماء وبرع في الفقه والأصول والعربية، وفاق الأقران والأضراب، وجمع بين فنون العلم من التفسير والحديث والفقه واختلاف الناس ومآخذهم، وبلغ رتبة الاجتهاد، ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد، وصنف التصانيف المفيدة ().

س- ثناء بعض المتأخرين على العز:

أ- الشيخ عبدالله مصطفى على العز: عبد العزيز .. الملقب بعز الدين، المعروف بسلطان العلماء، شيخ الإسلام والمسلمين وإمام عصره بلا مدافع، وفريد زمانه بلا منازع، كان ابن عبدالسلام علماً من الأعلام، شجاعاً في الحق، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر فقيها أصولياً، محدثاً، خطيباً، واعظاً، أديباً شاعراً، رقيق الحاشية، حاضر النادرة، محترماً، وقوراً، تخشى السلاطين والأمراء صولته وسلطانه ().
- وقال العلامة مصطفى السباعي: بعد أن عرض العصر الذي سبق العز، وسكوت أكثر العلماء عن الجهر بالحق، أو مسايرة الحكام، أو اعتزال الحياة العامة قال: في هذا الوسط المضطرب نشأ العالم العظيم "سلطان العلماء" عز الدين بن عبدالسلام، فكان وجوده نسمة من نسمات الرجاء تهبُّ على قلوب اليائيسين, وعزمة من عزمات الإيمان، تنبعث في أوساط المتخاذلين، وومضة من ومضات النور تضيء الطريق للمدلجين في دياجير الظلام، وسوطاً من سياط الحق يلهب الله به ظهور المتكبرين والمتجبرين والظالمين، إن العز بن عبدالسلام من أعظم علماء الإسلام الذين تهزني دراسة آثارهم وسيرتهم هزاً عنيفاً ().
- وقال الأستاذ رضوان علي الندوي: ... وهناك جانب لشخصيته آخر مشرق .. وهو ملكته الأصيلة في فهم الشريعة وروحها ومقاصدها فهماً راسخاً شاملاً عقلياً دقيقاً مبتكراً بعض الابتكار وهو من السابقين الأول في حركة "التقعيد" في الفقه الإسلامي وتطويره .. إلى أن قال في الخاتمة :"انتهينا من البحث في حياة سلطان العلماء الشيخ العز بن عبدالسلام، فرأيناه عالماً جليلاً يدرس ويؤلف ويفتي وقاضياً عدلاً يحكم ويقضي، وعرفناه عالماً مجاهداً يوجه ويرشد ويعترض وينتقد الملوك والأمراء والعامة على السواء، وهو في هذا يتحمل الأذى والمشقة ويتعرض للخطر والاضطهاد، فلا يبالي ولا يقف ويواصل النشاط، ويدأب على العمل، ويقيم على الحق ويحاول إقامته في المجتمع حتى قضى ... وكان بذلك رجل عصره وموجّه زمانه وقدوة لمن بعده ().
- وقال محمد حسن عبدالله في ختام بحثه عن عبدالعزيز بن عبدالسلام بائع الملوك: بعد معرفتنا بهذا كله ندرك أيَّ حياة الحركة كان هذا الرجل الذي زلزل قواعد الظلم في زمانه، وجددَّ حياة الحركة العلمية الإسلامية وأعاد الدماء الحارة الحرة إلى شرايينها، فأعاد إلينا ذكر المصطفين الأخيار من علماء صدر الإسلام، وقادته الاجتماعيين، ومتصوفته العارفين ().


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

379 موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين" الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب: عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام: 4-وفاته:


379

موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين"

الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب

المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب:

عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام:

4-وفاته:

بعد عمر مديد ناهز الثالثة والثمانين عاماً في الجهاد في سبيل الله ونصرة الإسلام ونشر دعوته، توفي العز بن عبدالسلام في العاشر من جمادي الأولى سنة ستين وستمائة هجرية 660ه وقد ذكر ابن السبكي عن ابن العز الشيخ عبداللطيف أن وفاة والده في التاسع من جمادى الأولى 660ه وذكر في رواية أخرى أنها في 10 جمادي 660ه ()، وهو ما عليه عامة المؤرخين، وهناك رواية لتلميذ العز الدمياطي توفق بني الروايتين وهي قوله: توفي العز يوم السبت 9جمادي الأولى 660ه ودفن من الغد في سفح المقطم حضرت ذلك وكان درسه الأخير، الذي ألقاه على الناس تفسير قول الله "الله نور السموات ... " () قال أبو شامة وهو تلميذ العز أيضاً ومؤرخ حياته : يوم الأحد عاشر جمادي الأولى، أو حادي عشر جمادي الأولى حياته : يوم الأحد عاشر جمادي الأولى أو حادي عشر جمادي الأولى توفي العز بن عبدالسلام في مصر وعمل عزاؤه في جامع العقيبة يوم الاثنين 25 جمادي الأولى سنة 660ه، حضر جنازته الخاص والعام، وصلى عليه الظاهر بيبرس بالقرافة، ودفن في آخر القرافة مما يلي الجبل من ناحية البركة، وصُليَّ عليه صلاة الغائب في جامع دمشق وغيرها من الجوامع بالشام، يوم الجمعة آخر جمادى الأولى ونادى النصير المؤذن بعد الفراغ من صلاة الجمعة: الصلاة على عز الدين بن عبدالسلام ()وقال ابن كثير : توفي في العاشر من جمادى الأولى وقد نيف على 80سنة ودفن في الغد بسفح المقطم ().

وقال الذهبي : توفي بمصر في جمادى الأولى سنة 660ه وحضر جنازته الخاص والعام، السلطان فمن
دونه، ودفن بالقرافة في آخرها، ولما بلغ السلطان خبر موته قال: لم يستقر ملكي إلا الساعةن لأنه لو أمر الناس فيّ ما أراد لبادروا إلى امتثال أمره ()وقال السبكي نقلاً عن ولده الشيخ عبداللطيف: وكانت وفاة الشيخ في تاسع جمادى الأولى في سنة ستين وستمائة فحزن عليه – الظاهر – كثيراً حتى قال: لا إله إلا الله ما اتفقت وفاة الشيخ إلا في دولتي وشيّع أمراءه وخاصته وأجناده لتشييع جنازته وحمل نعشه، وحضر دفنه ()، وقد اختلف في عمره روايتين احداهما أن عمره: اثنتان وثمانون سنة والأخرى ثلاث وثمانون سنة وهذا الاختلاف راجع إلى الخلاف في ولادته، فمن قال إنه ولد سنة 577ه جعل عمره 83سنة ومن قال إنه ولد سنة 578ه جعل عمره 82سنة وأما ما ذكره المقريزي من أن عمره اثنتان وستون فهو خطأ لأنه مخالف لما ذكره عامة المؤرخين، ولعله تحريف من النساخ أو خطأ منهم والله أعلم وبالجمع بين هذه الروايات أرى أن أقربها للصحة والصواب ما ذكره السبكي من أن عمر العز ثلاث وثمانون سنة ()، والله أعلم.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

378 موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين" الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب: عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام: 3-جهاد العز بن عبدالسلام:


378

موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين"

الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب

المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب:

عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام:

3-جهاد العز بن عبدالسلام:

نال الشيخ العز بن عبدالسلام شرف الجهاد وكان يدعو إليه ويكتبه في كتبه ورسائله، وهو القائل في رسالة الاعتقاد : الجهاد ضربان، ضرب بالجدل والبيان وضرب بالسيف والسنان.. ولكن قد أمرنا الله بالجهاد في نصرة دينه، إلا أن سلاح العالم علمه ولسانه، كما أن سلاح الملك سيفه وسنانه، فكما لا يجوز للملوك إغماد أسلحتهم عن الملحدين والمشركين، لا يجوز للعلماء إعتماد أسلحتهم عن الزائغين والمبتدعين، فمن ناضل عن الله، وأظهر دين الله كان جديراً أن يحرسه الله بعينه التي لا تنام ويُعزَِّه بعزّه الذي لايضام ويحوطه بركنه الذي لا يُرام، ويحفظه من جميع الأنام وعلى الجملة ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق، وأخمد الصواب أن يبذل جُهده في نصرهما وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما.. والمخاطرة بالنفوس مشروعة في إعزاز الدين، ولذلك يجوز للبطل من المسلمين أن ينغمر في صفوف المشركين وكذلك المخاطرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة قواعد الدين بالحجج والبراهين مشروعة ()وقام العز بجهاد العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعرّض نفسه للمخاطر الشديدة، والأهوال العجيبة، كما مرّ معنا – وعزل بسبب ذلك، وكان مجاهداً جرئياً، ومناظراً قوياً، ومدافعاً صلباً عن دين الله وشرعه، مطبقاً حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رأوه أبو الوليد عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العُسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم ()وجاهد الشيخ عز الدين في الحياة والمجتمع لإقامة شرع الله ودينه وحارب البدع، ووقف في وجه الفرق المنحرفة والآراء الباطلة، والعقائد الضالة، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ونصح أئمة المسلمين وعامتهم كما مرّ معنا، وجاهد أمام الظلمة والطغاة والمستبدين، وخاطر بنفسه تطبيقاً لما قال، وامتثالاً للحديث الشريف الذي رواه جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيَّدُ الشهداء حمزة بن عبدالمطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ()وقد قام الشيخ العز بن عبدالسلام بهذا الجهاد والنصح للحكام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يعلن الثورة عليهم، ولم يطلب العصيان ضدهم، ما داموا مسلمين ويقيمون الصلاة، ويطبقون الإسلام مع الخطأ أو الانحراف ()، ويطول بنا الحديث عن جهاد العز بعلمه وبيانه ولسانه وقلمه فالعز رحمه الله لم يتأخر عن الدعوة إلى الجهاد والمشاركة في الإعداد له عندما يهدد العدو بلاد المسلمين وأرضهم وأنفسهم وأموالهم ودينهم، وقد رأيناه لبى دعوة قطز، وهو في الثمانين من عمره، للمشاورة في لقاء التتار، ودعوة المسلمين لذلك، وبيان الحكم الشرعي، وكان الاعتماد في الاجتماع على فتوى العز رحمه الله تعالى التي تحقق أثرها بالنصر المبين في عين جالوت على التتار ولما كانت همة العز أقوى، وجسمه أصلب، وسنه أقل بقليل شارك عملياً في الجهاد والقتال وملاقاة الصليبيين الذين اتجهوا لاحتلال دمياط وسائر مصر بعد أن وصلوا إلى المنصورة، واستظهروا على المسلمين، فهب الجيش المسلم في مصر لمواجهة الغزاة ()قال ابن السبكي: وكان الشيخ مع العسكر، وقويت الريح، فلما رأى الشيخ حال المسلمين نادى بأعلى صوته مشيراً بيده إلى الريح، يا ريح خُذيهم عدة مرات، فعادت الريح، على مراكب الفرنج فكسرتها وكان الفتح وغرق أكثر الفرنج، وصرخ من بين يدي المسلمين صارخ: الحمد الله الذي أرانا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم رجلاً سخّر له الريح ()وكان النصر المبين للمسلمين، واعتبر المؤرخون هذه الصيحة من كرامات العز رحمه الله ()والكرامة في معتقد أهل السنة تظهر على يد أولياء الله الصالحين تكريماً من الله تعالى لهم ومصدر الكرامة هو الإيمان الصادق، والإخلاص الكامل، والعبودية التامة، والاعتماد الحقيقي على الله تعالى، والإلتزام بشرع الله تعالى، وكثرة التقرب إليه وقال الله تعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" (يونس، آية: 62 – 64) وهذا ما أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن رب العزة فيما رواه البخاري عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: من عاد لي ولياً فقد أذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ()وكان العز بن عبدالسلام – رحمه الله – لا يبغي إلا رضاء الله تعالى – نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحد – ولا يخاف إلا منه ولا يتوكل إلا عليه، فكان الله معه وكان الله له حافظاً ومعيناً وكان الله عنه مدافعاً من أذي المعتدين وتسلط الظالمين، وسطوه الحكام والأمراء " إن الله يدافع عن الذين آمنوا" (الحج، آية: 38) وكفاه الله هَّم الدنيا والآخرة "وكفى بالله وكيلاً" (النساء، آية : 81) وكفى بالله حسيبا" (الأحزاب/39).

وكان العز حريصاً على تطبيق شرع الله والسير على جادته وتفنيد ما أمر به، فكان ينظر بنور الله، ويبصر ببصر الله ويتكلم بقوة الله وجبروته، ويبطش بيد الله، ويمشي في سبيل الله، وعلى بركة الله، كما جاء في الحديث القدسي السابق ومن هنا أكرمه الله تعالى بأمور خارقة للعادة، مر معنا قصته مع اللصوص في البستان، وقصته في تغيير اتجاه الريح بسبب دعائه في معركة دمياط ضد الفرنج وقصته مع نائب السلطنة الذي جاء العز وهو شاهر السيف ليقتله، فحين وقع بصره على النائب يبست يد النائب، وسقط السيف منها وأرعدت مفاصلة، فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له () ونضيف هنا قصة جديدة وطريقة، نقلها ابن السبكي فقال: كان في الريف شخص يقال له : عبدالله البلتاجي من أولياء الله وكانت بينه وبين الشيخ عز الدين صداقة، وكان يُهْدي إليه في كل عام، فأرسل إليه مرة جمل هدية، ومن جملته وعاء فيه جُبْن، فلما وصل الرسول إلى باب القاهرة؛ انكسر ذلك الوعاء وتبددّ ما فيه، فتألم الرسول لذلك، فرآه شخص ذمي، فقال له: لم تتألم؟ عندي ما هو خير منه قال الرسول: فاشتريت منه بَدَله وجئت، فما كان إلا يقدر أن وصلت إلى باب الشيخ، ولم يعلم بي ولا بما جرى لي غير الله تعالى، وإذا بشخص نزل من الشيخ، وقال : أصعد بما جئت به فناولته شيئاً فشيئاً إلى أن سلمته ذلك الجبن، فطلع ثم نزل، فقلت أعطيته للشيخ؟ فقال: أخذ الجميع إلا الجبْن ووعاءه فإنه قال لي: ضعه على الباب، فلما طلعت أنا، قال لي: يا وليد ليْش تفعل هذا؟ إن المرأة التي حَلَبت لبن هذا الجبن كانت يدها متنجسة بالخنزير، وردَّه وقال: سلمّ على أخي ().


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

377 موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين" الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب: عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام: 2-التصوف عند العز بن عبدالسلام:



377


موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين"

الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب

المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب:

عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام:

2-التصوف عند العز بن عبدالسلام:

اتفقت آراء العلماء والكتاب والمصنفين قديماً وحديثاً على معظم أخبار العز وصفاته وأحواله وكتبه، ولكنهم اختلفوا اختلافاً واسعاً في وصفه بالتصوف أو براءته منه، وتشعب القول في ذلك، لاختلاف الناس في حقيقة التصوف، ومشروعيته، واتفاقه مع الإسلام أو مخالفته، واختلاف صورته في التاريخ الإسلامي، ووجود الجذور الأصيلة لمعاينة في القرآن والسنة من جهة، وخلطه بالمصطلحات والمبادئ الدخيلة من جهة ثانية، والتستر وراءه من ذوي النوايا الخبيثة والماكرين والحاقدين من جهة ثالثة، وهل تتفق هذه الأحوال مع حياة العز ومواقفه وكتبه؟ وذهب معظم المؤرخين القدامى، وبعض المعاصرين إلى إثبات نسبة التصوف للعز، واتفاقه مع الكتاب والسنة، واستندوا إلى أدلة كثيرة، أهمها صلته بكبار علماء الصوفية في زمانه كأبي الحسن الشاذلي والسهروردي وحضور مجالسهم وقراءة كتب الصوفية وممارسته لبعض أعمالهم ()ونقل ابن السبكي : أن الشيخ عز الدين لبس خرقة التصوف من الشيخ السُّهروردي، وأخذ عنه وذكر أنه كان يقرأ بين يديه "رسالة القشيري" ثم السبكي: وقد كان للشيخ عز الدين لبس خرقة التصوف من الشيخ السُّهروردي، وأخذ عنه، وذُكر أنه كان يقرأ بين يديه "رسالة القشيري" ثم قال ابن السبكي: وقد كان الشيخ عز الدين اليد الطولى في التصوف وتصانيفه قاضية بذلك ()، وقال ابن العماد الحنبلي : وله مكاشفات، قال الذهبي: كان يحضر السماع، ويرقص ()، وقال السيوطي : وله كرامات كثيرة ولبس خرقة التصوف من الشهاب السُّهروردي، وكان يحضر عند الشيخ أبي الحسن الشاذلي، ويسمع كلامه في الحقيقة ويعظمّه () وذهب فريق من المعاصرين إلى نفي التصوف عن العز بن عبدالسلام رحمه الله تعالى، وأن التصوف يتنافى مع عقلية العز الفكرية والاجتهادية، القائمة على إعمال العقل في النصوص، وتتعارض مع سيرة العز في الحياة ومواقفه وفتاويه وكتبه ومصنفاته، ومما يؤيد أصحاب هذا الرأي ما صدر عن العز رحمه الله تعالى من شدة وصراحة في بعض أمور التصوف، فمثلاً قوله عن بعض الدخلاء: قد يتشبه بالقوم من ليس منهم ولا يقاربهم في شيء من الصفات وهم شر من قطاع الطريق، لأنهم يقطعون طرق الذاهبين إلى الله تعالى، وقد اعتمدوا على كلمات قبيحة (). ويندد العز رحمه الله بكثير من اصطلاحات الصوفية والرموز التي يستعملها المتصوفة ويُشكل ظاهرها، ويخفي باطنها فيقول: ولهم ألفاظ يستطعمها سامعها منها: التحلي، وهو عبارة عن العلم والعرفان وكذلك المشاهدة ومنها الذوق، وهو عبارة عن وحدات لذة الأحوال ووقع التعظيم والإجلال، ومنها الحجاب، وهو عبارة عن الجهل والغفلة والنسيان، ومنها قولهم : قال لي ربي، وإنما ذلك عبارة عن القول بلسان الحال دون لسان المقال، كما قالت العرب: امتلأ الحوض ومنها قولهم، القلب بيت الرب، ومعناه القلب بيت معرفة الرب، شبهوا حلول المعارف بالقلوب بحلول الأشخاص في البيوت، ومنها: القرب، وهو عبارة عن الأسباب الموجبة للأبعاد ومنها: المجالسة، وهو عبارة عن لذة يخلقها الرب سبحانه وتعالى مجانسة للذة الأنس، وبمجالسة الأكابر ()، ويقول: الفناء الناشيء عن الاستغراق ببعض هذه الأحوال، وحقيقة الفناء غفلة وغيبة ()ويصل العز قمة الإنكار والاستهجان لما يصدر عن المتصوفة من الرقص والسماع فيقول: وأما الرقص والتصفيق فخفه ورعونة مشبهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلا راعن، أو متصنع كذاب، وكيف يتأتى الرفض المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه، وذهب قلبه، وقد قال صلى الله عليه وسلم : خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ! ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يقتدي بهم يفعل شيئاً من ذلك، وإنما استحوذ الشيطان على قوم، يظنون أن طربهم عند السماع إنما هو متعلق بالله عز وجل ولقد مالوا فيما قالوا، وكذبوا فيما أدعوا .. ومن هاب الإله وأدرك شيئاً من تعظيمه لم يتصور منه رقص ولا تصفيق، ولا يصدر التصفيق والرقص إلا من غبي جاهل ولا يصدران من عاقل فاضل ()ولما سئل العز عن الإنشاد والتواجد والرقص والسماع أجاب: الرقص بدعة، لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، ولا يصلح إلا للنساء، وأما سماع الإنسان المحرك للأحوال السنية بما يتعلق بالآخرة، فلا بأس به، بل يندب إليه عند الفتور، وسامة القلوب وهذا شبيه بما يعرف في يومنا هذا بالأناشيد الإسلامية، لأن الوسائل إلى المندوب مندوبة والسعادة كلها في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واقتفاء أصحابه الذين شهد لهم بأنهم خير القرون، ولا يحضر السماع من قلبه هوى خبيث، فإن السماع يحرك ما في القلوب من هوى مكروه أو محبوب والسماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم وهم أقسام ().

إن العز بن عبدالسلام امتداد لمدارس التزكية السنية التي سبقه إليها كبار الصحابة وسادة التابعين، ومن أمثال الحسن البصري، ومالك بن دينار وأيوب السختياني واستمرت مدرسة التصوف السني إلى يومنا هذا، فهي تهتم بالورع والتقوى والزهد والثقة بالله والاعتماد عليه ودوام الصلة به، وشدة مراقبة العبد لربه في الخلوة والجلوة، والسر والعلن ولا يقصد إلا مرضاته في كل ما يصدر عنه ولقد ضرب العز بن عبدالسلام في عصره أروع الأمثلة لهذه المعاني الإسلامية الثابتة في القرآن والتي طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وعبادته وتربيته، وسار عليها معظم السلف الصالح وأولياء الله، وعبَّاده الأتقياء ويوافق عليها كل مسلم يزداد في هذا المحال وازداد في هذا المجال تعلقاً والتزاماً وقرباً وشوقاً كلما تقدمت به السن وعرف حقيقة الحياة وجرب ما فيها، وأيقن مصيره إلى لقاء الله وحسابه وجنته ورضوانه وهذه المعاني الإسلامية الثابتة والمهمة والجليلة يدعو إليها كل عالم عامل ومسلم صادق وداعية مخلص ومن هذا الإطار صنف العز كتبه التي وصفت من غيره وصُنَّفت بعنوان "كتب التصوف، كما كثرت هذه المعاني في سائر كتبه في التفسير والعقيدة والفقه وأصول الفقه، والتربية، وفضائل الأعمال، وفي الأخلاق والآداب، لأنها انعكاس عن سريرته وما يكنه في قلبه وما يلتزمه في حياته وسلوكه، كما أن المسلم الصادق يقدر من يتصف بهذه المعاني الإسلامية السامية ويحترم أشخاصهم ويتقرب منهم، ويثني عليهم، ومن هذا المنطلق نعلل احترام العز لمعاصريه من علماء التصوف كالسُّهروردي والشاذلي، وأبي العباس المرسي، وصداقته لهم، والتقاءه معهم، وحضور مجالسهم ومشاركتهم في بعض الجوانب التربوية والسلوكية، بل حتى في قبول الشارات الشكلية التي يتعلقون بها، ما دامت لا تخالف الكتاب والسنة، ومن هذا المنطلق نقبل جميع ما ذكره مترجمو العز باعتباره متصوفاً، وأنه كان يقرأ "رسالة القشيري" في التصوف، وأن له اليد الطولى في التصوف وتصانيفه قاضية بذلك، وإن أريد بالتصوف معناه الإصطلاحي، كمذهب وطريقه بحسب السائد والمعروف والمألوف في العصور المتأخرة، فنستطيع أن نجزم أن الشيخ العز لم يكن متصوفاً ولا صوفياً على الإطلاق ونستدل على ذلك بأمور كثيرة وواضحة، منها أن كتب العز الموسومة بالتصوف هي بذاتها إما للرد على المفاهيم الباطلة التي تسربت باسم الصوفية إلى الإسلام، فهدم العز وجودها ونسبتها إلى الدين والإسلام كالقطب والأبدال، وإما لتقريب المتصوفة إلى الطريق الصحيح والإيمان السليم، والعمل بالشرع، مثل كتابه "مسائل الطريقة" إن صحت نسبته إليه، فلعله أراد أن يأخذ بيدهم – وهو يحبهم ويحترمهم – إلى الطريق الأقوم، والمنهج السديد، والإلتزام بالكتاب والسنة والسيرة وأعمال السلف الصالح، وإما للتخفيف من غلواء المتصوفة، لبيـان المعنى الصحيح للمصطلحـات الشرعية التي عرضها الحارث المحاسبي في كتابه "مقاصد الرعاية" . ()

والخلاصة، إننا نرى أن العز كان صوفياً حسب قواعد الشرع ومن الناحية الفكرية والقلبية والروحية، وبحسب المعنى العام الوارد في الشرع عن هذا الجانب التربوي في الإسلام، وأنه ملتزم بكل ما جاء في القرآن والسنة من التربية الروحية والقلبية والتهذيب النفسي، ولم يكن متصوفاً بالمعنى الإصطلاحي والعرفي ولم يتلزم بطريقة يلتزم طقوسها ومصطلحاتها وقواعدها، ولم يدخل في المتاهات الغامضة التي تحتمل الظاهر والباطن، والصحيح والفاسد وفيها ركام طيب  وخبيث وغث وسمين وبساطة وغموض وشك وحقيقة وارتياب، وطعن أو سوء ظن بإطلاق الكلمات، مهما كان معناها، ومهما كان المراد منها.. إلخ فالعز مع الشرع والدين والنصوص والأحكام، فما أجازه الشرع قال بحله، ولو كان سماعاً، وما حرمه الشرع قال بمنعه، ووقف بشكل صلب في وجه البدع والمنكرات وفي وجه التطرف والمغالاة التي تسربت إلى المسلمين بصور عديدة ()، فالصوفي عند الشيخ عز الدين بن عبدالسلام: من صفت سريرته ونارت بصيرته وعلت همته ونطقت حكمته وارتفعت رتبته، وتعلم العلم وعلمه وطلبته من الله لا من غيره وأن يكون متصفاً بالرضا والسير في الطريق ومراعاة الرفيق، والهدى والتحقيق وفعل الخيرات وترك المنكرات، وإقالة العثرات، وأن يكون مجتهداً في العمل الصالح المرفوع وأن يكون متأدباً مع شيخه وإخوانه، حافظاً غالباً على شيطانه ().

وملخص القول في تصوف العز بن عبدالسلام في النقاط الآتية:

درس الشيخ عز الدين التصوف كعلم من علوم الشريعة في مرحلة الطلب واستفاد منه كثيراً.
قام العز بحركة إصلاح في التصوف عموماً وصحح الكثير من المفاهيم الموهمة، وجعل مقياسه الشرع الإسلامي في قبول مفردات التصوف.
رفض الشيخ عز الدين بعض السلوكيات التي يمارسها بعض مدعي التصوف، كالرقص وغيرها من الأمور.
يعتبر تصوف العز بن عبدالسلام امتداد للتصوف السني الذي مارسه الحسن البصري ومالك بن دينار وغيرهم كثير.

وقد قام الاستاذ محمد حسن عبدالله بدراسة جميلة عن عز الدين بن عبدالسلام في كتابه عز الدين بن عبدالسلام بائع الملوك وانتهى إلى القول بأن العز بن عبدالسلام لم ينتسب إلى طريقة صوفية مما شاع في عصره ولم يلبس خرقة الصوفية من السهروردي ولم يبايع الشاذلي وإن كان صديقاً له وإنما كان متصوفاً على طريقة السلف في التصوف وكان بعيد عن الرقص والتواجد والتصفيق لئن ذلك خفه ورعونه، لقد كان العز رجل كفاح ونضال وكان يهتم بالتصوف السني من طهارة القلب وصفاء النفس وخلوص النية لله تعالى وتخلية الذكر من غير الله وتحليته بذكره ().


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

376 موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين" الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب: عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام: 1-نماذج من المبادئ التربوية عند العز:


376

موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين"

الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب

المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب:

عاشرا:التربية والآداب والتصوف عند العز بن عبدالسلام:

1-نماذج من المبادئ التربوية عند العز:

عرض العز رحمه الله تعالى رؤيته لمبادئ التربية الإسلامية، المستقاة من كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتمثل جانباً من المنهج الفريد للتربية الإسلامية، وذكر العز هذه المبادئ في مختلف كتبه ويمكن جمعها واستخلاص نظرية متكاملة منها، ونكتفي هنا، بالإشارة إلى جانب منها للإرشاد إليها والعمل بها فمن ذلك.

أ- أصول التربية لمرحلة الحضانة: حيث يقول:

وذلك بحسن التربية، واللطف، والرفق والحُنوُ، ودفع المضار، وتحسين الحسن للصغير، وتقبيح القبيح، وتعليم الآداب، وتلقين الكتاب وتعليم الخط والعلم إن كان متأهلاً لذلك، أو صناعة تليق بأمثاله، والأمر بالصوم والصلاة، والنهي عن كل خلق ذميم وعمل غير مستقيم واجتناب الضرب إن تأدب بالقول والتهديد، والضرب الذي لا يصلح إلا به، إلا أنه لا يصلحُ بالضرب الشديد فيجتنب الخفيف والشديد ().

ب- تأديب الأهل بآداب الشرع: حيث يقول:

 تأديب الأهل إنعام عليهم، وإحسان إليهم، وفضيلة الدعاء إلى الآداب مأخوذة من فضل ذلك الأدب، فأفضل التأديبات التأديب بأفضل القربات، وأشرف الطاعات وكذلك الأفضل، فالأفضل، والأمثل فالأمثل ().

ج- الوسائل التربوية مع الأطفال والتدرج في الأحوال: حيث يقول:

وإذا تعلم الصبي ما ينبغي أن يتعلمه من غير زجر فلا يُزجر، وإن لم يتعلم إلا بالزجر زُجر، فإن لم ينجح فيه الزجر ضُرب ضرباً يحتمله مثله وتغلب فيه السلامة وإن لم ينزجر إلا بالضرب المبَّرح حَرُم المبَّرح لأدائه إلى قتله، ولم يجز غيـر المبَّرح لأنه إنما جاز لكونه وسيلة إلى الإصلاح، فإن لم يحصل الإصلاح حرم، لأنه إضرار غير مفيد ().

ح- المزج بين قواعد الأصول ومبادئ التربية: يقول في هذا المزج:

إذا كان الصبي لا يُصلحه إلا الضرب المبَّرح، فهل يجوز ضربه تحصيلاً لمصلحة تأديبه؟ قلنا: لا يجوز ذلك، بل لا يجوز أن يضربه ضرباً غير مبَّرح، لأن الضرب الذي لا يبّرح مفسدة وإنما جاز لكونه وسيلة مصلحة التأديب، فإن لم يحصل التأديب سقط الضرب الخفيف، كما يسقط الضرب الشديد لأن الوسائل تسقط بسقوط المفاسد سقط().

د- مداعبة الصبيان والإحسان إلى البنات:

ومن هذه الأصول التربوية دعوة العز إلى مداعبة الصبيان، فقد قال: مداعبة الصبيان بَسْط لهم، وتطبيب لقلوبهم وترويح عن نفوسهم ومن هذه الأصول التربوية الدعوة إلى الإحسان إلى البنات، وإبطال عادات الجاهلية الجائرة، فقال العز: لما كان الحمقى ينفرون من البنات، ويكرهونهنَّ، عظّم الله ثواب من خرج من عادة الناس في ذلك بالصبر عليهن والإحسان إليهن()، ثم يرشد العز إلى أن من الإحسان إلى البنات المبادرة بهن إلى الأكفاء، فيقول: المبادرة إلى إنكاح الأكفاء، والرغبة فيهم، مسارعة إلى إحصان المرأة، ودفع العار عنها، بالتزويج بالكفؤ، مع أن البعل الصالح يدعوها إلى كل خير، ويزعها عن كل شر (). وقام ببيان وظيفة المرأة وأثرها في التربية، فقال: شفقة المرأة على مال زوجها أداء للأمانة، وحُنوُها على طفلها حامل على اللطف به، والإحسان إليه بحسن التغذية والتربية ().

ذ- الوازع الفطري والشرعي:

وبين أن قوة الوازع الفطري عند الإنسان، وأنه أقوى من الوازع الشرعي، لذلك جاءت الأحكام الشرعية منسجمة مع الفطرة وأن الفطرة السليمة بها وازع في داخلها لا يحتاج إلى توجيه الشرع الذي جاء مطابقاً للواقع والفطرة، فأسقط العدالة في بعض الولايات، فعقد العز رحمه الله فصلاً: فيما تشترط فيه العدالة من الولايات، فقال: العدالة شرط في بعض الولايات، وإنما شرطت لتكون وازعة عن الخيانة والتقصير في الولاية ولا تشترط العدالة في ولاية القريب على الأموات في التجهيز والدفن والتكفين والحمل، والتقدم في الصلاة، لأن فرط شفقة القريب ورحمته على المبالغة في الغسل والتكفين والدعاء في الصلاة وكذلك إنكساره بالحزن على التضرع في دعاء الصلاة، فتكون العدالة في هذا الباب من التتمات والتكملات وكذلك ولاية النكاح لا تشترط فيها العدالة على قول؛ لأن العدالة إنما شرطت لتنتزع الولي عن التقصير والخيانة وطبع الولي في النكاح يزعه عن التقصير والخيانة في حق موليته لأنه لو وضعها في غير كف – كان ذلك عاراً عليه وعليها وطبعه يزعه عما يدخله على نفسه ووليته من الأضرار والعار، وكذلك لو كان الولي مستوراً صح النكاح في ظاهر الحكم اعتماداً على العدالة الظاهرة مع قوة الوازع ()، ولذلك أمثلة كثيرة في الشرع كقبول إقرار الشخص على نفسه ولو كان فاسقاً أو كافر.

س- من القواعد التربوية في الدعوة إلى الله:

وذكر العز بعض القواعد التربوية في الدعوة والتي سار عليها الأنبياء ويجب الاقتداء بهم، والالتزام فيها، لأنها المنهج الإلهي في الدعوة، فمن ذلك الموعظة الحسنة، فيقول العز: الموعظة الحسنة أدعى إلى قبول الحق من الموعظة المنفرَّة، وما أغلظ الأنبياء في مواعظهم إلا لمعاندٍ جريء على الله ()، ومن ذلك الدعوة باللين وعدم الغلظة، فيقول العز رحمه الله تعالى: للّين مواطن لا يليق بها غيره، وللغلظة مواطن لا يُناسبها سواه، فمن استعمل أحد الأمرين في موضع الآخر فقد أخطأ، .. وفيه تأليف القلوب، وتطيب للنفوس، مُوجِب للإتفاق على مصالح الدارين ()، ويذكر العز الأدلة والأمثلة من القرآن الكريم ويؤكد العز أن الغضب لا يصح من الداعية إلا إذا انتهكت حرمات الله ومقدساته، فيقول: العاقل يعرف مظان الغضب لله، فيها، ويعرف مظان التلطف، فيتلطف فيها، ألا ترى أن موسى تلطف في أول الأمر بفرعون بقوله: "هل لك إلى أن تزكى" (النازعات، آية : 158). "إني رسول من رب العالمين" (الأعراف، آية: 104) وغير ذلك من القول اللًّين الذي أمر به، فلما أصر وأظهر العناد مع تيقنه صدق موسى لقوله "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً" ثم قال لموسى "إني لأظنك يا موسى مسحوراً "(الإسراء، آية: 101)فأجابه بما يقتضيه الحال في الجواب، فقال (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ربُّ السموات والأرض بصائر، وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً"(الإسراء، آية: 102)، أي مُهْلكاً ثم يقول العز: وكذلك جميع الرسل إذا استقرئ أمرهم في بَدء الإرسال وجدت فيه الرفق واللين والشفقة على قومهم، فإذا أصروا وعاندوا أغلظوا لهم حينئذ، لما ركّب الله تعالى في رسله من العقول الوافرة، والأحلام الكاملة "الله أعلم حيث يجعل رسالته" (الأنعام، آية : 124) بخلاف الغبي يلين في مواطن الإغلاظ، ويغلظ في مظان اللين، معتقداً، أنه مقتد بالرسل في غلظتهم ولينهم، فنعوذ بالله من الجهل بمظان خطابه، ومن تحريف كلامه وتنزيله على غيره مراده ().

ش- تغيير الأحكام بتغير الزمان:

يمزج العز رحمه الله تعالى في الأحكام التي تؤدي إلى التطور فإنه يعتد به في تغيير الأحكام بتغير الأزمان، فيقول: فلو حكم الحاكم في محل يسوع فيه الاجتهاد، ثم تغير اجتهاده فحكم بما أدى إليه اجتهاده ثانياً كان ذلك قطعا لما حكم به أولا، ولا يبطل الأول بذلك، بل ينقطع من حين تغير الاجتهاد، ويبقى الأول على ما كان عليه (). فالحكم الشرعي يتغير في نفس المجتهد ويشمل السابقة واللاحقة ولكن لا يبطل الحكم الأول إذا أفتى به المفتي أو حكم به القاضي بل يبقى الحكم الأول لوقته فقط، وللسائل أو المحكوم عليه به، لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله، وهذا ما قرَّره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ميراث المسألة المشتركة بعدما تغير اجتهاده، وطلب أصحاب القضية الأولى بنقض اجتهاده السابق، أجابهم بقوله المشهور : تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي، وهذا ما قرره الفقهاء في المذاهب الأربعة بعدم نقض الحكم السابق إذا كان مبنياً على اجتهاد، ثم تغير الاجتهاد، وهو المقرر في جميع محاكم النقض في العالم ().

وهكذا نلاحظ المبادئ التربوية في فكر العز وذهنه وكتبه وكيف يراعى الفطرة الإنسانية، ويعتد بالوازع الفطري، وأنه أصيل في الإنسان ، وله بواعثه الذاتية، ودوافعه الخفية التي تحرك صاحبها تلقائياً في معظم الحالات، لذلك يخفف الشرع من توجيهه فيها، معتبراً أن الوازع الفطري المطبوع عليه الإنسان داخلياً أقوى من الوازع الشرعي، لذلك اعتبر الشرع الحكيم تناول الطعام والشراب والشبع وغيرها مجرد أحكام مباحة أو مندوبة، مع أنها ضرورية للحياة، لأن الوازع الفطري كفيل بتأمينها ورعايتها، وهذا ما أكده الشاطبي فيما بعد في كتابه الموافقات ().

ك- إنسانية الإنسان عند العز بن عبدالسلام:

وضع الشيخ عز الدين نصب عينيه شيئاً واحداً، جنَّد فقهه لتربيته وتهذيبه، وهو إنسانية الإنسان، فأحاطها بالرعاية والرفق والتستر، وأخيراً .. بالجمال ()، ونذكرَّ أيضاً بكتاب العز رحمه الله تعالى: أحوال الناس، فهو في التربية الإسلامية للروح والنفس ومراقبة الله تعالى، والخوف منه، والاستعداد لملاقاته، ومحاسبة النفس في أعمالها وخطواتها محاسبة ذاتية، ورقابة داخلية "بل الإنسان على نفسه بصيرة" (القيامة، آية: 14) ليزن أعماله قبل أن توزن عليه، ويقدر نتائجه سلفاً، ليحتاط عند التقصير، ويرتدع عند الندم، ويزداد في العمل الطيب ويقول العز فيه : ما من برّ ولا فاجر، ومؤمن وكافر، إلا ينظر في البرزخ إلى منزله بكرة وعشية إن كان من أهل النار فمن أهل النار، وإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة (). ويقول: من الغموم والآلآم وأسبابها وأفراحها أفضل الأفراح، ولذاتها أفضل اللذات وأفضل لذة رضا الرب والنظر إليه، وسماع كلامه والأنس بقربه وجواره().


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

375 موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين" الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب: تاسعا:أهم محاور التجديد عند الشيخ عز الدين بن عبدالسلام: دروس مهمة في مجال التجديد والإصلاح:


375

موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين"

الفصل الثالث "عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب

المبحث الثالث:الشيخ عز الدين بن عبدالسلام من مشاهير عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب:

تاسعا:أهم محاور التجديد عند الشيخ عز الدين بن عبدالسلام:

دروس مهمة في مجال التجديد والإصلاح:

لابد من الاعتراف بجهود هذا الإمام، ولفت الأنظار إلى فضله العظيم في تأسيس المقاصد، واهتمامه بها، الأمر الذي مهد الطريق للذين جاؤوا بعده، ويمكن القول بأن مشروعه هذا يعد مشروعاً تجديدياً إحيائياً لترميم تصدعات الحياة الإسلامية ولكن لم تتهيأ له الأجواء السياسية والثقافية والاجتماعية ليعطي ثماره الحضارية تجديداً ونهضة، ذلك بأن عصره، عصر انقسامات واستعانة بالكفار وإعانة لهم على المسلمين.

محاربة التقليد والركود والجمود، والدعوة إلى الاجتهاد المتعمق الذي يستوعب كل الحياة بجميع تطوراتها ومتغيراتها الاجتماعية والسياسية – من أسباب نهوض الأمة – ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالتعمق في فهم النصوص الشرعية في أبعادها الأصولية والفقهية والمقاصدية.

المقاصد العامة ثابتة لا تتغير ولا تختلف باختلاف الأمم والعوائد والأزمنة وإن اختلفت بعض مصالح الناس باختلاف الأمم والعوائد والأزمنة، وإن اختلفت بعض مصالح الناس باختلاف الأزمان والأعراف، ومن هنا كانت دعوة ابن عاشور لفهم مسائل أصول الفقه وإعادة ذوبها في بوتقه التدوين وتسميتها بمقاصد الشريعة ().

تعد مقاصد الشريعة الركن الثان من أركان أصول الفقه – وكنه الأول هو: الفهم الذي يقوم على جانب الاستكشاف والتجريد والتعميم – وهي بمثابة تنزيل الأحكام المجردة على واقع الأحداث ومستجدات الأمور بمعطياتها الزمانية والمكانية وملابساتها الشخصية، فمثل ما يتوقف استنباط الأحكام الشرعية على الألفاظ، فإنه يتوقف على مقاصد اللافظ ()، ومع كون المقاصد مبحثاً أصولياً إلا أنه يكاد يكون مفقوداً في كتب الأصول، كمبحث مستقل قائم الذات إلا من بعض الإشارات في مباحث العلة أو المناسبة، أو الاستصلاح، وإذا اعتبرنا أصول الفقه قانوناً يتوصل به إلى استنباط الأحكام، وكيفية التطبيق السليم، فإن الاهتمام اليوم بالمقاصد أكثر من ذي قبل يُعدُّ خطوة نحو تلبية متطلبات الحياة، ومسايرة قضاياها المستجدة لاستيعاب جميع متغيراتها، ومن المعلوم أن التشريع وليد الحاجة، فما قام تشريع في أمة ولا نشر فيها قانون إلا وقد قام في البلاد قبلهما حاجة تدعو إليهما، فيأتي التشريع، ويصاغ القانون على قدر تلك الحاجة ()الداعية، والقونين في جميع أنحاء العالم لا تلبث بعد مدة من وضعها أن تصبح غير وافية بالنسبة لبعض الأحداث، فالاهتمام بالمقاصد يساعد على إيجاد الحلول المناسبة مدخل في استنباط الأحكام أو تطبيقها وقد بين ابن عاشور شدة حاجة الفقيه إلى معرفة المقاصد في مثل هذه الحالة فقال: فاحتياجه فيها ظاهر، وهو الكفيل بدوام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا ().

المقاصد العامة متداخلة لا يكاد ينفك بعضها عن بعض، ولقد تبين – للدارسين – أنها خادمة لبعضها، فقد يكون المقصد وسيلة مفضية إلى مقصد أعلى منه، كما أن المقاصد الجزئية للأحكام تندرج بدورها في دوائر تنتهي إلى المقاصد الكلية التي تنتهي بدورها إلى المقصد الأعلى وهو تحقيق مصالح العباد في الدنيا والمعاد.

المقاصد العامة معان حقيقية تهدف الشريعة إلى تحقيقها في واقع الحياة حتى تكون على تلبية حاجيات المسلمين، وساعية نحو الأفضل في تنظيم مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإلى تحقيق كل ما ينفع الأفراد والأمة من خير يعود على خدمة الضروريات والحاجيات والتحسينيات.

المقاصد العامة منسجمة مع الفطرة، وهي أساس هام بني عليه هذا الدين؛ قال تعالى: "فأقم وجهك للدَّين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم"(الروم: 30) ومما يؤكد عليه الإمام أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء المفاسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد نظراً لهم من رب الأرباب().

ينبغي أن تكون الاجتهادات الفردية أو الجماعية المؤقتة أو الدائمة، مرتبطة بواقع الحياة، وبمقاصد الشريعة الإسلامية كضابط لهذه الاجتهادات من الزيغ والانحراف وليكون أقرب ما تكون إلى الصواب، وأجدر بالتطبيق العملي في الحياة ().

ولابد من ربط الاجتهاد بالمقاصد ولذلك قرّر الإمام ابن عبدالسلام: أن المقاصد مرجوع إليها وأن كل غافل عنها في حكمه أو فتواه يلزمه أن ينقضى حكمه، ويرجع عن فتواه وأما من أفتى على ما تقتضي قواعد الشريعة وإقامة مصالحها، فكيف يحتاج إلى نقل جزئي مخصوص من كلي اتفق على إطلاقه من غير استثناء ()وربط الاجتهاد بالمقاصد يؤدي إلى عدة أمور منها:
إضفاء صفتي الشمولية والاستمرارية على الشريعة، فلا تعرف حدود الزمان ولا للمكان.

استعمال الأقيسة المعتبرة والاستنتاجات العقلية السليمة بشكل يتلاءم مع واقع الناس ويراعي ظروفهم دون إبطال للنص، أو تحريف له.
تطلع المتعاملين فيما بينهم إلى أعلى مثل العدل، والإحسان والتعاون لبلوغ المصلحة الشرعية من التعامل فيتوفر بذلك جو من الثقة؛ والنية الحسنة بين الناس، ويؤمن الغش والاحتكار، وأكل مال الغير بالباطل.
الحد من الخلافات المذهبية بين المسلمين التي منشؤها – في الغالب – سوء فهم مقاصد الشريعة، أو عدم فهمها على الإطلاق وتوحيد المسلمين مقصد من مقاصد هذا الدين، وضرورة من ضرورياته.
تحديد مفاهيم الحقوق، وتعيين مواقعها حتى لا يبقى الحق الشخصي المطلق، ولا للأنانية البغيضة مكان في نفوس الناس، ذلك بأن المقاصد العاملة شاملة، بحيث تندرج في مضمونها كافة الحقوق، ما كان منها ذا مضمون ديني، أو خلقي، أو سياسي، أو اقتصادي، وما إلى ذلك، مما يتعلق بجميع نواحي الحياة مادياً ومعنوياً، فكانت كل الحقوق الجديدة التي لم يعرفها العالم الغربي إلا في هذا العصر مقررة في الشريعة الإسلامية فيما رسم من مقاصدها وغاياتها وشرع من وسائل علمية لتحقيقها، وتنميتها، والمحافظة عليها.
تنظيم حياة المجتمع البشري، والموازنة بين حاجيات الناس فلا تطعن حاجة إنسان على آخر، ولا تصطدم حريته مع حرية غيره.
إيجاد الحلول لكثير من المسائل الطارئة في حياتنا المعاصرة.
علم المقاصد علم دقيق لا يخوض فيه إلا من لطف ذهنه، واستقام فهمه، لذا أكد الإمام العز بن عبدالسلام على ضرورة الفهم السليم والطبع المستقيم ().
لا يزال فن المقاصد مهمة مطروحة تنتظر من ينجزها، فعليا، ويتوغل فيها إلى أقصى دلالاتها فهي مادة ثرية لا غنى عنها لأي باحث أو مجتهد، إلا أن هذا الإنجاز يتطلب شيئاً من الإحاطة بثقافة العصر، وقيمة خاصة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ضرورة معرفة المقاصد، وإيضاحها في نسق عقلي، ومنهج علمي سليم، وأن يجعل منها مادة تربوية علمية، يُرَبَّي عليها أبناء الأمة وتقام على أساسها كياناتهم النفسية وغذائهم الفكري ووضوح المقاصد يوفر لنا أمرين:
الوضوح في أولويات العمل الإسلامي، لتطبيق شرع الله في أرضه، وإعلاء كلمته.
القضاء على الغبش، والتخبط مما لا يدع مجالاً ولا موضعا يعتد به للنظر الجاهل بالنصوص، وأولوياتها، وغايتها.
الشريعة لعمل على تحقيق المقاصد العامة والمحافظة عليها فهي:
تحافظ على المصلحة أبداً وفق نظام ثابت لا يتأثر بوجود شخص أو موته ()، قال تعالى: "أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم"(آل عمران، آية : 144).

وسواء كانت هذه المصلحة عامة أم خاصة، صغيرة أم كبيرة، حفظاً للحق العام والحق الخاص في آن واحد، وحتى إن الإنسان لا يعتبر حراً في نفسه وأعضائه، فلا يحق له أن يتصرف إلا وفق ما يرضي الله؛ لأن الحق في ذلك مشترك بينه وبين ربه على حد قول الإمام (). ومن هنا يمكن القول بأن المصالح متداخلة، فالمحافظة على المصلحة العامة محافظة على مصلحة الأفراد، بحيث يستطيع كل من يتمكن من الانتفاع بها أن ينتفع بها وفقاً للوجوه المعروفة شرعاً، وكذلك القول في المصلحة الخاصة، بها يتحقق صلاح المجتمع تبعاً؛ فحفظ مال اليتيم، - مثلاً – حتى سن الرشد، فيه نفع لليتيم عند رشده إذ يجد ماله كاملاً غير منقوص، وفيه نفع لغيره سواء كان وارثاً أم غير وارث بما يحققه ذلك المال من نفع عام بإقامة مشاريع أو صدقات خاصة أو عامة، ولعل هذا هو معنى قوله تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً "(النساء، آية : 5) فعدَّ أموال اليتيم كأنها أموال من يرعاها وكذلك في حفظ النفس فإنها مصلحة خاصة، ولكن المحافظة عليها محافظة على النظام العام، وإذا نزلت بالأمة نازلة أو طرأت بعض الطوارئ وجب اعتبار مصالح هذه الأمة كلاً متكاملاً لا كدويلات متفرقة: وطريق المصالح أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمة، عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليه المسالك، كما قال ابن عاشور ()، وتداخل المصالح يستدعي إيجاد قواعد وخطط تشريعية يلتزمها المجتهد لإعطاء كل ذي حق حقه فلا يظلم أحد، وأساس هذه القواعد هي: الموازنة بين ما يعود على صاحب الحق من نفع مشروع، وبين ما يلحق الغير من ضرر لازم أو فساد ممنوع وفي هذه الموازنة يتفاوت نظر النظار، وتتعارض فيه الخواطر والأفكار، لذا أكد الإمام على الفهم السليم والطبع المستقيم، ولقد استطاع أن يستنبط من استقرائه للشريعة سلماً للمصالح يندرج بحسب آثارها في دنيا الناس فتحدث عن الضروري، والحاجي، والتحسين، وبنى على ذلك مواقف عملية حتى يتمكن الناس من الموازنة بين المصالح وترتيبها، فلا يقعوا أمام طريق مسدود يجعلهم مخيرين بين مصالح الدنيا أو الآخرة، ولو وضع المسلمـون هـذا السـلم نصب أعينهم قبل اتخاذ بعض القرارات أو تبين بعض المواقف لسلمت الأمة – الآن – من كثير مما هي فيه من المشاكل.

كما أنها تراعي التخفيف والتيسير، وترفع الحرج عن الناس باعتبارها شريعة عملية واقعية تسعى إلى أن تكون واقعاً حيا في نفوس أتباعها، ولا يتم ذلك إلا بسلوك الرفق والتيسير، ذلك بأن اليسر من الفطرة، والنفوس مجبولة على حب الرفق، والنفور من الشدة والإعنات، ومن هنا كان الحرج مرفوعاً والمشقة منضبطة؛ وليس لمراد بنفي المشقة أن لا مشقة ولا كلفة في شيء من التكاليف الشرعية أصلاً، بل المراد أن تكون المشقة في حدود طاقة المكلفين، كما أن الدعوة إلى التيسير ليست على إطلاقها، بل المراد أن يكون التيسير بقدر لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة، وإلا لزم إرتفاع جميع التكاليف أو أكثرها.
وتقيم العدل، وتدعو إلى أن تكون إقامة العدل عن إدراك وتفهم عميق لإبعاده ومراميه، وللمسالك والوسائل المفضية إليه، فمن راعى ذلك وفق إلى جني ثماره، إذ لا ثمرة تجنى دون تصور سليم، وتنفيذ واع حكيم، كما بينت الشريعة أن عاقبة العدل كريمة، وعاقبة الظلم وخيمة ()، ولهذا نرى : أن الله ينصر الدولة العدالة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة ().
شرعت الشريعة من الوسائل ما يتلائم مع تحقيق مقاصدها ويحافظ عليها، ولولا ذلك لفات الكثير، ولذا كان اعتناؤها بالوسائل، كاعتنائا بالمقاصد أولى ()، واعتبرت الوسائل بمثابة التممات والتكملات ()، وصارت كل وسيلة تخدم مقتصداً مطلوبة التحصيل، وكل وسيلة لا تؤدي إلى ذلك مطلوبة الترك ()، كما أنه قد تتحد الوسائل إلى المقصد الواحد، فيقدم أقواها تحصيلاً للمقصد المتوسل إليه، بحيث يحصل كاملاً ميسوراً يقدم على ما هو دونه في هذا التحصيل ().

إن الله عز وجل قد أكرم الأمة بهذا العالم الجليل صاحب الفهم السليم، والطبع المستقيم، والعلم المتين، في مرحلة حرجة من المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية، من تمزق سياسي، وصراع بين المشاريع، المشروع المغولي، والمشروع الصليبي، وبقايا المذهب الباطني، وكان الابتلاء الكبير بسقوط بغداد في يدي التتار عام 656ه، فكان للاجتهادات المقاصدية، وفقه المصالح ومراتبه والمفاسد ودراجته أثر كبير في نهوض الأمة من كبوتها وإعادة دورها الحضاري، فبفضل الله ثم جهود العلماء من أمثال العز بن عبدالسلام، وسلاطين المماليك، استطاعت الأمة التصدي للمشروع المغولي والمشروع الصليبي ثم القضاء على المشروعين وانتصار الإسلام العظيم في عهد المماليك وهذا ما سوف نعرف تفاصيله بإذن الله تعالى في كتابنا عن المماليك.


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ