إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 6 أغسطس 2014

63 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الرابع :فقه نور الدين في التعامل مع الدولة الفاطمية: أولاً:جذور الشيعة الإسماعيلية والدولة الفاطمية: 3- أساليب المغاربة في مواجهة الدولة الفاطمية العبيدية:


63

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الرابع :فقه نور الدين في التعامل مع الدولة الفاطمية:

أولاً:جذور الشيعة الإسماعيلية والدولة الفاطمية:

3- أساليب المغاربة في مواجهة الدولة الفاطمية العبيدية:

لقد سلك علماء السنة المغاربة في مقاومة التشيع أساليب عديدة، منها المقاومة السلبية، والمقاومة الجدلية والمقاومة المسلحة، وكانت هناك أنواع أخرى من المقاومة، مثل عن طريق التأليف وعن طريق نظم الشعر .. إلخ.

أ- المقاومة السلبية:

أولى الوسائل التي استعملها علماء المغرب السنة في مقاومة التيار الشيعي: الوسيلة السلبية، ونعني بها: المقاطعة الجماعية التي قاطع بها علماء المغرب كل ماله صلة بالتشيع، أو بالحكم القائم وتمثلت تلك المقاطعة في مقاطعة قضاة الدولة وعمالها، ورفض من استطاع منهم دفع الضرائب لها () ومن مظاهر هذه المقاومة مقاطعة حضور صلاة الجمعة التي كانت مناسبة للعن أصحاب رسول الله على المنابر : فتعطلت بذلك الجمعة دهراً بالقيروان ()، ومنهم من اكتفى بالدعاء عليهم كما فعل الواعظ عبد الصمد () ، وكما كان يفعل أبو إسحاق السبائي الزاهد إذا رقى رقية يقول بعد قراءة الفاتحة وسورة الإخلاص والمعوذتين: وببغضي في عبيد الله وذريته، وحبي في نبيك وأصحابه وأهل بيته أشف كل من رقيته () ومن مظاهر المقاومة السلبية أيضاً: مقاطعة كل من يسير في ركب السلطان واعتزاله وكل من كانت له صلة بهذا السلطان أو سعى إلى تبرير وجوده عملاً بقوله تعالى: "لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم" (المجـادلة، آية :22). فهـذا خـلف بـن أبي القاسم البراذعي (ت نحو 400ه) () قام عليه فقهاء القيروان بصلته بملوك بني عبيد وقبوله هداياهم وتأليفه كتاباً في تصحيح نسبهم، وزادت النقمة عليه عندما وجدوا بخطه الثناء على بني عبيد متمثلاً ببيت الحطيئة ():


أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا
          
    وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
   

لذلك كله أفتى فقهاء القيروان بطرح كتبه وعدم قراءتها وإزاء ذلك اضطر هو إلى الهجرة إلى الصقلية حيث حصلت له حظوة كبيرة عند أميرها().


ب- المقاومة الجدلية:

كانت المقاومة الجدلية هي أقوى وأوسع أنواع المقاومة التي قام بها علماء السنة المغاربة ضد الشيعة الرافضة المنحرفين، وقد سطع في سماء هذه المساجلات العلمية والمناظرات العقدية عدد كبير من العلماء، وكانوا لسان أهل السنة الناطق والذاب عن بيضة هذا الدين، وممن لمع نجمه في ميدان المناظرة الشيخ عبد الله بن التبان (371 ت) () وقد اشتهر بسبب مناظرته لبني عبيد حتى ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار المختلفة لعلمه بالذب عن مذهب أهل السنة وكان هذا الإمام – فضلاً عن براعته في الجدل والمناورة شجاعاً مقداماً لا يهاب الموت، من ذلك ما ذكره المالكي والدباغ من أن عبد الله المعروف بالمحتال () ، صاحب القيروان قد شدد في طلب العلماء، فاجتمعوا بدار ابن أبي زيد القيرواني فقال لهم ابن تبان: أنا أمضي إليه، أبيع روحي لله دونكم، لأنه إن أتى عليكم وقع على الإسلام وهن عظيم () . وفعلاً ذهب إليه وأقام عليه الحجة هو وجماعته الذين جاء بهم ليناظروه وبعد أن هزمهم في مجلس المناظرة لم يخجلوا أن يعرضوا عليه أن يدخل في نحلتهم ولكنه أبى وقال: شيخ له ستون سنة يعرف حلال الله وحرامه ويرد على اثنتين وسبعين فرقة يقال له هذا ؟ لو نشر تموني في اثنتين ما فارقت مذهبي () ، ولما خرج من عندهم بعد بأسهم منه تبعه أعوان الدولة الفاطمية العبيدية وسيوفهم مصلتة عليه ليخاف من يراه من الناس عن تلك الحال، فإذا به وهو تحت الضغط يهدي الناس ويقدم لهم النصيحة، ويقول لهم دون خوف ولا وجل: تشبثوا، ليس بينكم وبين الله إلا الإسلام، فإن فارقتموه هلكتم () . وكان يخشى على العامّة من فتنة بني عبيد ويقول: والله ما أخشى عليهم الذنوب، لأن مولاهم كريم، وإنما أخشى عليهم أن يشكوا في كفر بني عبيد فيدخلوا النار () وممن اشتهروا بالذب عن الإسلام وأشهروا حجج الحق وبراهين العدل وإقامة الحجة على دعاة الدولة الفاطمية أبو عثمان سعيد بن الحداد 302ت) لسان أهل السنة وابن حنبل المغرب قال عنه السـلمي: كـان فقيها صالحاً فصيحاً متعبداً أوحد زمانه في المناظرة والرد على الفرقة () . وقال عنه الخشني: كان يرد على أهل البدع المخالفين للسنة وله في ذلك مقامات مشـهودة وآثار محمودة ناب عن المسلمين فيها أحسن مناب، حتى مثله أهل القيروان بأحمد بن حنبل () . وقال عنه المالكي : وكانت له مقامات في الدين مع الكفرة المارقين أبي عبيد الله الشيعي وأبي العباس أخيه وعبيد الله أبان فيها كفرهم وزندقتهم وتعطيلهم () ، حاولت الدولة الفاطمية بالمغرب أجبار الناس على مذهبهم بطريقة المناظرة وإقامة الحجة مرة والتهديد بالقتل مرة أخرى، فارتاع الناس من ذلك ولجؤوا إلى أبي سعيد وسألوه التقية فأبى وقال : قد أربيت عن التسعين، ومالي في العيش حاجة، ولا بدلي من المناظرة عن الدين أو أن أبلغ في ذلك عذراً ففعل وصدق، وكان هو المعتمد عليه بعد الله في مناظرة الشيعة () ، ومن أشهر هذه المناظرات.

التفاضل بين أبي بكر وعلي رضي الله عنهما: وأول هذه المناظرات كما يذكر صاحب المعالم حول التفاضل بين أبي بكر وعلي رضي الله عنهما فبعد الاجتماع بين ابن الحداد وأبي عبيد الله الشيعي؛ سأل أبو عبدالله الشيعي ابن الحداد : أنتم تفضلون على الخمسة أصحاب الكساء غيَرهم - ؟ يعني بأصحاب الكساء : محمداً صلى الله عليه وسلم وعلياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ويعني بغيرهم : أبا بكر رضي الله عنه – فقال أبو عثمان : أيما أفضل ؟ خمسة سادسهم جبريل عليه السلام؟ أو اثنان الله ثالثهما ؟ () فبهت الشيعي.
موالاة علي رضي الله عنه: في هذه المناظرة أراد عبيد الله الشيعي أن يثبت أن الموالاة في قوله عليه الصلاة والسلام: من كنت مولاه فعلي مولاه () . بمعنى العبودية : قال له : فما بال الناس لا يكونون عبيداً لنا ؟ فقال ابن الحداد : لم يرد ولاية رق وإنما أراد ولاية الدين، ونزع بقوله تعالى : " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخـذوا الـملائكة والنبيين أربـابا أيأمـركم بالكفـر بعد إذ أنتم مسلمون " (آل عمران، آية : 79 – 80 ) فما لم يجعله الله لنبي لم يجعله لغير نبي، وعلي رضي الله عنه لم يكن نبياً وإنما كان وزيراً للنبي صلى الله عليه وسلم () هذه إشارات عابرة وهي جزء صغير من مجموع المناظرات التي دارت بين الفريقين.


ج- المقاومة المسلحة:

لم يكتف علماء المغرب بالمقاومة السلبية والمقاومة الجدلية، بل منهم من حمل السلاح وخرج ليقاتلهم، فهذا جبلة بن حمود الصدفي ترك سكن الرباط ونزل القيروان، فلما كلم في ذلك قال: كنا نحرس عدواً بيننا وبينه البحر، والآن حل هذا العدو بساحتنا، وهو أشد علينا من ذلك وقال: جهاد هؤلاء أفضل من جهاد أهل الشرك () . واستدل بقول تعالى : "يا أيهاّ الذين ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار " (التوبة، آية : 123) ومنهم الإمام: أبو القاسم الحسـن بن مفرج ت 309ه الذي كان من أوائل من خرج على الشيعة ومات شهيداً ، قتله عبيد الله المهدي وصلب هو ورجل يدعى أبا عبدالله السدري الذي كان من الصالحين وكان قد بايع على جهاد عبيد الله وجعل يحث الناس على جهاده فبلغ خبره عبيده الله، فأمر بقتله()، تم إن العلماء خطوا خطوة أكبر بإصدار فتوى بوجوب قتال الدولة الفاطمية العبيدية وكان ذلك بعد اجتماع وتشاور بين علماء السنة وتحالفوا مع أهل القبلة ضد الفاطميين الذين حكموا عليهم بالكفر لمعتقداتهم الفاسدة قال الشيخ الفقيه أبو بكر بن عبد الرحمن الخولاني : خرج الشيخ أبو إسحاق السبائي رحمه الله – مع شيوخ إفريقية إلى حرب بني عبيد مع أبي يزيد، فكان أبو إسحاق يقول – ويشير بيده إلى عسكر أبي يزيد هؤلاء من أهل القبلة وهؤلاء ليسوا من أهل القبلة – يريد عسكر بني عبيد – فعلينا أن نخرج مع هذا الذي من أهل القبلة لقتال من "هو" على غير القبلة – فإن ظفرنا بهم لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد، لأنه خارجي، والله عز وجل يسلط عليه إماماً عادلاً فيخرجه من بين أظهرنا ويقطع أمره عنا. والذين خرجوا معه من الفقهاء والعباد: أبو العرب ابن تميم، وأبو عبدالملك مروان نصروان وأبو إسحاق السبائي وأبو الفضل  وأبو سليمان ربيع بن القطان () وغيرهم كثير () وفي الموعد المحدد خرج العلماء ومن ورائهم وجوه القوم وعامتهم في أعداد غفيرة لا يحصيهم عد، ولم يتخلف من العلماء  والصلحاء أحد إلا العجزة، ومن ليس عليهم حرج، وكان ربيع القطان من طليعة الصفوف راكباً فرسه، وعليه آلة الحرب متقلداً مصحفه وهو يقول: الحمد لله الذي أحياني حتى أدركت عصابة من المؤمنين اجتمعوا لجهاد أعدائك وأعداء نبيك () وقد أبلى العلماء في تلك المواجهة بلاء حسناً، وقدموا صور حقيقية للجهاد في سبيل الله لأعداء الإسلام، واستشهد منهم مالاً يقل على الثمانين عالماً، منهم ربيع القطان والمميسي وغيرهما، وحققوا انتصاراً باهراً وكادوا يستولون على المهدية، لولا أن ساعة الغدر حلت ورجعت الكرة عليهم، حين خدعهم أبو يزيد وأسفر عن وجهه القبيح المناوئ لأهل السنة وأمر جنده أن ينكشفوا عنهم بقوله: إذا التقيتم مع القوم فانكشفوا عن أهل القيروان حتى يتمكن أعداؤكم من قتلهم لا نحن فنستريح منهم (). وكان غرضه من تلك الفعلة الشنيعة والخدعة المنكرة : الراحة منهم لأنه فيما ظن إذا قتل شيوخ القيروان وأئمة الدين تمكن من أتباعهم فيدعوهم إلى ما شاء الله فيتبعونه () فهزم شر هزيمة حيث انضم عدد غير قليل من جنده إلى صفـوف عـدوه ولم يبـق لـه من الجند إلا القليل، وقتل شر قتلة، وكانت نهايته يوم 30 محرم سنة 336ه () ، وقد أثرت هذه المواجهة بين السنة والشيعة على الساحة المغربية فيما بعد، حيث استمرت المقاومة فيمن جاء بعدهم حتى بعد خروج بني عبيد من المغرب، فكانوا يبحثون عن مراكز وجود الشيعة، فإذا عثروا عليهم قتلوهم وسلبوا أموالهم، فقد ذكر ابن عذارى في البيان المغرب أنه: كان بمدينة القيروان قوم يتسترون بمذهب الشيعة من شرار الأمة انصرفت العامة إليهم من فورهم، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً رجالاً ونساءً وانبسطت أيدي العامة على الشـيعة وانتهبت دورهـم وأموالهم () ، ويصف القاضي عياض هذه الحادثة: وكان إبتداء ذلك اليوم الجمعة منتصف المحرم، قتلت العامة الرافضة أبرح قتل بالقيروان وحرقوهم وانتهبوا أموالهم، وهدموا دورهم وقتلوا نساءهم وصبيانهم، وجروهم بالأرجل، وكانت صيحة من الله سلطها عليهم، وخرج الأمر من القيروان إلى المهدية وإلى سائر بلادهم فقتلوا وأحرقوا بالنار، فلم يترك أحد منهم في إفريقية إلا من اختفى () . وهكذا كان هذا النوع من المقاومة هو أشد الأنواع وأنكاها، طهر الله به أرض المغرب من بدعة التشيع الباطني الرافضي.


ح- المقاومة عبر التأليف:

وكانت المقاومة عبر التأليف من الوسائل المجدية والنافعة في مقاومة الشيعة والتي كان لها أثر طيب في إقلاقهم وقض مضاجعهم وإعلانهم الحرب على من يفعل ذلك، كما كان لها أثر في تبصير العامة بالحق وإرساء دعائم السنة وكانت هذه المؤلفات تنقسم إلى نوعين:

- المؤلفات التي تتناول مسائل العقيدة جملة وفق منهج أهل السنة والجماعة، ومن بين المسائل التي تتناولها مسألة الإمامة عند أهل السنة وأفضلية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهما، وشرعية خلافة الثلاثة خلافاً للشيعة الرافضة والترضي عن أصحاب رسول الله جميعاً من غير تفريق بينهم، واعتبارهم جميعاً عدولاً خلافاً للشيعة الذين يكفرونهم ويفسقونهم عدا نفر قليل منهم فهذا النوع من التأليف كان له أثر عميق في تبصير الناس بدينهم ونشر المذهب الحق فيهم، حتى أصبحوا يعتبرون كل من خالف هذه العقيدة مخالفاً للإسلام وخارجاً عن جماعة المسلمين يجب فيه كل ما يجب في الكافر من المعاداة والقتال والمقاطعة وغير ذلك من المعاملة، لعله يرتدع ويرجع ويتوب ().

- والنوع الثاني: المؤلفات التي ألفت للرد على الشيعة خاصة وعلى عقائدهم الباطلة: وهذا النوع من التأليف – كما سبق الحديث عنه – جاء نتيجة ظروف خاصة أوجبت على أهل السنة الرد عليهم، وتفنيد شبههم ودحض باطلهم من هذا الصنف من المؤلفات نذكر كتابي "الإمامة" اللذين ألفهما الإمام محمد بن سحنون، وهما أعظم ما ألف في هذا الفن، يقول عيسى بن مسكين: وما ألف في هذا الفن مثلهما () ، وكتاب الإمامة للإمام إبراهيم بن عبد الله الزبيري، وكتاب الرد على الرافضة له أيضاً، واللذان كانا السبب في محنته وسجنه وضربه من قبل الدولة الفاطمية العبيدية، فهذا النوع كان له أثره في المقاومة ().

خ- مقاومة شعراء أهل السنة:

إلى جانب وسيلة التأليف كانت هناك وسيلة نظم الشعر لهجو بني عبيد وذمهم، وقد برز في هذا الميدان كثير من الشعراء منهم: أبو القاسم الفزاري، فقد وصفهم ووصف سلوكهم فقال:


عبدوا ملوكهم وظنوا أنهم
          
    نالوا بهم سبب النجاة عموما
      
وتمكن الشيطان من خطواتهم
          
    فأراهم عوج الضلال قويما
      
رغبوا عن الصديق والفاروق في
          
    أحكامهم لا سلموا تسليما
      
واستبدلوا بهما ابن الأسود نابحاً
          
    وأبا قدارة واللعين تميما
      
تبعوا كلاب جهنم وتأخروا
          
    عمن أصارهم الإله نجوما
      
أمن اليهود ؟ أم النصارى ؟ أم هم
          
    دهرية جعلوا الحديث قديما
      
أم هم من الصائبين أم من عصبة
          
    عبدوا النجوما وأكثروا التنجيما
      
أم هم زنادقة معطلة رأوا
          
    أن لا عذاب غداً ولا تنعيما
      
أم عصبة ثنوية قد عظموا
          
    النورين عن ظلماتهم تعظيما
      
سبحان من أبلى العباد بكفرهم
          
    وبشركهم حقباً وكان رحيما
      
       
 
يارب فالعنهم ولقهم
          
    بأبي يزيد من العذاب أليما ()
   

ومن أشهر ما قاله قصيدته الرائية التي انتشرت في الآفاق والبلدان والتي قال فيها:


عجبت لفتنة أعمت وعمت
              
    يقوم بها دعي أو كفور
      
تزلزلت المدائن والبوادي
          
    لها وتلونت منها الدهور
      
وضاقت كل أرض ذات عرض
          
    ولم تغن المعاقل والقصور
          
فنجى القيروان وساكنيها
ج          
    إله دافع عنها قدير
      
أحاط بأهلها علماً وخبراً
          
    وميز ما أكتنه الصدور
      
وجللهم بعافية وأمن
          
    وأسبل فوقها ستر ستير
ج      
وأثبت جلة العلماء فيها
          
    بحار لا تعد ولا بحور
          
ومنها سادة العلماء قدما
              
    إذا عُدَّوا وليس لها نظير
      
وفيها القوم عباد خيارا
          
    فقد طاب الأوائل والأخير
      
هم افتكوا سبايا كل أرض
          
    وفادوا ما استبد به المغير
      
كفيناهم عظائمها جميعاً
          
    فزالت عنهم تلك الشرور
      
وسكنَّا قلوباً خافقات
ج          
    أمات عروقها ضر ضرير
ج      
وأوينا وآسينا وكنا
          
    لهم أهلاً وأكثرهم شطير
      
فبات طعامناً لهم طعاماً
          
    هناك ودُورنا للقوم دور
      
وكان لنا ثواب الله ذُخراً
          
    وقام بشكرنا منهم شكور
      
ولولا القيروان وساكنوها
          
    لغاب طعامهم والمخ () ريرُ
      
وليس لنا كما لهم حصون
          
    ولا جبل أعاليه وعور
          
ولا سور أحاط بنا ولكن
ج          
    لنا من حفظ رب العرش سُورُ
      
ولا نأوي إلى بحر وإنا
              
    إذا قضى القضا تُنحَى البحُورُ
ج      
ولكنا إلى القرآن تأوي
              
    وفي إيماننا البيض الذكور
      
عقائق كالبوارق مرهفات
              
    بها تحمي الحرائم والثغور
      
وسُمر في أعاليهن شهب
              
    بها ظمأ مواردها النحور
   
إلى أن قال:


وإنا بعد من خوف وأمن
              
    نحب إذا تشعبت الأمور
      
رسول الله والصديق حبا
              
    به ترجى السعادة والحبور
          
وبعدهما نحب القوم طُرَّا
              
    وما اختلفوا فربهم غفور
      
ألا بأبي وخالصتي وأمي
          
    محمد البشير لنا النذير
ج      
سأهدى ما حييت له ثناء
              
    مع الركبان ينجد أو يغور () 
   




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

62 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الرابع :فقه نور الدين في التعامل مع الدولة الفاطمية: أولاً:جذور الشيعة الإسماعيلية والدولة الفاطمية: 2- من جرائم العبيديين في الشمال الإفريقي:


62

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الرابع :فقه نور الدين في التعامل مع الدولة الفاطمية:

أولاً:جذور الشيعة الإسماعيلية والدولة الفاطمية:

2- من جرائم العبيديين في الشمال الإفريقي:

ارتكب الشيعة الرافضة الإسماعيلية جرائم نكرة منها:

أ- غلو بعض دعاتهم في عبيد الله المهدي:

حتى أنه أنزله منزلة الإله وأنه يعلم الغيب، وأنه نبي مُرسل، يقول بدر الدين بن قاضي شهبة: وكان له (أي المهدي) دعاة بالمغرب يدعون الناس إليه، وإلى طاعته، ويأخذون عليهم العهود ويلقون إلى الناس من أمره بحسب عقولهم، فمنهم من يلقون إليه أن المهدي ابن رسول الله وحجة الله على خلقه، ومنهم من يلقون إليه أنه الله الخالق الرازق()  وأما زعمهم بأنه إله فيظهر من أفعال دعاته وأقوالهم وأشعارهم، فقد كان هناك رجل يدعى أحمد البلوي النحاس: يصلي إلى رقادة أيام كون عبيد الله بها، وهي منه إلى المغرب، فلما انتقل إلى المهدية وهي منه إلى الشرق صلى إليها () باعتبار أنها مثل مكة المكرمة – شرفها الله – وهذا الاعتقاد كان سائداً عند كثير من الناس يومها، فهذا أحد شعراء بني عبيد يقول في المهدية بعد انتقال المهدي إليها:


ليهنك أيها الملك الهمام
          
    قدوم فيه للدهر ابتسام
      
لقد عظمت بأرض الغرب دار
              
    بها الصلوات تقبل والصيام
      
هي المهدية الحرم الموقى
          
    كما بتهامة البلد الحرام
      
كأن مقام إبراهيم فيه
          
    ترى قدميك إن عدم المقام
      
وإن لثم الحجيج الركن أضحى
          
    لنا بعراص قصركم التثام
      
لك الدنيا ونسلك حيث كنتم
              
    فكلكم لها أبداً إمام ()
   

ومن الشعر أيضاً في تأليهه ما مدحه بن محمد البديل حيث يقول:


حل برقادة المسيح
          
    حل بها آدم ونوح
      
حل بها أحمد المصطفى
          
    حل بها الكبش والذبيح
      
حل بها الله ذو المعالي
          
    وكل شيء سواه ريح
   

وأما زعمهم أنه كان يعلم الغيب، فيظهر من أيمان بعضهم حيث كان إذا أقسم يقول: وحق عالم الغيب والشهادة مولانا الذي برقادة () ومعرفة الغيب من خصوصيات الألوهية ولا يعلم الغيب إلا الله قال تعالى : " قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون " (النمل: 65) وقال تعالى : " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " (الأنعام، آية:59) كما أن الحلف لا يكون بمخلوق وإنما يكون بالخالق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كـان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت. وجاءت الأحاديث في النهي عن الحلف بالآباء ().


ب- التسلط والجور وإعدام كل من يخالف مذهبهم، هذا بالإضافة إلى كل ما ذكرناه آنفاً على لسان القاضي عياض في طعنهم في الصحابة وتعليق رؤوس الأكباش – الدالة في زعمهم – على أسماء الصحابة وغير ذلك من الأفعال القبيحة والشنيعة التي كانوا يقومون بها () وكان أجبار الناس على الدخول في مذهبهم بوسيلة التخويف بالقتل وقد نفذوا حكم الإعداد في أربعة آلاف رجل مّرة واحدة قال القابسي: إن الذين ماتوا في دار البحر – سجن العبيديين – بالمهدية من حين دخل عبيد الله إلى الآن أربعة آلاف رجل في العذاب ما بين عالم وعابد ورجل صالح () . هذا عدا ما كانوا يقتلون دون سجن ويمثل بهم في شوارع القيروان، فأثر ذلك على سير الحياة العلمية ومع ذلك فإن هذه المحنة لم تزد أهالي المغرب الإسلامي إلا عزيمة وصبراً واحتساباً وتمسكاً بالكتاب والسنة.


ت- تحريم الإفتاء على مذهب الإمام مالك :

حرّموا على الفقهاء الفتوى بمذهب الإمام مالك، واعتبروا ذلك جريمة يعاقب عليها بالضرب والسجن أو القتل أحياناً، ويعقب ذلك نوع من الإرهاب النفسي، حيث يدار بالمقتول في أسواق القيروان وينادى عليه: هذا جزاء من يذهب مذهب مالك، ولم يبُيحوا الفتوى إلا لمن كان على مذهبهم، كما فعلوا بالفقيه المعروف بالهزئي: أبو عبدالله محمد بن العباس بن الوليد المتوفى في عام تسع وعشرين وثلاثمائية ().


ث- إبطال بعض السنن المتواترة والمشهورة:

والزيادة في بعضها كما فعلوا في زيادة: حتى على خير العمل : في الأذان وإسقاط صلاة التراويح () ، بعد أن تُرِك الناس يصلونها عاماً واحداً، ولهذا ترك أكثر الناس الصلاة في المساجد وياويح من يسقط عبارة: حى على خير العمل من الأذان، من ذلك ما روي أن عروس المؤذن ت 317ه وكان مؤذناً في أحد المساجد، شهد عليه بعض الشيعة أنه لم يقل في أذانه، حي على خير العمل فكان جزاؤه أن قطع لسانه ووضع بين عينيه وطيف به في القيروان ثم قتل () ، إلا أن بعض العلماء فطن لكيد العبيديين وأغراضهم الخبيثة من وراء ذلك وهو إخلاء المساجد من المصليين، ودفعاً لهذه المفسدة أذنوا للمؤذنين أن يزيدوا حي على خير العمل: لأن تركها يؤدي إلى مفاسد أعظم ومن هؤلاء العلماء : أبو الحسن علي بن محمد بن مسرور العبدي الدباغ ت  359ه () ، الذي كان من أهل الورع والعبادة والخشوع فقد فطن لغرض العبيديين، فكانوا أن قال للمؤذنين: أذنوا على السنة في أنفسكم فإذا فرغتم فقولوا: حي على خير العمل، فإنما أراد بنو عبيد إخلاء المساجد لَفِعلكُم هذا – وأنتم معذورون خير من إخلاء المساجد () .


ج- منع التجمعات:

حرصت الدولة الفاطمية على منع التجمعات خوفاً من الثورة والخروج عليهم ولذلك جعلوا بوقاً يضربونه في أول الليل فمن وجد بعد ذلك ضرب عنقه، كما أنهم كانوا يفرقون الناس الذين يجتمعون على جنازة من يموت من العلماء () ، وهذا الفعل لا يزال مستمراً في الأنظمة القمعية البوليسية التي لا ترى إلا ما يراه حاكمها وطاغوتها وفرعونها "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " (غافر، آية:29).


ح- إتلاف مصنفات أهل السنة:

أتلفوا مصنفات أهل السنة، ومنعوا الناس من تداولها كما فعلوا بكتب أبي محمد ابن أبي هاشم التجيبي ت 346ه توفي وترك سبعة قناطير كتب، كلها بخط يده، فرفعت إلى سلطان بني عبيد فأخذها : ومنع الناس منها كيداً للإسلام وبغضاً فيه ().


خ- منع علماء أهل السنة من التدريس:

منعوا علماء أهل السنة من التدريس في المساجد، ونشر العلم، والاجتماع بالطلاب، فكانت كتب السنة لا تقرأ إلا في البيوت خوفاً من بني عبيد فكان أبو محمد بن أبي زيد، وأبو محمد بن التبان وغيرهما، يأتيان إلى أبي بكر بن اللباد شيخ السنة بالقيروان في خفية، ويجعلان الكتب في أوساطهما حتى تبتل بالعرق خوفاً من بني عبيد () . وهذا المسلك لا زالت الدول القمعية في العالم الإسلامي تمارسه على شعوبها فبعضها تمنع هذا الأمر كلياَّ، وبعضها تسمح ببعض أمور الدين التي لا تصطدم مع مصالح الدول الكبرى.

س- عطلوا الشرائع، وأسقطوا الفرائض عمّن تبع دعوتهم حيث يقع إدخالهم إلى داموس ويدخل عليهم عبيد الله لابساً فرواً مقلوباً داباً على يديه ورجليه فيقول لهم: (بَح) ثم يخرجهم ويفسر لهم هذا العمل بقوله: فأما دخولي على يدي ورجلي فإنما أردت بذلك أن أعلمكم أنكم مثل البهائم لا شيء، ولا ضوء ولا ولا صلاة، ولا زكاة، ولا أي فرض من الفروض، وسقط جميع ذلك عنكم، وأما لباس الفرو مقلوبا فإنما أردت أن أعلمكم انكم قلبتم الدين، وأما قولي لكم بَح، فإنما أردت أن أعلمكم أن الأشياء كلها مباحة لكم من الزنى وشرب الخمر ().

ش- إجبار الناس على الفطر قبل رؤية الهلال:

وكانوا كثيراً ما يجبرون الناس على الفطر قبل رؤية هلال شوال () ، بل قتلوا من أفتى بأن لا فطر إلا مع رؤية الهلال كما فعلوا بالفقيه ابن الحُبُلى قاضي مدينة برقة قال الذهبي في ترجمته: الإمام الشهيد قاضي مدينة برقة، محمد بن الحُبُلى أتاه أمير برقة، فقال : غداً العيد، قال: نرى الهلال، ولا أفطر الناس، وأتقلَّد إثمهم، فقال: لهذا جاء كتاب المنصور – وكان هذا من رأي العبيدية يفطَّرون بالحساب، ولا يعتبرون رؤية – فلم يُر هلال، فاصبح الأمير بالطبول والبنود وأهبة العيد فقال القاضي: لا أخرج ولا أصلي، فأمر الأمير رجلاً خطب. وكتب بما جرى إلى المنصور، فطلب القاضي إليه، فأحضر، فقال له: تَنصَّلْ، وأعفو عنك، فامتنع، فأمر، فُعلقَّ في الشمس إلى أن مات، وكان يستغيث من العطش، فلم يُسقَ، ثم صلبوه على خشبة فلعنة الله على الظالمين () .

ع- إزالة آثار خلفاء السنة:

عمل حكّام الدولة الفاطمية في المغرب الإسلامي على إزالة آثار بعض من تقدمهم من الخلفاء السنيين فقد أصدر عبيد الله أمراً بإزالة أسماء الحكام الذين بنو الحصون والمساجد وجعل اسمه بديلاً منهم واستول هذا الشيعي الرافضي الباطني على أموال الأحباس وسلاح الحصون، وطرد العَّباد والمرابطين بقصر زياد الأغلبي وجعله مخزناً للسلاح () .

ل- دخول خيولهم المساجد:

من جرائم عبيد الله الكثيرة أن خيله دخلت المسجد، فقيل لأصحابها: كيف تدخلون المسجد؟ فقالوا : إن أوراثها وأبوالها طاهرة؛ لأنها خيل المهدي، فأنكر عليهم قيم المسجد، فذهبوا به إلى المهدي فقتله، يقول ابن عذارى: وإمتحن عبيد الله في آخر حياته بعلة قبيحة : دود في آخر مخرجه يأكل أحشاءه فلم يزل به حتى هلك () إن المسلمين المعاصرين يقرءون تاريخ الدولة الفاطمية العبيدية لا يعلمون إلا ما كتب لهم عن التاريخ السياسي لهذه الدولة، ذهب فلان وخلفه فلان، وأنها دولة تحب العلم وتنشره، والمقصود نشر كتب الفلاسفة ولكن القليل من يذكر بطش هؤلاء الباطنية بالعلماء من أهل السنة، بل إن الطلبة الذين يدرسون التاريخ الإسلامي يذكرون المعز لدين الله الفاطمي وكأنه بطل من أبطال التاريخ، وهذا كله نتيجة لغياب التفسير العقدي الإسلامي لتاريخنا، بل إن بعض المؤرخين الذين كتبوا لنا التاريخ تأثروا بمدارس الاستشراق، أو بالفكر الشيعي الرافضي، وبذلت لهم الأموال لطمس الحقائق وتزوير التاريخ، ولا يزال الصراع الباطني والإسلامي ممتداً إلى يومنا هذا، فالأفكار لا تموت وإنما تتغير الأشكال والوجوه والمسوح وأن أعداء الإسلام لا يزالون يعملون سراً وإعلاناً ليلاً ونهاراً للقضاء على العقيدة الصحيحة التي تلقتها الأمة من الحبيب المصطفى وأصحابه الغر الميامين وأهل بيته الطاهرين الطيبيين رضي الله عنهم أجمعين.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

61 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الرابع :فقه نور الدين في التعامل مع الدولة الفاطمية: أولاً:جذور الشيعة الإسماعيلية والدولة الفاطمية: 1- عبيد الله المهدي الخليفة الشيعي الرافضي الأول:


61

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الرابع :فقه نور الدين في التعامل مع الدولة الفاطمية:

أولاً:جذور الشيعة الإسماعيلية والدولة الفاطمية:

1- عبيد الله المهدي الخليفة الشيعي الرافضي الأول:

هو عبيد الله أبو محمد أول من قام من الخلفاء الخوارج العُبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام، وأعلنوا بالرفض، وأبطنو مذهب الإسماعيلية وبثوا الدُّعاة يستغوون الجبلَّية والجهلة () ، وذكر ما قيل عنه في نسبه ثم قال: والمحققون على أنه دعيُّ بحيث إنَّ المعزَّ منهم لما سأله السيد ابن طباطبا عن نسبه، قال غداً أخرجه لك، ثم أصبح وقد ألقى عُرمة من الذهب، ثم جَذبَ نِصْف سيفه من غمِدِه فقال: هذا نسبي، وأمرهم بنهب الذهب، وقال : هذا حسبي () وأما مفتي الديار الليبية رحمه الله الشيخ طاهر الزاوي فقد قال في ترجمة عبيد الله المهدي: هو مؤسس الدولة العبيدية وأول حاكم فيها وهو عراقي الأصل، ولد في الكوفة سنة 260ه واختبأ في بلدة سلمَّية بؤرة الإسماعيلية الباطنية في شمال الشام. ومن يوم أن ولد إلى أن استقر في سلميَّة كان يعرف باسم سعيد بن أحمد بن محمد بن عبدالله بن ميمون القداح، وفي منطقة سَلَمَّية مقر الإسماعيلية مات علي بن حسن بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأقام له الإسماعيلية مزارات سرية، وقرروا نقل الإمامة من ذرية إسماعيل بن جعفر الصادق إلى ابنهم بالنكاح الروحي () ، ثم قال: هذا أصل عبيد الله المهدي، وهذا أصل العبيديين المنسوبين إليه () ويذكر أن عبيد الله الشيعي عندما دخل إفريقيا "يعني تونس" : أظهر التشيع القبيح وسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه حاشا علي بن أبي طالب والمقداد وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي وأبا ذر الغفاري، وزعم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ارتدوا بعده غير هؤلاء الذين ذكروا () . وكان أهل السنة بالقيروان أيام بني عبيد في حالة شديدة من الاهتضام والتستر كأنهم ذمة () تجري عليهم في كثير من الأيام محن شديدة، ولما ظهر بنو عبيد أمرهم ونصبوا حسيناً الأعمى السباب – في الأٍسواق للسب بأسجاع لُقنَّها يتوصل منها إلى سب الرسول صلى الله عليه وسلم في ألفاظ حفظها () مثل، العنوا الغار وماوعى والكساء وما حوى وغير ذلك والغار المقصود منه غار ثور الذي اختفى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه عن أعين المشركين التي كانت تطاردهم قصة الهجرة، وهذا اللفظ فيه سب للنبي صلى الله عليه وسـلم وأبي بكـر عـلى حد سواء وكذلك فيه سب لآل البيت الذين حواهم الكساء () . وعلقت رؤوس الأكباش والحمر على أبواب الحوانيت، عليها قراطيس معلقة مكتوب عليها أسماء الصحابة، واشتد الأمر على أهل السنة، فمن تكلم أو تحرك قتل ومُثَّل به ().



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

60 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الرابع :فقه نور الدين في التعامل مع الدولة الفاطمية: أولاً:جذور الشيعة الإسماعيلية والدولة الفاطمية:


60

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الرابع :فقه نور الدين في التعامل مع الدولة الفاطمية:

أولاً:جذور الشيعة الإسماعيلية والدولة الفاطمية:

بعد موت الإمام جعفربن محمد الصادق افترقت الشيعة إلى فرقتين ممن نسبوا أنفسهم إلى جعفر الصادق: فرقة: ساقت الإمامية إلى ابنه موسى الكاظم، وهؤلاء هم الشيعة الاثنى عشرية. وفرقة: نفت عنه الإمامة وقالت: إن الإمام بعد جعفر، هو ابنه إسماعيل وهذه الفرقة عرفت بالشيعة الإسماعيلية () . قال عبد القاهر البغدادي في شأن الإسماعيلية: وهؤلاء ساقوا الإمامة إلى جعفر وزعموا أن الإمام بعده ابنه إسماعيل () . وقال الشهرستاني : الإسماعيلية امتازت عن الموسوية وعن الاثنى عشرية بإثبات الإمامة لإسماعيل بن جعفر وهو ابنه الأكبر المنصوص عليه في بدء الأمر قالوا: ولم يتزوج الصادق رحمه الله على أمه – أم إسماعيل – بواحدة من النساء ولا تسرى بجارية كسنة رسـول الله في حـق خديجة رضي الله عنها، وكسنة علي رضي الله عنه في حق فاطمة رضي الله عنها (). فالإسماعيلية إحدى فرق الشيعة وهي تنسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق ولهم ألقاب كثيرة عرفوا بها غير لقب الإسماعيلية منها الباطنية، وإنما أطلق عليهم هذا اللقب لقولهم بأن لكل ظاهر باطناً، ولكل تنزيل تأويل، ومنهم القرامطة والمزدكية، وقد عرفوا بهذين اللقبين في بلاد العراق، ويطلق عليهم في خراسان التعليمية الملحدة وهم لا يحبون أن يعرفوا بهذه الأسماء، وإنما يقولون : نحن الإسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الإسم () .

وقد قامت الدولة الفاطمية الرافضية عام 296ه/909م في الشمال الأفريقي على يدي أبو عبدالله الشـيعي بعـد سقوط القيروان أمام قواته وهروب زيادة التغلبي إلى مصـر في جماد الآخرة عام 296ه () وكانت بيعة عبدالله المهدي في القيروان عام 297ه/910م وانتهت ولاية أبي عبدالله الشيعي بعد أن دامت عشر سنوات على قول بعض المؤرخين ().



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

59 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: ثامنا : نتائج الحملة الصليبية الثانية:


59

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

ثامنا : نتائج الحملة الصليبية الثانية:

هناك مجموعة من النتائج تمحضت عنها الحملة الصليبية الثانية منها:

أججت العداء الغرب أوروبي :

تجاه الأمبراطورية البيزنطية؛ إذ أن المعاناة التي لقيها الإمبراطور الألماني كونراد الثالث وكذلك الملك الفرنسي لويسع السابع من خلال الطريق البري الذي مر بمناطق بيزنطة أكد العداء المتأصل بين الطرفين وهو عداء سيتراكم طول القرن الثاني عشر الميلادي/السادس الهجري حتى يصل إلى ذروته مع مطلع القرن الثالث عشر الميلادي/السابع الهجري.

أثرت تلك الحملة على طبيعة الوجود الصليبي:

في الشرق، فالملاحظ أن الحركة الصليبية ارتبطت بحلف دفاعي استراتيجي مع الغرب الأوروبي، الذي وفر لها كل دعم مادي ومعنوي من أجل القيام والنمو والإزدهار، بل وفر لها كل حماية ممكنة وسط المحيط الإسلامي المعادي، والآن بعد المصير الذي وصلت إليه الحملة الثانية بكل الآمال التي علقت على نجاحها، اتضح لنا بجلاء، أن اعتماد الصليبيين على الدعم الأوروبي الخارجي خلال تلك الحملة الفاشلة، لم يغنيهم شيئاً، بل يضمن لهم الاستمرار بقوة من احتلال مناطق المسلمين طالماً أن أطماعهم لا تحد، وجشعهم ليس له حدود لقد ظل الوجود الصليبي في الشرق أشبه شيء برضيع لم يكتب له النمود الطبيعي من خلال ارتباطه المرضي بالوطن الأم في أوروبا وظل الاعتماد على ذلك الوطن نقطة ضعف لذلك الوليد ليس لها حل حقيقي في آلية الصراع الصليبي الإسلامي ()  وهذا ما ينطبق على إسرائيل في هذا العصر.

عجز الكيان الصليبي بإمكاناته المحلية عن تغيير واقع عام 539ه/1144م وحتى مع الاعتماد على الوطن الأم عجز أيضاً وتعليل ذلك إلى جانب أخطاء الصليبيين إلى درجة لن تستطيع أن تعود معها عقارب الساعة إلى الوراء بل من الآن فصاعداً الإنجاز وراء الآخر حتى يتم طرد الصليبيين نهائياً من المنطقة لتصحيح خطا الانقسام الإسلامي الذي مهد للغزاة القدوم للمنطقة.

بروز نجم نور الدين محمود:

 فالحملة المذكورة دعمت وجود نور الدين محمود في حلب إلى حد كبير، فعلى الرغم من خشية الدماشقه من تطلعاته السياسية، إلا أنهم صاروا على علاقات ودية معه أفضل من قبل تلك الأحداث ()، وتدعم وضعه السياسي في شمال الشام، بصورة أقوى، فقد اعترف الدماشقة ضمنياً بقوة نفوذه السياسي، وطلبوا منه العون ضد مملكة بيت المقدس، حليفة الأمس ().

ضعف حكام دمشق:

والحملة المذكورة تلقي الضوء على مدى الضعف الذي وصلت إليه أتابكية دمشق، إذ أنها لم تتمكن من مواجهة الزحف الصليبي عليها، ولذلك طلبت العون العسكري الخارجي ولا ريب في أن ذلك الوهن أدركه نور الدين محمود بصورة مؤكدة على نحو جعله يخطط أكثر من ذي قبل من أجل توحيد الجبهة الإسلامية وضم دمشق ().

تدمير حصن العريمة:

استغل نور الدين محمود أول فرصة سنحت له للعمل المشترك مع معين الدين أنر فقد استعان رايموند أمير طرابلس بنور الدين ضد أحد أمراء الفرنجة الذين حضروا مع الحملة الفرنجية الثانية من ضمن الجيش الفرنسي هو برتراند كونت تولوز، لم يرجع هذا الأمير مع الجيش الفرنسي إلى فرنسا بعد انتهاء الحملة، وإنما توجه إلى الشمال في البحر محاذيا للشاطئ حتى صار بمحاذاة إمارة طرابلس نزل إلى البر ومعه فرسانه، فاقتحم حصن العريمة التابع لإمارة طرابلس وتحصن فيه وأعلن عن نيته في الاستيلاء على طرابلس معتبراً نفسه أحق بها من أميرها رايموند، ولم يتمكن رايموند أمير طرابلس من التغلب عليه، فحاول الاستعانة بباقي الإمارات الفرنجية وعندما لم يجد منهم استجابة بعث يستنجد بنور الدين ومعين الدين اللذين بادرا سرعة لحصار الحصن بقواتهما واستوليا عليه وأسرا كل من مكان فيه ثم دمراً الحصن حتى استوى مع الأرض، وعاد كل منهم إلى مدينته () ، وتدل هذه الحادثة على مدى الأثر السيء الذي أحدثه فشل الحملة الفرنجية الثانية على وضع الإمارات الفرنجية في المشرق الإسلامي ().

كسر هيبة الصليبيين في نفوس المسلمين:

يعتبر العديد من المؤرخين فشل الحملة الصليبية الثانية تلك نقطة تحول في تاريخ الصراع الإسلامي – المسيحي، فبالإضافة إلى أنها أدت إلى إنحطاط هيبة الصليبيين في الشام مما شجع القوى الإسلامية على الغارة بجرأة على الإمارات الصليبية، ثم إنها كانت المناسبة التي ظهر فيها نجم آخر من نجوم الجهاد الصليبي هو نور الدين محمود زنكي الذي أحيا مشروع أبيه لتوحيد الجبهة الإسلامية ضد الصليبيين وهو المشروع الذي سيستكمله صلاح الدين فينجح في التمهيد لإنهاء الحروب الصليبية، ولقد نجح نور الدين في استغلال الظروف التي أعقبت فشل الحملة الصليبية الثانية في توحيد الشام تحت قيادته هذه المرة على حساب حاكم دمشق، ثم استأنف جهاده للصليبيين بنجاح مما شجع القوى الإسلامية الأخرى مثل سلاجقة الروم والآراتقة والتركمان على التقدم لمواجهة الصليبيين خاصة في الرها وأنطاكية بل وتحالفوا أيضاً في جهودهم حتى استطاع نور الدين زنكي أن يوحد بلاد الشام كلها تحت قيادته من الرها شمالاً حتى حوران جنوباً فقامت دولة إسلامية موحدة مركزها دمشق، وكانت هذه هي الخطوة الأولى نحو تكوين الجبهة التي ستمتد من الفرات إلى النيل للتصدي بحق لهذا الخطر الصليبي () هذه هي أهم النتائج.


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

 

58 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: سابعا :الحملة الصليبية الثانية: 7- ماقيل من شعر:


58

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

سابعا :الحملة الصليبية الثانية:

7- ماقيل من شعر:

قال أبو الندى حسان بن نمير الكلبي في مدح مجير الدين صاحب دمشق:


عَرَّجْ على نَجْدِ لعلَّكَ مُنْجدِي
          
    بنسيمها وبذكر سُعْدى مُسْعِدى
      
من قاتل الإِفرنج ديناً غيره
          
    والخيلُ مثل السيل عند المشهد
      
ردَّ الأمانَ بكلَّ نَدْب باسل
          
    ومن الجياد بُكلَّ نهد أجْرَدِ
      
ومن السيوف بكلَّ عَضْب أبيض
          
    ومن العَجَاج بكلَّ نقع أسود
      
حتى لوى الإسلام تحت لوائه
          
    وغدا بحمد من شريعة أحمد ()
   




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

57 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: سابعا :الحملة الصليبية الثانية: 6- مشاركة فقهاء المغاربة للدفاع عن دمشق:


57

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

سابعا :الحملة الصليبية الثانية:

6- مشاركة فقهاء المغاربة للدفاع عن دمشق:

لم يقتصر المشاركة الفعلية للفقهاء في القتال على فقهاء مدن بلاد الشام وحدهم، إذ تشير بعض الروايات إلى مشاركة أولئك الفقهاء المغاربة والأندلسيين الذين كانوا يقيمون ببلاد الشام في تلك المعارك، فعندما تعرض مدينة دمشق عام 543ه/1147م للغزو الصليبي شارك أولئك الفقهاء جيوش مدينة دمشق لمواجهة ذلك الغزو؛ وكان منهم الفقيه المغربي حجة الإسلام أبو الحجاج يوسف بن دوناس الفندلاوي المالكي، والشيخ عبدالرحمن الحلحـوني ()  وكـان الشيخ الفنـدلاوي كبيراً زاهداً عابداً – خرج راحلاً، فراه معين الدين – حاكم دمشق – فقصده وسلَّم عليه وقال له: يا شيخ، أنت معذور، ونحن نكفيك، وليس بك قَّوة على القتال، فقال قد بعت واشترى، فلا نُقيلهُ ولا نستقيله يعني قول الله تعالى : "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" (التوبة : 111) وتقّدم فقاتل الفرنج حتى قتل رحمه الله شهيداً () . واستشهد الشيخ الحلحوني بعد قتال واستبسال () ورؤي الشيخ الفندلاوي في المنام بعد استشهاده فقيل له: أين أنت ؟ قال في جنات عدن على سُرر متقابلين () .




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ