إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 17 يوليو 2014

40 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: خامساً:أهم أعمال عماد الدين زنكي فتح الرها: 1-أوضاع إمارة الرها الداخلية:


40

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

خامساً:أهم أعمال عماد الدين زنكي فتح الرها:

1-أوضاع إمارة الرها الداخلية:

كانت ظروف الرها الداخلية مؤاتية لعماد الدين زنكي، إذ اتصف أميرها جوسلين الثاني بضعف الشخصية وإنسياقه وراء العواطف والأهواء وعدم امتلاكه مقدرة سياسية، وبعد نظر، والواقع أن جوسلين الثاني تأثر في نشأته بالميول الأرمينية بفعل أن والدته كانت منهم، فترعرع وفي نفسه ميل إلى الأرمن وغيرهم من السكان الأصليين من الطوائف النصرانية الشرقية وفضَّلهم على النصارى الغربيين الأمر الذي أثار الفرسان الصليبيين وأوجد نوعاً من عدم الاستقرار داخل الإمارة وعُرف عن صاحب الرها أنه كان من ذلك النوع الذي يؤثر الراحة والعافية، حتى أنه في الوقت الذي هاجم فيه عماد الدين زنكي إمارته، اختار أن يترك مدينته ليقيم في تل باشر عن الضفة الغربية للفرات، وإذا أضفنا إلى ذلك أن المسلمين أحاطوا بهذه الإمارة من كل جانب، وفصلها نهر الفرات عن بقية الممتلكات الصليبية في بلاد الشام؛ لاستطعنا أن نكّون فكرة عامة عن العوامل التي ساعدت على سقوطها والجدير ذكره أن هذه شَّكلت خطراً كبيراً على المواصلات الإسلامية بين حلب والموصل وبغداد وسلاجقة الروم في آسيا الصغرى، كما كانت عائقاً حال دون قيام الوحدة الإسلامية في بلاد الشام والجزيرة بسبب تدخلها المستمر لصالح خصوم عماد الدين زنكي من الأمراء المسلمين في المنطقة () ، فكان فتحها ضرورة سياسية وعسكرية واقتصادية () ودينية.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

39 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: خامساً:أهم أعمال عماد الدين زنكي فتح الرها:


39

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

خامساً:أهم أعمال عماد الدين زنكي فتح الرها:

استطاع عماد الدين زنكي أن يحقق قسطاً كبيراً من برنامجه وأن يكون لنفسه، مكانة خاصة في التاريخ الإسلامي، كسياسي بارع وعسكري متمكن ومسلم واع أدرك الخطر الذي أحاط بالعالم الإسلامي من قِبل الصليبيين، فقد استطاع أن يوجه الظروف التاريخية القائمة لصالح المسلمين، وذلك بتجميعه القوى الإسلامية بعد القضاء على عوامل التجزئة والانقسام وتوحيد المدن والإمارات المنفصلة في نطاق دولة واحدة استطاع بمقدرته أن يستغل أقصى ما يمكن أن تقدمه من إمكانات في سبيل تحقيق برنامجه المزدوج أن تشكيل الجبهة الإسلامية وضرب الصليبيين وقد فصلت ذلك في حديثي عن عماد الدين زنكي في كتابي عن الدولة الزنكية ويعتبر فتح الرها من أهم إنجازات عماد الدين زنكي، فقد كانت إمارة الرها الصليبية أولى الإمارات التي تأسست في الشرق سنة 491ه/1097م بزعامة بلدوين الأول الذي استمر في حكم هذه الإمارة حتى سنة 494ه/1100م حين انتقل إلى حكم بيت المقدس عقب وفاة جورفرى ملك بيت المقدس () . وقد تميزت الرها عن بقية الإمارات الصليبية بموقعها في الحوض الأوسط لنهر الفرات حيث تحملت عبء الدفاع عن بقية الإمارات الصليبية في بلاد الشام، وذلك لقربها من الخلافة العباسية ثم لوقوفها في وجه التركمان الذين كانت تعج بهم منطقة الجزيرة عقب التفكك الذي أصاب السلاجقة في بلاد الشام والعراق عقب وفاة السـلطان ملكشاه 485ه/1092م () ، ولم تقتصر أهمية الرها على موقعها الاستراتيجي وكونها خط الدفاع الأول عن بقية الإمارات الصليبية في بلاد الشام بل إنها شكلت خطراً أساسياً على خطوط المواصلات الإسلامية بين الشام وآسيا الصغرى والعراق ومنطقة الجزيرة () وعلى الرغم من أن الرها لم تقع في نطاق الأراضي المقدسة في فلسطين فقد عدها الصليبيون من أشرف المدن عندهم بعد بيت المقدس وأنطاكية والقسطنطينية، وفيرة الثروات ساعدات أمراء الرها على توسيع رقعتهم فامتدت إمارة الرها الواقعة على ضفتي نهر الفرات من راوندان وعين ثاب غرباً إلى مشارق ومن بهنسي وكيسوم شمالاً إلى منبج جنوباً () واكتسبت الرها أهمية بما تهيأ لها من حكام اتصفوا بالقوة والشجاعة واستطاعت الصمود في وجه المقاومة الإسلامية، على الرغم أن الرها كانت تعاني من نقطتين ضعف واضحتين أحدهما الحدود الطبيعية إذ لا توجد لها موانع طبيعية تحميها وتكسبها وقاية ومناعة وثانيها عدم وجود تجانس بين سكانها إذ كانوا خليطاً من المسيحيين الشرقيين " السريان والأرمن اليعاقبة " ومن الصليبيين الغربيين فضلاً عن المسلمين الذين تركزوا في مدن بكاملها كسروج والبيرة التي خضعت للصليبيين () ، ولم تقتصر أهمية الرها على الجانب الصليبي، بل كانت في نظر المسلمين من أهم المواقع التي يجب السيطرة عليها، فقد ذكر ابن الأثير مكانتها في بلاد الجزيرة بسبب موقعها بين الموصل وحلب، ووصفها بأنها من الديار الجزرية عينها ومن البلاد الإسلامية حصنها مما جعل القوى الإسلامية سواء في العراق أو الشام ترغب في السيطرة عليها ().





يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

38 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي: 8- جهاد أمير الموصل آق سُنقرُ البرسقي لإنقاذ حلب:


38

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:

8- جهاد أمير الموصل آق سُنقرُ البرسقي لإنقاذ حلب:

أ- حلب تتصدى للصليبيين:

تعرضت حلب لضغط الصليبيين وهجماتهم مراراً عديدة بدأت مع فجر الغزو الصليبي لبلاد الجزيرة والشام وكان أبرزها وأخطرها ولا ريب حصار عام 518ه وقد أدرك هؤلاء الغزاة الأهمية البالغة لهذه المدينة وما كانت تتمتع به من مركز استراتيجي حيوي من النواحي البشرية والعسكرية والسياسية والاقتصادية وخطوط المواصلات، فهي تقع في مركز وسط حصين بين إمارتين صليبيتين، هما: الرها شرقاً في الجزيرة الفراتية، وإنطاكية غرباً على البحر المتوسط في نفس الوقت الذي يمكنها الاتصال بالقوى الإسلامية التركمانية المنتشرة في الجزيرة والفرات الأناضول وشمالي الشام مما يعد أساساً حيوياً لاستمرار حركة الجهاد وتحقيق أهداف حاسمة ضد الصليبيين وفي المقابل فإن إسقاط حلب وضمها إلى الكيان الصليبي سوف يؤمن المواصلات بين الرها وإنطاكية، ويعجل إقامة وحدة سياسية وعسكرية بينهما، كانت ستلعب ولا شك دوراً خطيراً لصالح الغزاة () وإذ أدرك الحلبيون عدم جدوى بقاء حلب على هذه الأوضاع القلقة، وضرورة تسليمها لأمير قوي، لذلك أرسلوا إلى إيلغازي الأرتقي حاكم ديار بكر يطلبون منه القدوم لتسليمها إياه، فتقدم هذا إلى حلب عام 511ه، وتولَّى مقاليد الأمور فيها، وفرض سيطرته على المواقع التابعة لها، ولكن إنشغال الرجل بأمور ولايته في ديار بكر كان يضطره في كثير من الأحيان إلى الغياب عن حلب وإدارة ظهره لمشاكلها وكان الصليبيون يستغلون ذلك ويشددون هجماتهم على حلب والمناطق المحيطة بها، حتى إذا توفي الرجل في رمضان عام 516ه سعى الصليبيون لاستغلال الفرصة وانقسام إمارته بين أبنائه وانعزال حلب عن القوى المقاتلة في ديار بكر لتحقيق انتصارات سريعة في شمال الشام، ولكن ظهور ابن أخيه بلك بن بهرام وتوليَّه قيادة حركة الجهاد ضد الغزاة؛ قطع الطريق على هؤلاء، وأنقذ حلب من خطر محقق، غير أن مقتل بلك بعد سنتين من توليه الحكم وانتقاله إمارته إلى ابن عمه حسام الدين تمرتاش الذي تميز بالضعف والانهزامية، فتح الطريق ثانية أمام الصليبيين لكي يشددوا النكير على حلب ويحققوا حلمهم بالسيطرة عليها، ويصف المؤرخ ابن العديم كيف تدهورت الأوضاع في حلب إثر تولَّي تمرتاش الحكم، ويقول : فأما تمرتاش فإنه لما ملك حلب، ألهاه الصبا واللعب عن التثمير والجد والنظر في أمور الملك، ففسدت الأحوال وضعف أمر المسلمين بذلك () . وقد بدأ تمرتاش ولايته بإطلاق سراح بلدوين الثاني ملك بيت المقدس الذي كان بلك قد أسره في إحدى معاركه ضد الغزاة، وذلك لقاء مبلغ تافه من المال، وقد أطلقه تمرتاش من معتقله وأحضره إلى مجلس؛ فأكلا وتشاربا وخلع عليه تمرتاش قباءً ملكياً، وأعيد إليه الحصان الذي كان قد أخذه منه بلك يوم أسره (). ولم يلبث تمرتاش – بعدها – أن انسحب إلى ولايته في ديار بكر لكي يتبع سياسة انعزالية فلا يرمي بسهم ضد الغزاة وبهذا اتيحت لهؤلاء الفرصة – كرة أخرى – لتضييق الخناق على حلب والسعي لتحقيق هدفهم الذي عجزوا عنه في السنين السابقة، وهكذا شهدت حلب في عام 518ه حصاراً من أخطر ما تعرضت له في تاريخ الحروب الصليبية الطويل () .

ب- خيانة دبيس بن صدقة المزيدي أمير الحلة:

بدأت المحاولة لإسقاط حلب بخيانة تقدم بها أحد الأمراء العرب : دبيس بن صدقة المزيدي أمير الحلة الواقعة جنوبي بغداد، والهارب من وجه الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية بسبب استفزازه المستمر لهما وتآمره عليهما، قال للصليبيين بأن له أنصاراً في حلب، وأنهم متى رأوه على رؤوس المهاجمين سلموا إليه البلد ومما قاله للصليبين: إن أهلها شيعة وهم يميلون إلىّ لأجل المذهب، فمتى رأوني سلموا البلد إليّ، وبذل لهم على مساعدته بذولاً كثيرة () ووعد بلدوين أمير إنطاكية وجوسلين أمير الرها بأنه سيقدم لهما الكثير لقاء مساعدتهما له، وقال لهما: إنني أكون في حلب نائباً عنكم مطيعاً لكم (). وتمكن – أخيراً – من التوصل مع الصليبيين إلى اتفاق تكون حلب بموجبه له، أما الأموال فتكون لهم، فضلاً عن بعض المواقع القريبة من حلب () ، وتقدم بلدوين على رأس قواته ونزل على نهر قويق قريباً من حلب، وأفسد المناطق الزراعية المحيطة به، ثم رحل إلى حلب فنزل عليها في أواخر شعبان 518ه، وتقدم جوسلين أمير الرها بصحبة دبيس بن صدقة () – وكان دبيس شيعياً كآبائه - () صوب ناحية أخرى من أعمال حلب، وقاما بتدمير مزروعاتها، وقدرت الخسائر بما يقرب من مئة ألف دينار، ومن ثم رحلا ونزل مع بلدوين على حلب، واجتمع بهم هناك (خونة) آخرون من أجل تطميين مصالحهم واقتسام الغنائم في حالة سقوط حلب : سلطان شاه بن رضوان السلجوقي، عيسى بن سالم بن مالك العقيلي، ياغي سيان بن عبدالجبار الأرتقي .. وفرضوا جميعاً الحصار على حلب من شتى جهاتها (). ووطَّنوا أنفسهم على المقام الطويل، وأنهم لا يغادرونها حتى يملكوها، وبنوا البيوت لأجل البرد والحر () ، فضلاً عن ثلاثمائة من الخيام، بينما لم يكن في حلب يومها سوى خمسمائة فارس ().

ت- أعمال استفزازية صليبية ضد أهالي حلب:

بدأ الغزاة بشن هجماتهم الدورية على حلب، وقطعوا أشجارها، وأفسدوا بساتينها وزروعها في محاولة لتدمير اقتصادياتها التي تعتمد على الزراعة بالدرجة الأولى، كما قاموا بتخريب مشاهد المسلمين ونبشوا قبور موتاهم، وسلبوا أكفانهم، وجعلوا من توابيتهم أوعية يتناولون بها طعامهم وعمدوا إلى من لم تتقطع أوصاله منهم فربطوا في أرجلهم الحبال وسحبوهم أمام أنظار المسلمين المحاصرين في حلب، وجعلوا يصيحون: هذا نبيكم محمـد!! وأخذت جماعة منهم مصحفاً من المشاهد المحيطة بحلب وصاحوا : يا مسلمين أبصروا كتابكم !! ثم ثقبه أحدهم بيده ثم شده بخيطين وربطه بأسـفل برذون قريب فـراح هـذا يروث عليـه .. وكلما أبصر صاحبه الروث يتساقط على المصحف الشريف صفق بيديه وضحك عجباً وزهواً ().

ث- المقاومة الحلبية الشعيية:

لم يكتف الصليبيون بهذا بل راحوا يمثلون بكل من يقع بأيديهم من المسلمين، فاضطر هؤلاء إلى مجاراتهم بالمثل، وكان يقود المقاومة الإسلامية القاضي أبو الفضل بن الخشاب الذي كان قد تمّرس على أعمال الدفاع منذ بداية العقد، وكان يملك شعبية واسعة في حلب فأصدر أوامره بتوجيه ضربات مباشرة في قلب معسكرات الغزاة فكانت جماعة من مقاتلي حلب تخرج سراً لتغير على هذه المعسكرات، فتقتل وتأسر وتقفل عائدة من حيث أتت ... وفي الوقت نفسه كانت الرسل تتردد بين الطرفين للتوصل إلى اتفاق ولكن دون جدوى ().

ج- استنجاد أهالي حلب بأمير ديار بكر:

ضاق الأمر بالمسلمين في حلب واعتصرهم الإرهاق والجوع، فاتفق أميرهم بدر الدين الأرتقي وجماعة من كبار المسؤولين على إرسال وفد من زعماء حلب إلى ديار بكر للاستنجاد بأميرها حسام الدين تمرتاش وتسلَّل أعضاء الوفد الثلاثة ليلاً ومضوا إلى ماردين – قاعدة ديار بكر – ليستغيثوا بأميرها علَّه يولي اهتماماً لما تعانيه حلب من ويلات وعندما وصلوا إلى هناك كان حسام الدين منهمكاً في الاستيلاء على بلاد أخيه سليمان الذي كان توفي في تلك السنة، الأمر الذي دفعه إلى إهمال شؤون حلب وعدم الاستجابة لمطالب وفدها، وقد بقي أعضاء هذا الوفد فترة من الوقت في ماردين يحثون حسام الدين على التوجه إلى حلب لإنقاذها من الحصار، وهو يعدهم ويمنيهم ويماطلهم دون أن يقدم على أي إجراء فأعلموه أنهم لا يريدون سوى أن يصل بنفسه، والحلبيون يكفونه أمر الغزاة () إلا أن مساعيهم فشلت وفي نهاية المطاف تمكن الوفد الخلاص من مراقبة حسام الدين التي فرضها عليهم حتى لا يغادروا ماردين للاستنجاد بأمير آخر، خوفاً من ازدياد ضعف مركزه وفقدانه مدينة حلب، واستطاع الوفد الاتصال بوالي الموصل السلجوقي آق سنقر البرسقي ().

س- آق سنقر البرسقي واستجابته لاستغاثة أهل حلب:

 كان البرسقي حينذاك مريضاً، وكان الضعف قد بلغ منه مبلغاً عظيماً، فمنع الناس من الدخول عليه إلاَّ الأطباء ووصل إلى دبيس من أخبره بذلك، فأعلن البشائر في عسكره وارتفع عنده التكبير والتهليل، ونادى بعض أصحابه أهل حلب: قد مات من أملتم نصره؛ فكادت أنفس الحليبيين تزهق () ، وعندما استؤذن للوفد الحلبي بالدخول أذن البرسقي لهم، فدخلوا عليه واستغاثوا به وشرحوا له الأخطار التي تحيق بحلب ومدى الصعوبات التي يعانيها أهل المدينة، فأجابهم الرجل: إنكم ترون ما أنا الآن فيه من المرض، ولكني قد جعلت لله عليَّ نذراً لئن عافاني من مرضي هذا لأبذلن جهدي في أمركم والذي عن بلدكم وقتال أعدائكم ولم تمض ثلاثة أيام على مقابتله تلك حتى فارقته الحمى، وتماثل للشفاء، وسرعان ما ضرب خيمته بظاهر الموصل، ونادى قواته لأن تتأهب لقتال الصليبيين وإنقاذ حلب، وفي غضون أيام معدودات غدا جيشه على أهبة الاستعداد فغادر الموصل متجهاً إلى الرحبة، وأرسل من هناك إلى طغتكين أمير دمشق وخير خان أمير حمص يطلب منهما مساعدته في إنجاز مهمته، فلبى هذان الأميران دعوته وبعثا عساكرهما للانضمام إلى جيش البرسقي الذي كان قد تحرك آنذاك صوب بالس القريبة من حلب وأرسل من هناك إلى مسؤوليها وشرط عليهم – مسبقاً – تسليم قلعة حلب لنوابه لكي يحتمى بها في حالة انهزامه أمام الصليبيين فأجابوه إلى طلبه، وما أن استتب الأمر لؤلاء النواب وأطمأن الرجل إلى وجود حماية أمينة في حالة تراجعه، حتى بدأ زحفه صوب مواقع القوات الصليبية التي تطَّوف حلب (). وصلت قوات طلائع البرسقي حلب يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة من سنة 518ه وما أن اقترب البرسقي بقواته المنظمة حتى أسرع الصليبيون في التحول إلى منطقة أفضل من الناحية الدفاعية، فعسكروا في جبل جوشن على الطريق إلى إنطاكية، وهكذا غدوا في حالة الدفاع بعد أن كانوا مهاجمين، وخرج الحلبيون إلى خيامهم فنالوا منها ما أرادوا، بينما اتجه قسم آخر منهم لاستقبال البرسقي والاحتفاء به لدى وصوله، وقد أدرك الرجل ما يرمي إليه الصليبيون بانسحابهم واتخاذهم موقفاً دفاعياً، فلم يتسرع بمهاجمتهم قبل أن يعيد تنظيم قواته من جديد، خوفاً من نزول هزيمة فادحة بعساكره قد تعرض حلب للسقوط، وأرسل طلائعه الكشفية لرد القوات المتقَّدمة إلى معسكراتها في حلب وقال موضحاً خطته هذه : ما يؤمننا أن يرجعوا علينا ويهلك المسلمون؟ ولكن قد كفى الله شرهم، فلندخل إلى البلد ونقويه وننظر إلى مصالحه، ونجمع لهم إن شاء الله، ثم نخرج بعد ذلك إليهم. ومن ثم دخل البرسقي حلب، وبدأ بحل مشاكلها ورفع مستواها الاقتصادي والاجتماعي، فنشر العدل وأصدر مرسوماً برفع المكوس والمظالم المالية وإلغاء الصادرات وعمَّت عدالته الحلبيين جميعاً بعدما منوابه من الظلم والمصادرات وتحكم المتسلطين طيلة فترة الحصار الصليبي () ، ولم يكتف البرسقي بذلك، بل قام بنشاط واسع لجلب المؤن والغلال إلى المدينة كي يخفف من حدة الغلاء، ويقضي على الضائقة التي يعاينها الحلبيون، وما لبث النشاط الزراعي في منطقة حلب أن عاد إلى حالته الطبيعية، حيث استأنف المزارعون العمل في الأراضي التي شَّردوا عنها، كما عاد النشاط التجاري إلى سابق عهده اعتماداً على ما تمتعت به المنطقة من أمن واستقرار () ، وهكذا استطاع البرسقي أن يحكم الطوق الذي أحاط به الصليبيون حلب، وأن يخلصَّ هذا الموقع الهام من أخطر محنة جابهته طيلة الحروب الصليبية ويوحده مع الوصول لأول مرة منذ بدء هذه الحروب، الأمر الذي أتاح لهـذا القائد ولعماد الدين زنكي من بعده أن يفيد من هذه الوحدة لتحقيق انتصارات عديدة ضد الغزاة () يقول المؤرخ الإنكليزي المعاصر ستيفن رنسمان : ... سرعان ما غدت الإمارة التي شكلها البرسقي نواة لما قام بعدئذ بالشام من دولة إسلامية متحدة زمن الزنكيين والأيوبين والمماليك، ولم يكن الصليبيون الذين وحد بينهم نظام الملكية في بيت المقدس، يواجهون قبل ذلك سوى بلاد تنازعتها في الشام قوى عديدة وإقطاعات متفرقة زادت من ضعفها، وما حدث – إذن – من توحيد حلب مع الموصل يعتبر بدء توحيد الجبهة الإسلامية التي قدر لها أن تقضي في يوم من الأيام على قوة الصليبيين في الشام () . ونلاحظ حرص عامّة المسلمين على الاندماج في كيان إسلامي سني بغض النظر عن القيادة سواء كانت تركية أو عربية أو غيرها وإنما المهم من يقوم بواجب الدفاع عن الإسلام والمسلمين تحت راية أهل السنة.

ك- مقتل البرسقي:

 في سنة 520ه ثامن ذي القعدة، قتل قسيم الدولة آقسنقر البرسقي صاحب الموصل، بمدينة الموصل قتلته الباطنية يوم جمعة بالجامع وكان يصلى الجمعة مع العامة وكان قد رأى تلك الليلة في منامه أن عدة من الكلاب ثاروا به، فقتل بعضها، ونال منه الباقي ما أذاه فقص رؤياه على أصحابه، فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام فقال : لا أترك الجمعة لشيء أبداً، فغلبوا على رأيه، ومنعوه من قصد الجمعة، فعزم على ذلك، فأخذ المصحف يقرأ فيه، فأول مارأ " وكان أمر الله قدراً مقدوراً " (الأحزاب، آية : 38)، فركب إلى الجامع على عادته، وكان يصلي في الصف الأول، فوثب عليه بضعة عشر نفساً عدة الكلاب التي رآها، فجرحوه بالسكاكين، فخرج هو بيده منهم ثلاثة وقتل رحمه الله، وكان مملوكاً تركياً خيراً، يحب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله وكان من خير الولاة يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلى من الليل متهجداً ().

ن- الباطنية من أخطر معوقات حركة الجهاد :

أثبت الباطنية عداءهم الكامل لقادة الجهاد الإسلامي في ذلك العصر، وكأن خناجرهم المسمومة كانت تشق للصليبيين طريقاً نحو تثبيت أقدامهم في بلاد الشام والجزيرة على حساب المسلمين وهكذا أثبتت وقائع التاريخ كيف التقى قادة الجهـاد الإسلامي في ذلك العصر في بعض الأحيان – في الشهادة – فمن قبل اغتيل شرف الدين مودود، والآن نجد آق سنقر البرسقي يلقي نفس المصير، وقد عكس ذلك كله : أن مسلك الإسماعيلة النزارية في ذلك الحين كان من أخطر معوقات حركة الجهاد ضد الغزاة نظراً لوجود عدوين في وقت واحد أمام القيادات السنية على نحو عكس المشاق البالغة التي واجهت أولئك القادة () في الدفاع عن عقيدة الأمة ودينها وأعراضها وأوطانها.

هذا وإن كان أقسنقر البرسقي قد استشهد فإن قائمة المجاهدين عامرة ومتأهبة للقتال في سبيل الله، ففي ربيع الآخر من عام 521ه/1127م عهد السلطان محمود إمارة الموصل إلى عماد الدين زنكي وبظهوره على مسرح الأحداث بدأت صفحة جديدة في ميزان القوى بين المسلمين والصليبيين () ، وقد بدأ عماد الدين بتكوين جبهة إسلامية متحدة ضد الصليبيين فسيطر على القلاع القريبة منه مثل جزيرة ابن عمر ونصيبين وسنجار وبلاد الخابور وحران، ثم اتجه تفكيره بعد ذلك للاستيلاء على حلب، أكبر المراكز الإسلامية بشمال الشام، وواتته الفرصة عندما علم باضطراب الأحوال بها وتهديد كل من جوسلين الثاني صاحب الرها وبوهيمند الثاني صاحب أنطاكية لها، فسارع عماد الدين زنكي إليها فلقيه أهلها بالبشر ودخل البلد في يوم الاثنين 13 جمادي الأخرة سنة 522ه/يونيو 1128م() ، واستولى عليه ورتب أموره وأقطع أعماله الجنود والأمراء، ويؤكد ابن الأثير على أهمية هذا الفتح بقوله: ولولا أن الله تعلى مَن عـلى المسلمين بولاية الشهيد لكـن الفـرنج استولوا على جميعه ().




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

37 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي: 7- بلك بن بهرام بن أرتق:


37

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:

7- بلك بن بهرام بن أرتق:

بلك بن بهرام صاحب قلعة (خرتبرت) استلم راية الجهاد بعد عمه "إيليغازي – صاحب ماردين" كان خصماً عنيداً للصليبيين وكان يتطلع للقضاء عليهم لا في منطقة الجزيرة فقط بل وفي بلاد الشام وقد استهل أعماله العسكرية أثناء مرض عمه نجم الدين إيلغازي في رجب سنة 516ه/1122م بحصار الرها، ولكنه لم يستطيع النيل منها بعد فترة طويلة من الحصار، مما اضطره إلى الإنسحاب عنها، لذا رأى الصليبيون الذين بالرها أنه لابد من الاستعانة بجوسلين صاحب الأطماع الكثيرة وخصم المسلمين العنيد، الذي كان وقتذاك مع بلدوين ملك بيت المقدس بالبيرة مستغلين في ذلك تفرق عساكر بلك بن بهرام بن ارتق عقب عودته من الرها، إلا أن بلك بن بهرام استطاع أن ينصب لجوسلين ومن معه من الصليبيين كميناً عند سروج بأرض موحلة ومشبعة بمياه الأمطار فلم تتمكن خيولهم من الإسراع بسبب هذا الوحل، في الوقت الذي سلط عليهم بلك ورجاله الذين لا يتجاوز عددهم أربعمائة فارس وابلاً من السهام فلم يفلت منهم إلا القليل، وأسر جوسلين وابن خالته جاليران صاحب البيرة في سنة 516ه/1122م. وقد ترتب على هذا الانتصار الذي حققه بلك بن بهرام على الصليبيين ضياع قوة الصليبيين المعنوية في بلاد الشام وازدياد حماسة المسلمين وتطلعهم إلى الوثوب على الصليبيين من كل ناحية () ، وحاول بلك بن بهرام بن ارتق أن يحصل من جوسلين ومن معه من الصليبيين الذين وقعوا في الأسر على تنازل منهم على الرها، مقابل إطلاق سراحهم ولكنهم رفضوا قائلين: نحن والبلاد كالجمال، متى عقر جمل حول رحله إلى آخر والذي بأيدينا قد صار بيد غيرنا () عندها حمل بلك بن بهرام أسراه إلى قلعة خرتبرت ووكل بهم من يحرسهم وتوجه سنة 517ه/1123م إلى حصن كركر التابع لإمارة الرها بقصد الاستيلاء عليه() ، وأدرك بلدوين ملك بيت المقدس الذي أصبح وصياً على الرها مضافاً إلى وصايته على إنطاكية أن من واجبه التحرك لتخليص جوسلين من الأسر ومنع كركر من السقوط بيد بلك بن بهرام وافهام المسلمين بأن قوة الصليبين لا زالت قوية باطشة وخرج بلدوين على رأس جيشه حتى وصل عند الضفة الشرقية لنهر سنجه أحد روافد الفرات تجاه معسكر بلك بن بهرام الذي كان قد رفع الحصار عن كركر وعاد لمواجهة بلدوين الثاني ملك بيت المقدس، ودار القتال بين الطرفين في التاسع عشر من شهر صفر سنة 517ه/1123م، انهزم الصليبيون بالرغم من قلة قوات المسلمين، ولم تقف أهمية الوقعة عند حد انتصار بلك بن بهرام بل تعدته إلى أن بلدوين ملك بيت المقدس قد وقع في أسر بلك في بن بهرام بالإضافة إلى استيلائه على حصن كركر، وحمل بلك أسيره الجديد إلى خرتبرت وضمه إلى جوسلين ومن معه من زعماء الصليبيين وفرسانهم () . وهكذا خلت إمارات الصليبيين، الرها، وإنطاكية، ومملكة بيت المقدس من زعمائها الذابين عنها، مما أدى إلى اضطراب وضع الصليبيين في الجزيرة وبلاد الشام ولكن القوى الإسلامية في بلاد الشام لم تستطع وقتذاك أن تهتبل هذه الفرصة والانقضاض على إماراتهم والقضاء على شأفة الصليبيين ().

محاصرة الصليبيين لحلب:

أما بلك بن بهرام بن أرتق فإنه بعد أن جمع أسراه في قلعة خرتبرت توجه إلى حران للاستيلاء عليها في ربيع الأول من سنة 517ه/1123م، بهدف التقوي بها، فتم له ذلك وكان بلك بن بهرام يطمع في الاستيلاء على حلب من سليمان بن عبدالجبار عقب استيلائه على حران لأنه كان يدرك أهمية حلب الاستراتيجية، وأنه لن يحقق آية نتيجة حاسمة على الصليبيين مالم يضم حلب إلى إمارته كي تكون له قاعدة في بلاد الشام، يستطيع من خلالها التحرك في ميدان فسيح، وليتفرغ لقتال الصليبيين () ، لذلك فرض بلك بن بهرام على حلب الحصار حتى اضطر من بها إلى تسليمها إليه في صباح يوم الثلاثاء غرة جمادى الأولى سنة 517ه/1123م (). إلا أن بلك بن بهرام لم يستطع المضي قدماً في جهاد الصليبيين بالشام حيث وصله نبأ تمكن جوسلين من الفرار من الأسر بمعونة جماعة من الأرمن الذين كان بلك بن بهرام قد أحسن إليهم بخرتبرت، فعاد على وجه السرعة إلى خرتبرت في رجب من نفس السنة 517ه/1123م واستطاع إعادة الأمن بها ونقل الأسرى المتبقين فيها إلى حران بعد معاقبة الأرمن الذين كانوا بها () . وأما جوسلين صاحب الرها الذي هرب من الأسر فقد استطاع تكوين جيش من صليبيين بيت المقدس وإنطاكية، واتجه به صوب حلب وضيق على من بها من المسلمين، ولم يكتف بهذا، بل اقعد على نبش قبور الموتى من المسلمين في البلاد المحيطة بها وظل محاصراً لها حتى شهر رمضان من السنة نفسها 517ه/1123م ولما لم يستطع النيل منها عاد إلى تل باشر، على أن حلب لم تسلم من حصار الصليبيين بعد عودة جوسلين إلى تل باشر، بل تعرضت لحصار آخر من صليبي أنطاكية، أدى إلى قطع الصلة بينها وبين غيرها من البلاد الإسلامية في الشام، تلك البلاد التي كانت تزودها بالمؤن () ، وجد بلك بن بهرام بن أرتق إنه لابد من الاستعانة بآقسقر البرسقي صاحب الموصل وبظهير الدين طغتكين صاحب دمشق لرفع الظلم عن أهل حلب ولإنزال ضربة بالصليبيين يستطيع بعدها بلك بن بهرام العودة إلى حلب وإقرار الأوضاع بها، فوصل إليه سنة 517ه/1123م كل من صاحب الموصل آقسنقر البرسقي وصاحب دمشق طغتكين على رأس قواتهما يعبر بهم الفرات ونزلوا على عزاز، ولكن الصليبيين الذين كانوا قد تجمعوا بها تمكنوا من طرد المسلمين، فعاد كل منهم إلى بلده، ودخل بلك بن بهرام حلب في سنة 518ه/1124م وتخلص من بعض المناوئين له وقضى على فوضى قطاع الطرق، وتزوج بإحدى بنات رضوان بن تتشى لتويثق صلته بالسلاجقة، واتخذ من حلب عاصمة له من بلاد الشام، وقاعدة انطلاق لتوجيه الضربات ضد الصليبيين ولم يكتف بهذا بل نقل إليها أسراه من حران واعتقلهم في قلعة حلب ويبدو أن ما قام به بلك بن بهرام من نقل أسراه إلى حلب إنما كان من أجل الإطمئنان عليهم من أية محاولة لانقاذهم أثناء بعده عنهم، والدليل على ذلك أنه حين جهز فرقة عسكرية في صفر من سنة 518ه/1124م لقتال الصليبيين بعزاز، لم يخرج معهم خوفاً من أن يغدر به بعض سكان حلب المعارضين له ويطلقوا سراح أسراه ().
مقتل بلك بن بهرام: لم يمهل الأجل بلك بن بهرام وبينما كان يحاصر الفرنجة عند قلعة منيح وافته المنية بسهم طائش أصابه فقتله لا يدري من رماه، واضطرب عسكره، وتفرقوا وبمقتله فقد المسلمون فيه رجلاً عظيماً أثبتت أعماله إنه زعيم وقائد حاول جمع كلمة المسلمين في الشام والجزيرة ضد الصليبيين، ويمكن القول إنه بمقتل بلك بن بهرام سنة 518ه/1124م انتهت مرحلة قيادة الأراتقه لحركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين، على الرغم من أن حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي قد استطاع الاستيلاء على حلب عقب مقتل بلك بن بهرام إلا أن حلب لم تتمتع في أيامه بأوضاع مستقرة، بل فسدت أحوالها وضعف أمر المسلمين بها حيث، الهاه الصبى واللعب عن التشمير والجد والنظر في أمور الملك ولم يقف حسام الدين عند هذا الحد من الخمول وعدم المبالاة بجهاد الصليبيين، بل قبل وساطة أبي العساكر سلطان بن منقذ صاحب شيزر في إطلاق سراح بلدوين ملك بيت المقدس، الذي كان في أسر بلك بن بهرام () ، الأمر الذي أدى إلى ازدياد حماس الصليبيين في النيل من المسلمين، وهذا بالطبع كان له أثر كبير في تصدي الصليبيين بصلابة لحركة بعث فكرة الجهاد الإسلامي في المرحلة التالية التي قادها كل من آقسنقر البرسقي صاحب الموصل وظهير الدين صاحب دمشق ().




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

36 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي: 6- نجم الدين ايلغازي صاحب ماردين :


36

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:

6- نجم الدين ايلغازي صاحب ماردين :

ارتبطت حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين ارتباطا شديداً بزعماء الموصل الذين كانوا تحت طاعة السلاجقة وأدت وفاة السلطان محمد بن ملكشاة سنة 512ه/1117م إلى ازدياد تدهور أحوال السلاجقة في العراق، فسعى السلطان محمود بن محمد ملكشاه إلى استدعاء آقسنقر من الموصل لتوليته شحنكية بغداد () الأمر الذي أفقد الموصل مكانتها القيادية في بعث حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين مؤقتاً، وانتقال هذه القيادة إلى نجم الدين ايلغازي صاحب ماردين، واستهل ايلغازي أعماله بالاستيلاء على حلب سنة 511ه/1117م، لاهميتها بالنسبة لأية قيادة عسكرية وسياسية تسعى لمجابهة الصليبيين وذلك لما كانت تتمتع به مركز استراتيجي حيوي من النواحي البشرية والعسكرية والسياسية والاقتصادية، وكانت حلب تقع بين إمارتين صليبيتين هما الرها وأنطاكية، وفي نفس الوقت يمكنها الاتصال بالقوى الإسلامية التركمانية المنتشرة في منطقة الجزيرة. لذا كان الاستيلاء عليها بمثابة فتح الطريق لقيادة حركة الجهاد، وذلك ما حدث فعلاً بالنسبة لنجم الدين ايلغازي وابن أخيه بلك بن بهرام ومن بعدهما آقسنقر البرسقي وعماد الدين زنكي ونور الدين محمود فيما بعد () . وأما عن تفاصيل استيلاء نجم الدين ايلغازي على حلب سنة 511ه/1117م فقد تجدد بها من الحوادث ما أطمع الصليبيين في الاستيلاء عليها حيث بلغت حداً من الضعف والضائقة الاقتصادية مما أعجز أهلها عن تقديم القوت لدوابهم ولكن خوف أهلها من أنه تسقط بيد الصليبيين قد أجبرهم على استدعاء نجم الدين إيلغازي وتسليمه حلب في السنة المذكورة، واستهل إيلغازي أعماله بحلب بفرض سيطرته على بعض المواقع التابعة لها كبالنس، ومصادرة بعض رجال حلب للحصول منهم على مال يهادن به الصليبيين، فاستوجش منه أهل حلب وجندها – على حد قول ابن العديم – مما اضطره إلى مغادرتها إلى ماردين بعد أن استخلف على حلب ابنه حسام الدين تمرتاش واستغل الجند المقيمون في بالس موجة الغلاء التي مروا بها في نفس السنة 511ه/1117م، فأرسلوا إلى الصليبيين ليسلموها إليهم فاضطر إيلغازي إلى العودة على رأس قوة من التركمان إلى حلب، فلما شعر الصليبيون بالخطر، انسحبوا عنها فتسلمها إيلغازي للمرة الثانية، وعاد إلى ماردين بعد أن عقد معهم هدنة بعدم اعتداء أي منهما على ممتلكات الطرف الآخر().

نقض الصليبيين للهدنة: ولكن الصليبيين وجدوا الفرصة سانحة بعد خروج إيلغازي واغاروا على عزاز وشددوا لحصار عليها حتى اضطر من بها من المسلمين إلى التسليم، واضطر أهل حلب إلى مراسلة الصليبيين وطلبوا منهم التمسك بالهدنة التي كان قد عقدها معهم إيلغازي وأن يسلموهم أي أهل حلب تل هراق ويؤدون لهم القطيعة المقررة على حلب عن أربعة أشهر ومقدارها ألف دينار ويكون لهم من حلب شمالاً وغربا (). وغضب نجم الدين ايلغازي لما وصلت إليه أخبار حلب، ولكنه لم يستطع العودة إليها وانقاذها مما هي فيه لقلة عساكرها فاتجه إلى شرق منطقة الجزيرة بقصد جمع العساكر في الوقت الذي أبلغ فيه ظهير الدين طغتكين عن رغبته في الاجتماع به سنة 512ه/1118م واجتمعا على قلعة دوسر بهدف القيام بدفع الصليبيين عن حلب ولكن ذلك لم يتسير لهما، الأمر الذي دفع الصليبيين إلى أحكام السيطرة على مداخل حلب بعد أن استولوا على بزاغة فتردت الأحوال بحلب حتى بلغت حد التلف على حد قول ابن العديم () ، ولم يجد أهل حلب بدا من الاستعانة بالخلافة العباسية والدولة السلجوقية في بغداد، إلا أنهم لم يغاثوا نظراً لإنشغال السلاجقة بالمنازعات الأسرية فيما بينهم من جهة وضعف الخلافة العباسية من جهة أخرى.
إعلان النفير ضد الصليبيين: لم يتيسر لنجم الدين ايلغازي لقاء الصليبيين فقد فارق طغتكين وعاد إلى ماردين لجمع العساكر تمهيداً للعودة للجهاد والالتقاء مع الصليبيين في معركة حاسمة () وفي ماردين حشد نجم الدين ايلغازي ما يزيد على عشرين ألفا من التركمان () . بقصد قتال الصليبيين الذين ضيقوا على حلب حتى كادت أن تعدم القوت. وأرسل ايلغازي رسله إلى بغداد لإعلان النفير ضد الصليبيين وإعلام الخليفة العباسي المسترشد بالله والسلطان السلجوقي محمود بن محمد بن ملكشاه بما فعله الصليبيون بالديار الجزرية وإنهم ملكوا قلعة عند الرها وقتلوا صاحبها بن عطير () وكان نجم الدين ايلغازي قد تواعد مع ظهير الدين طغتكين في سنة 512ه/1118م على ملاقاة الصليبيين في شهر صفر من السنة التالية 513ه/1119م بالشام. وتوجه ايلغازي قبل الموعد المحدد إلى الرها وشدد عليها الحصار، مما اضطر من بها من الصليبيين إلى مصالحته لقاء تنازلهم عن الأسرى المسلمين الموجدين بها فأجابهم ايلغازي وشرط عليهم عدم التوجه لمساعدة أمير انطاكية في حالة حدوث قتل معه فأجابوه من عزل إحدى قوى الصليبيين عن مديد العون للقوى الأخرى وهذا دليل واضح على ضعف رضوخ الصليبيين في منطقة الجزيرة إلى مطالب الأمراء المسلمين().
معركة ساحة الدم: وبعد أن أطمأن ايلغازي إلى أنه لن يتعرض إلى طعنة الصليبيين من الخلف توجه إلى بلاد الشام وقد انضم إليه أسامة بن المبارك بن شبل الكلابي والأمير طغان أرسلان صاحب بدليس وارزن، وواصل سيره حتى بلغ قريباً من الاثارب بأرض سرمدا في ربيع الأول سنة 513ه/1119م وهناك انتظر وصول ظهير الدين طغتكين، وكان الصليبيون بقيادة روجر صاحب أنطاكية قد نزلوا بتل عقرين وشرعوا في بناء حصن لهم هناك ولم يدر بخلدهم أن نجم الدين ايلغازي سيباغتهم هناك لضيق الطريق، تم لتوهمهم أن المسلمين سينالون الإثارب أوزوردنا، حتى أن الغرور قد أصابهم لاعتقادهم بحصانة موقعهم، فأرسلوا إلى ايلغازي يقولون له: لا تتعب نفسك بالمسير إلينا فنحن واصلون إليك () . ولما طال انتظار ايلغازي لوصول حليفه، لبى رغبة الأمراء الذين كانوا معه في التعجيل بمباغتة الصليبيين، فما شعر الصليبيون إلا ورايات المسلمين قد اقبلوا وأحاطوا بهم من كل جانب، وذلك يوم الجمعة السادس عشر من ربيع الأول من السنة 513ه/1119م. وخرج قاضي حلب أبو الفضل بن الخشاب وخطب في المسلمين خطبة بليغة استنهض فيها عزائم المسلمين على الجهاد، فحمل المسلمون على الصليبيين حملة واحدة من جميع الجهات فكانت السهام على الصليبيين كالجراد في الوقت الذي أخذتهم السيوف من سائر نواحيهم، فلم يفلت منهم غير يسير بينما كان الباقون بين قتيل وجريح وكان ضمن القتلى روجر صاحب أنطاكية الذي كان قد تعجل لقاء المسلمين قبل وصول قوات بيت المقدس وطرابلس وغيرها ووقع في الأسر نيفا وسبعين من فرسان الصليبيين ومقدميهم، وجاولوا أن يفتدوا نفوسهم بمبلغ ثلاثمائة ألف دينار فلم يقبل منهم نجم الدين ايلغازي بل أمر بقتلهم جميعاً () ، وقد عرفت هذه الوقعة عند المؤرخين اللاتينيين، ومن نقل عنهم من المؤرخين المحدثين باسم ساحة الدم لكثرة ما قتل فيها من الصليبيين والتي لم يقتل فيها من المسلمين سوى العدد القليل ().
الابعاد التي حققها الانتصار على الصليبيين في معركة ساحة الدم: إن أهمية ما حل بالصليبيين لم يقف عند حد النصر العسكري الذي حققه نجم الدين ايلغازي عليهم، بل تعداه إلى أنه قد صاحب هذا النصر قيام جبهة إسلامية متحدة من الأمراء المسلمين في الشام والجزيرة إضافة إلى إنها جعلت حلب في منأى عن أخطار الصليبيين خصوصاً بعد استيلاء نجم الدين ايلغازي على حصن قريب من الإثارب في السنة نفسها فضلاً عن إنها كانت كارثة فادحة حرمت أنطاكية من زعيمها روجر وجيثها مما جعل السريان والأرمن بأنطاكية يتشككون في موقعهم إلى جانب الصليبيين وهـذا على ما يبدو ما دفعهم إلى التآمر للخاص من الصليبيين الغربيين فيما بعد ()، وذكر ابن العديم أن نجم الدين ايلغازي نزل بعد انتهاء المعركة إلى خيمة روجر ليسلم إليه المسلمون الغنائم التي حصلوا عليها ولكنه رد جميع الغنائم إلى المقاتلين ولم يأخذ منهم إلا سلاحاً يهديه لملوك الإسلام ليبعث في نفوسهم حب الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين () واستطاع ايلغازي أن يحقق سلسلة من الانتصارات في شمال الشام هيأت للمسلمين جوا من الهدوء والاستقرار. فقد استطاع المسلمون أن يلحقوا بالنجدة الصليبية التي أتت بزعامة بلدوين ملك بيت المقدس لنجدة روجر صاحب إنطاكية هزيمة ساحقة () ، ولم يكتف نجم الدين ايلغازي بهذا بل اجتمع في ارتاح بحليفه طغتكين واتفقا على مهاجمة الإثارب وزردنا، فاستطاعا الاستيلاء عليهما من الصليبيين، ثم سار ايلغازي إلى دانيت بنفر قليل من المسلمين والتقى ببلدوين ملك بيت المقدس وروبرت صاحب زردنا ودارت بين الطرفين معركة في جمادى الأولى من السنة 513ه/1119م أسفرت عن انتصار نجم الدين ايلغازي وهزيمة الصليبيين الذين احتموا بحصن هاب بعد مطاردة نجم الدين لهم (). ثم عاد نجم الدين ايلغازي إلى حلب بينما التقى رجاله في طريق عودتهم بصاحب زردنا روبرت الأبرص وبصحبته قوة من الصليبيين، فهاجمتهم قوة ايلغازي مما اضطر من سلم من الصليبيين إلى العودة إلى حصن هاب، في الوقت الذي وقع فيه الابرص اسيراً في أيدي المسلمين فحملوه إلى ايلغازي بحلب، وأنفذه بدوره إلى طغتكين بدمشق حيث قتله صبراً () ، وفي أواخر جمادى الأولى سنة 513ه/1119م غادر ايلغازي حلب إلى ماردين بسبب الضائقة المالية التي مر بها إضافة إلى أن حلب كانت من الضعف بحيث جعلته لا يستطيع البقاء فيها ().
حصار إنطاكية وعقد الهدنة مع ملك بيت الملك: وبالرغم من انشغال نجم الدين ايلغازي ببعض الأمور الإدارية في ماردين، فقد جمع جيشاً من التركمان عبر بهم الفرات إلى بلاد الشام في سنة 514ه/1120م واجتمع بطغتكين وسارا إلى أنطاكية حيث ضرب عليها حصاراً، فلم يتمكنا منها، فد خلا إلى قنسرين، وحاصراها يوماً وليلة، ولم ينالا منها شيئاً، وعندها أشار ظهير الدين طغتكين على صاحبه برفع الحصار عنها وأن يعود كل منهما إلى بلده، فقبل نجم الدين ايلغازي مشورة صاحبه، وعاد إلى حلب بعد أن أدرك ما عليه الصليبيون من القوة، وتفرق عساكره من التركمان واضطر ايلغازي إلى عقد هدنة مع ملك بيت المقدس بلدوين الثاني على أن يكون للصليبيين المعرة وكفر طاب والبارة وضياع من جبل السماق، وعلى أن يكون أمد هذه الهدنة نهاية السنة ().
نقض الهدنة: لم يتقيد الصليبيون بهذه المعاهدة، فقد أغار جوسلين صاحب تل باشر في السنة نفسها 514ه/1120م على بعض البلاد التابعة لحلب، مما اضطر أهل حلب إلى إرسال احتجاج شديد اللهجة إلى بلدوين الثاني ملك بيت المقدس يخبرونه فيه باعتداءات جوسلين على المسلمين، ولكنه رد عليهم بقوله: مالي على جوسلين يد () . ولم يقف الصليبيون عند هذا الحد بل أغار الصليبيون بأنطاكية على بلد شيزر وأسروا جماعة من المسلمين وطالبوا أمير شيزر العربي أبو العسـاكر سـلطان بن منقذ ببعض المطالـب التعسفية مما اضطره إلى مصالحتهم على مال يدفعه إليهم () . وبالإضافة إلى ذلك فقد استغل الصليبيون فرصة خلو حلب من ايلغازي فشنوا في صفر من سنة 515ه/1121م هجوماً على الإثارب واحرقوا ما بها من الدور والغلال وسار بلدوين الثاني وأغاز على حلب نفسها، وفرض عليها حصاراً شديداً أدى إلى وقوع خمسين أسيراً من أهلها في يده ونجح الحلبيون في استنقاذ اخوانهم وأجبروه على التراجع عنها إلى أنطاكية () وعلى ما يبدو فإن نجم الدين ايلغازي قد اضطر إلى البقاء في ماردين بعض الوقت مما دعاه إلى مراسلة ولده سليمان بن ايلغازي النائب عنه في حلب يأمره بعقد صلح مع الصليبيين، حصل الصليبييون بموجبه على سرمين وبلدة ليلون وبعض الجهات الزراعية المحيطة بحلب، والإثارب ().
تمرد سليمان بن ايلغازي على أبيه: وعلى الرغم من أن الصلح الذي عقده سليمان بن ايلغازي مع الصليبيين لم يكن في صالح المسلمين، فإن سليمان بن ايلغازي لم يسع إلى علاج ما استجد بحلب من الفوضى والاضطراب، بل أعلن عصيانه على والده وأعلن استقلاله بحلب، وقد شجعت هذه الخطوة من قِبل سليمان بن ايلغازي الصليبيين على مضايقة حلب والاستيلاء على بعض المواقع المحيطة بها في جمادى الآخرة من سنة 515ه/1121م، ومطالبة صاحبها سليمان بالتنازل عن الإثارب لبلدوين الثاني ملك بيت المقدس، ولكن سكان الإثارب من المسلمين رفضوا الخضوع للصليبيين الأمر الذي أجبر بلدوين على التراجع إلى إنطاكية ومنها إلى بيت المقدس ().

القضاء على التمرد: وأما نجم الدين ايلغازي، فإنه ما أن سمع بعصيان ابنه بحلب حتى قدم إليها على وجه السرعة، فعاقب من كان وارء عصيان ابنه، فلما رأى سليمان باعوانه من عقاب شديد خاف على نفسه وهرب إلى دمشق وطلب من صاحبها طغتكين حق اللجوء، ولما تم لايلغازي القضاء على الفتنة بحلب استناب بها ابن أخيه بدر الدولة سليمان بن عبدالجبار بن أرتق، وعقد هدنة جديدة مع الصليبيين لمدة سنة كاملة، وكان هدف ايلغازي من عقد تلك الهدنة مع الصليبيين هو كسب الوقت حتى يتمكن من العودة إلى ديار بكر وحشد ما يمكن حشده من قوات ليعيد الكرة على الصليبيين، إضافة إلى خوفه من قيام الصليبيين بغارة على حلب فلا يستطيع ابن أخيه صدهم () ، وفي ماردين استطاع نجم الدين ايلغازي أن يحشد أكبر عدد من التركمان ثم سار بهم إلى بلاد الشام في شهر ربيع الآخر سنة 516ه/1122م، مستغلاً في ذلك الشقاق الذي حصل بين بلدوين ملك بيت المقدس ويونز صاحب طرابلس، ولكن نجم الدين ايلغازي لم يستطيع أن يحقق نصراً حاسماً على الصليبيين، وبالرغم من انضمام بلك بن بهرام بن أرتق وظهير الدين طغتكين إلى جانبه غير أنه لم يمكن الصليبيين بأن يمدوا نفوذهم وسيطرتهم على حلب () .
وفاة ايلغازي وأثر ذلك على المسلمين: في شهر رمضان من سنة 516ه/1122م أحس ايلغازي بتدهور صحته فعاد إلى ميا فارقين حيث وافته منيته هناك، وبقدر ما كانت وفاة نجم الدين ايلغازي خسارة فادحة للمسلمين في بلاد الشام والجزيرة عامة فإن المصيبة كانت أعظم على أهل حلب الذين عظمت عليهم وفاته، لأن نجم الدين ايلغازي كان قد قطع أمل زعماء الصليبيين في الاستيلاء عليها، ولم تقف أهمية وفاة نجم الدين إيلغازي إلى هذا الحد، بل أدت إلى أن إمارته قد تفككت وقسمت بين أولاده حسام الدين تمرتاش الذي حصل على ماردين، وابنه سليمان الذي حصل على ميا فارقين، بينما بقيت حلب من نصيب ابن أخيه سليمان بن عبدالجبار بن أرتق، واحتفظ بلك بن بهرام بن ارتق بقلعة خرتبرت وضم إليهم حران فيما بعد () ، ويضاف إلى ذلك أن حلب التي كانت تعتمد على عساكر التركمان الذين كان يحشدهم ايلغازي من شمال الجزيرة قد افتقرت هذا العنصر البشري الذي رجح كفة المسلمين على الصليبيين في عهد إيلغازي مما جعلها عرضة لغارات الصليبيين، وضعف مركز صاحبها سليمان عبدالجبار بن أرتق عن دفع الصليبيين الذين استغلوا وفاة نجم الدين وأغاروا بقيادة بلدوين الثاني ملك بيت المقدس على بزاعة وبالس على نهر الفرات، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل استطاع الملك الصليبي الاستيلاء على قلعة البيرة، حتى أصبحت حلب محاطة بالصليبيين من جميع الجهات، مما حتم على سليمان بن عبدالجبـار أن يعقد مع الصليبيين صلحاً سنة 517ه/1123م تنازل بموجبه لهم عن حصن الأثارب ().




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

35 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي: 5- شرف الدولة مودود بن التونتكين 501ه - 507ه/1108م – 1113م :


35

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:

5- شرف الدولة مودود بن التونتكين 501ه - 507ه/1108م – 1113م :

يحتل مودود مكانة خاصة في تاريخ الجهاد ضد الصليبيين، وقد أسهمت في تكوين هذه المكانة عوامل عدة أهمها – ولا ريب – الفترة المبكرة التي ظهر فيها، والطابع الإسلامي العميق لشخصيته المتفانية في سبيل أهـداف المسلمين الكبرى، وسـياسته الداخلية العادلة السمحة وقدرته – بنـاء على ذلك كله – على تزعُّم حركة الجهاد وإيجاد نوع من التنسيق، ربما لأول مّرة، بين كافة القوى الإسلامية في ساحات الجهاد، الأمر الذي لن نجده متبلوراً وناضجاً إلاَّ في عهد الأراتقة وزنكي فيما بعد.. وأخيراً نجاحه في وضع الصليبيين في موضع الدفاع، وتحقيقه عدداً من الانتصارات، جاء أحدها عند مرتفعات طبرية في قلب فلسطين، بعيداً عن الساحة التي درج عليها الصراع بين ولاة الموصـل السابقين وأعدائهم .. ثم جاء مقتله السريع، إثر ذلك، في جامع دمشق على أيدي الشيعة الباطنية الأعداء الشرسين لحركة الجهاد والمقاومة، والحزن العميق الذي شمل جماهير المسلمين بعيد اغتياله والكلمات المخلصة التي قالها قبيل استشهاده جاء ذلك كله لكي يؤكد مكانة مودود الإسلامية كبطل من أبطال الحروب الصليبية ورائد من رواد الجهاد الأولين ().

أ- حملة مودود الأولى ضد الرها: في عام 503ه/1109م بعد أشهر قليلة من استتباب الأمر له في الموصل وبعد أن تلقَّى أمراً من السلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه بالتحرك لقتال الصليبيين فبدأ مودود بتشكيل تحالف إسلامي ضم الأمير إيلغازي الأرتقي أمير ما ردين بعساكره من التركمان، وسقمان القطبي أمير أرمينية المعروف باسم شاه الأرمن وعدد كبير من المتطوعيين (). وكانت هذه أول مرة يجتمع فيها هذا العدد من الأمراء المسلمين لقتال الصليبيين، ولهذا تُعُّد هذه الحملة فاتحة عهد جديد من النضال ضد الصليبيين، ونقطة تحول هامة من التفرق والتخاذل إلى التجمع والهجوم () ، وما إن علم الصليبيون في الرها بحشود المسلمين حتى أنفذ بلدوين دي بورج رسولاً إلى بيت المقدس يلتمس النجدة العاجلة من الملك بلدوين، متجاهلاً الاستعانة بـ "تانكرد" صاحب أنطاكية، إذ كان يشك في نواياه، وباتفاقه مع المسلمين ضد الرها وكان الملك بلدوين آنذاك يحاصر مدينة بيروت، ولم يتحرك إلا بعد أن استولى عليها، فأسرع بالمسير نحو الشمال، وصحبه برترام أمير طرابلس، وانضم إليه قرب سميساط، بعض زعماء الأرمن وعلى رأسهم كوغ باسيل، فوصل إلى الرها في آخر شهر ذي الحجة/أواخر شهر تمور، وظل الأتابك مودود يحاصر الرها مدة شهرين دون أن يتمكّن من اختراق استحكاماتها، فلما تراءى له جيش بيت المقدس، رفع الحصار عنها وتراجع إلى حّران وفق خطة عسكرية محكمة، وانضم إليه طغتكين أتابك دمشق () ، وقّرر الملك بلدوين مطاردة الجيوش الإسلامية، إلا أنه كان عليه أن يوحَّد كلمة الصليبيين قبل أن يقوم بهذا العمل، فاستدعى تانكْرد صاحب أنطاكية، ونجح في تحقيق المصالحة بينه وبين أمير الرها () ، وكان مودود قد أمعن في إنسحابه لاستدراج الصليبيين إلى مكان بعيد عن قاعدتهم، ثم تطويقهم بعد أن ينحرف فجأة إلى الشمال لكن عملية المطاردة توقفت فجأة، وانفرط عقد التحالف الصليبي، لأنه تظافرت عدة دوافع جعلت الصليبيين يتوقفون عن المطاردة ويتراجعون من المنطقة لعل من أهمها:
- لقد تلقّى الملك بلدوين تحذيراً مبكراً بخطة مودود، ففكّ الحصار عن قلعة شناو التي تقع إلى الشمال الغربي من حّران، كما تلقّى إنذاراً من بيت المقدس بتحرك فاطمي ضد بيروت، فقَّرر التخليَّ عن الحملة ().
- راجت شائعات في الأوساط الصليبية، بأن رضوان صاحب حلب يستعد لمهاجمة أنطاكية في ظل غياب أميرها، فاضطر تانكرد إلى التخلي عن الحملة.
- وبناء على نصيحة الملك، بأن لا جدوى من محاولة حماية الجهات الواقعة شرقي نهر الفرات، أوعز بلدوين إلى السكان بالجلاء إلى الجهات الواقعة على الضفة اليمنى، واحتفظ بحاميات عسكرية، في حصن الرها وسروج الكبيرين، وبعض القلاع الصغيرة، مع تدعيم الإمكانات الدفاعية لها. أما مودود فقد اكتفى بمهاجمة مؤخرة الصليبيين العابرين وعاد إلى الموصل ().

ب- حملة مودود الثانية ضد الرها: جاءت الجولة الثانية بعد أقل من سنتين، إثر الاستنفار الذي دعا إليه وفد من أهالي حلب قدم إلى بغداد للدعوة إلى الجهاد، بعدما رأوا من تمادي رضوان في إذعانه للصليبيين، والهزائم المتتالية التي مُنِيٍَ بها مسلمو الشام والتي سقط على إثرها عدد من المواقع بأيدي الأعداء وقد استفز نداء الوفد الحلبي جماهير بغداد وفقهاءها، فقاموا بتظاهرة واسعة طالبوا المسؤولين خلالهان خلفاء وسلاطين بضرورة إعلان الجهاد وتسيير الجيوش لوقف الزحف الصليبي، .. وقد أسرع الخليفة بإعلام السلطان السلجوقي بما جرى، وطلب منه الاهتمام بالأمر والإسراع بالاستجابة لنداءات المسلمين، فأصدر هذا أوامره على الفور إلى وإليه على الموصل الأمير مودود بتشكيل تحالف إسلامي جديد جاعلاً القيادة الأسمية لابنه الملك مسعود () ، واجتمع تحت قيادة مودود، حاكم الموصل، جميع حكام الأقاليم في دولة السلاجقة، سقمان القبطي صاحب خلاط ()، وتبريز () ، وبعض ديار بكر، وإيلغازي الأرتقي الذي أناب عنه ابنه أياز، والأميران الكرديان أحمديل صاحب مراغة () ، وأبو الهيجاء صاحب إربل، فضلاً عن بعض أمراء فارس بزعامة الأميرين أيلنكي وزنكي التي بُرسُق أمير همذان () بدأت قوات التحالف عملياتها العسكرية في شهر محرم عام 505ه شهر تموز عام 1111م بفتح عدة مواقع صليبية شرقي الفرات ثم اتجه أفرادها لحصار الرها، أثارت الحملة الذعر بين السكان، لكن في الحقيقة لم تغيَّر الموقف فيها، فقد أعيت المسلمين بسبب مناعتها وصمود أهلها، عندئذ رأى مودود أن يعبر الفرات لمهاجمة تل باشر () ، فتحولت قوات المسلمين إليها كي يجرّوا أعداءهم إلى عبور الفرات فيتمكنوا منهم إلا أن هذا كان خطأ من قادة المسلمين، لأن الصليبيين تمكنوا لدى عبورهم الفرات من نقل مقادير كبيرة من الميرة والأعتدة والأقوات إلى الرها فقويت من بعد ضعف كاد يوقعها بأيدي المسلمين لو استمروا على حصارهم لها (). وما لبث جوسلين صاحب تل باشر، الذي تعرض لضغط القوات الإسلامية، أن تمكن من رشوة القائد الكردي أحمديل الذي كان الجزء الأكبر من قوات المسلمين بمعيته فانسحب متراجعاً بالرغم من معارضة سائر الأمراء (). ولم يمض وقت طويل حتى استنجد رضوان بمودود واستدعى قواته للقدوم إلى حلب كي يعملوا سوية من هناك ضد المواقع الصليبية، فغادر مردود تل باشر متجهةً إلى حلب على رأس قواته، وما أن ابتعدوا عن تل باشر حتى خرج إليهم جوسلين، على رأس قوة من فرسانه، وتمكن من مهاجمة مؤخرتهم، وقتل ما يقرب من ألف رجل منهم، وعاد إلى بلده مثقلاً بالغنائم ولم تكن دعوة رضوان لمودود صادقة، فلم تكد القوات الإسلامية تقترب من حلب حتى أقفل رضوان بوجهها الأبواب، واتخذ من إجراءات الحيطة لمنع المظاهرات أن أمر باعتقال عدد كبير من أعيان المدينة واتخذهم رهائن ولم يسع مودود إلا أن يتحّرك بجيشه جنوباً إلى شيزر بعد أن أغار على عدد من المواقع الصليبية في الشمال وفي شيزر اجتمع به طغتكين الذي كان قد توجه إلى بغداد طالباً المساعدة لاستعادة طرابلس، إلا أنه خاف أن تؤخذ منه دمشق فشرع في مهادنة الصليبيين سراً وأما تانكرد الذي عسكر أمام شيزر فإنه تراجع إلى أفامية، وأرسل إلى الملك بلدوين يستنجد به، فاستجاب له هذا وبعث إلى سائر الفرسان في الشرق الصليبي ليلحقوا به فانضم إليه عدد كبير منهم، كما قام تانكرد باستدعاء أتباعه من سائر جهات إنطاكية. وأما مودود فقد تحصن خلف أسوار شيزر قبل أن يكتمل حشد الصليبيين الذين بلغ عددهم نحو ستة عشر ألف مقاتل كان على رأسهم ملك بيت المقدس، وأمراء الرها وإنطاكية وطرابلس، ورفض مودود أن يجَّروه أعداؤه إلى معركة حاسمة. إلا أن الأمور لم تجر على نحو طيب في جيشه، إذ إن طغتكين لم يشأ أن يبذل له المساعدة إلاَّ بعد أن تعهد مودود بالمضي في حملته إلى الجنوب لقتال الصليبيين في فلسطين رغم خطورة هذه المحاولة من الناحية العسكرية وأما برسق الكردي فأصابه المرض وأراد أن يعود إلى بلاده، ومات سقمان القطبي فجأة فانسحبت عساكره صوب الشمال حاملة جثمانه، وبادر أحمديل إلى الإنسحاب بعساكره محاولاً انتزاع جانب من ممتلكات سقمان ولم يعد يوسع مودود القيام بالهجوم نظراً لتناقض قواته يوماً بعد يوم كما أنه لم يكن راغباً في أن يقضي الشتاء بعيداً عن الموصل، فقفل عائداً إليها (). كان لتلك البوادر السيئة من قبل بعض الأمراء أثرها المباشر على إمكان تحقيق أي نصر حاسم ضد الصليبيين، كذلك الذي حققه جكرمش وسقمان في معركة البليخ. وقد أظهرت هذه الأحداث مدى تفكُّك القيادات الإسلامية وعدم وحدتها، في الوقت الذي تجمعت فيه القوى الصليبية في شمالي الشام وجنوبه، وحققت لبلدوين ملك بيت المقدس نوعاً من الزعامة على سائر أمراء الصليبيين ().
كانت سياسة رضوان في إمارة حلب شراً كلها، فقد هادن الإسماعيلية والصليبيين، وحالفهم ضد خصومهم من المسلمين، إذ انضم إلى صاحب أنطاكية الصليبي ضد صاحب الموصل جاولي عام 501ه وعندما هاجم الأمير مودود صاحب الموصل أنطاكية وتل باشرن رفض رضوان مساعدته وأغلق مدينة حلب في وجهه بل تحالف مع "تنكرد" الصليبي صاحب أنطاكية ضد المجاهدين، وبقيت أبواب المدينة مغلقة سبع عشرة ليلة في وجه الجيش الإسلامي () ، ولم يحفظ له الصليبيون هذه المواقف فحاصروا حلب عام 504ه واشتد الحصار، حتى أكل الناس الميتات وورق الشجر، وفرضوا على رضوان مبلغاً من المال كان يحمله إليهم سنوياً ()، وحصل الإسماعيلية الباطنية الرافضية على مكانة مرموقة في حلب، بفضل تشيع رضوان لأرائهم، ومساعدته لهم، ومن ثم صار يستخدمهم في اغتيال خصومه السياسيين () ، وكان يميل إلى الفاطميين، فخطب للمستعلي في بلاده، ولوزيره الأفضل، ودامت الخطبة لها عامين في حلب وكان دميم السيرة، قّرب الباطنية، وعمل لهم دار دعوة في حلب فكثروا وهلك سنة 507ه () ، وصفه المؤرخ أبو المحاسن فقال: كان شحيحاً بخيلاً قبيح السيرة، ليس في قلبه رحمة للرعية، وكانت الفرنج تغير وتسبي ... ولا يخرج إليهم () ، خلفه ابنه ألب أرسلان المعروف بالأخرس، فنكب الإسماعيلية وقتل زعيمهم أبا طاهر الصائغ، وبقية زعماء تلك الطائفة.

ج- حملة مودود الثالثة ضد الرها: ومع أن مودوداً وجد نفسه وحيداً في حركة الجهاد إلا أنه قام في شهر ذي القعدة 505ه/شهر أيار 1112م، بمهاجمة الرها فجأة، وحاصرها لكن المدينة صمدت في وجه الحصار، فرأى عندئذ أن يترك حولها قوة عسكرية ويهاجم سروج في شهر محرم عام 506ه/شهر تموز عام 1112م بوصفها المعقل الثاني للصليبيين شرقي الفرات. وبهذه الخطة العسكرية يكون مودود قد قسَّم قواته أضعفها متخلياً عن حذره في مواجهة الصليبيين، وكانت النتيجة أن لحق به جوسلين صاحب تل باشر وهزمه وقتل عدداً كبيراً من رجاله، فلم يسعه عند ذلك إلا التراجع نحو الرها، لكن جوسلين سبقه إليها لمساعدة بلدوين دي بورج في الدفاع عنها، وفي الوقت الذي كانت تدور فيه هذه الأحداث، تآمر الأرمن في الرها ضد بلدوين، واتصلوا بمودود ليخلصَّهم من حكم الصليبيين، وجرى الاتفاق على أن يساعدوه في الاستيلاء على قلعة تسيطر على القطاع الشرقي من المدينة، مما يمكنّه بعد ذلك من الاستيلاء على بقية المدينة بسهولة، لكن وصول جوسلين السريع حال دون تنفيذ الاتفاق ورُدَّ المسلمون على أعقابهم، فلم يتمكنوا مـن انتزاع المدينة مـن أيـدي الصليبيين ().

س- حملة مودود ضد إمارة بيت المقدس : معركة الصنبرة () : ظل مودود متمسكاً بفكرة جهاد الصليبيين، وهي المهمة التي عهد إليه بها السلطان محمد السلجوقي، بوصفه ممثله في إقليم الجزيرة وبلاد الشام، فتحرك في مطلع عام 507ه/شهر حزيران عام 1113م على رأس تحالف إسلامي لقتال الصليبيين في بيت المقدس بناءً على استنجاد طغتكين أتابك دمشق به، بعد أن تعرضت إمارته لهجمات شديدة من صليبي بيت المقدس، الذين نفذوا من وادي التيم إلى البقاع، ووصلوا إلى بعلبك، انضم : تميرك صاحب سـنجار، وأيـاز بن إيلغازي أمير ماردين إلى هذا التحالف () وكان هدف المسلمين منقطة فلسطين. فنجحوا في استدراج الملك بلدوين إلى أراضي دمشق حتى جسر الصنبرة، الواقع في المجرى الأعلى لنهر الأردن وفي الثالث عشر من شهر محرم حدث اللقاء الذي انتهى بانتصار المسلمين، ونزلت بالصليبيين هزيمة ساحقة، فارتد ملك بيت المقدس إلى طبرية () ، ولم يلبث أن وصل لنجدته روجر أمير أنطاكية، وبونز أمير طرابلس، في حين لم يستطع أمير الرها الحضور لأن إمارته كانت بحاجة إلى حماية دائمة () ، ومضى المسلمون في زحفهم، بعد المعركة، حتى بلغوا طبرية، غير أنهم لم يغامروا بمواجهة التحالف الصليبي، وبخاصة أنه دخل فصل الشتاء، فقرروا الإنسحاب إلى دمشق (). وكان ذلك أول مرة تتعاون الموصل ودمشق في حرب الصليبيين في مملكة بيت المقدس وتكمن أهمية الأتابك مودود في أنه : أعاد للمسلمين الثقة بأنفسهم، فتحولوا من الدفاع إلى الهجوم في علاقاتهم مع الصليبيين وبلور فكرة الاتحاد بين المسلمين، وأعطاها بُعداً سياسياً وعسكريا، فأضحى أمراؤهم على استعداد للتعاون المثمر بنوايا صادقة ().

ر- مقتل مودود : سيَّر مودود وحليفه رسولاً إلى السلطان السلجوقي في أصفهان يبشرانه بما تمّ على أيديهما من فتح وبعثوا مع الرسول بعض ما غنموه، وعدداً من أسرى الفرنج ورؤوسهم إلا أن بعُد المسلمين عن بلادهم، وإنقطاع الإمداد والتموين عنهم، واشتداد البرد عليهم، واضطرهم إلى وقف عملياتهم في المنطقة والعودة إلى دمشق في الحادي والعشرين من ربيع الأول على أمل الرجوع ثانية لقتال الصليبيين عن حلول الربيع، وبعد أن يتلقى مودود جواب السلطان على رسالته، والتعليمات التي سيصدرها لهذا الصدد () ودخل جامع دمشق يوم الجمعة في ربيع الأول، ليصلي فيه، وطغتكين، فلما فرغوا من الصلاة وخرج إلى صحن الجامع ويده في يد طغتكين، وثب عليه باطني فضربه فجرحه أربع جراحات وقتل الباطني، وأخذ رأسه، فلم يعرفه أحد فأحرق، وكان مودود صائماً، فحمل إلى دار طغتكين، واجتهد به ليفطر فلم يفعل وقال: لا لقيت الله إلا صائماً، فمات من يومه رحمه الله () ، وتأثر المسلمون لمصرع بطل من كبار أبطال الجهاد، واشتهر بإخلاصه وتفانيه وجرأته، وحزنوا حزناً عميقاً لاختفائه السريع، بعد الانتصار العظيم الذي حققه مع حليفه في قلب البلاد الصليبية، وقد عبرت جماهير دمشق عن حزنها وغضبها، حيث شهدت المدينة اضطرابا لم تشهد له مثيلاً منذ فترات بعيدة، ولم يهدئ من روع الناس سوى أملهم بنجاة القائد من الجـراح التي أثخنته، لكنهم ما أن سمعوا نبأ استشهاده بعد ساعات قلائل، حتى عادوا – ثانية – إلى ما كانوا عليه () ، وكتب ملك الفرنج في بيت المقدس كتاباً إلى طغتكين جاء فيه : إن أمة قتلت عميدها، يوم عيدها، في بيت معبودها، لحقيق على الله أن يبيدها () !! غير أن ملك الفرنج وغيره من أمراء الصليبيين تجاهلوا أو تعمدو التجاهل آنذاك، إن ما هو أكثر عونالهم وأشد خطراً على كل محاولة إسلامية لقتالهم، ليست هي الأمة التي ظنوا أنها قتلت عميـدها في بيت معبودها. فقد عرفنا موقف هذه الأمة من مقتل بطلها المجاهد، إنما هي تلك الفرقة الباطنية الرافضية الحاقدة – التي قامت على مذهب جديد، شديد الميل إلى التدمير كان قد أنشأة في بلاد فارس، شخص يدعى الحسن بن الصباح وقد تحدثنا عنه وقد دعمته الدولة الفاطمية الرافضية الباطنية ولم تكن كراهية الحشاشين هؤلاء للمسيحيين تزيد على بغضهم للمسلمين السنيين () ، وما نشاهده اليوم خير دليل على ذلك.

ك- ما ترتب على حملات بطل الإسلام مودود من نتائج:
وعلى الرغم من الإخفاق الذي حل بحملات بطل الإسلام مودود إلا أنها تمخضت عن عدد من النتائج المهمة في مسار تاريخ حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين، ويمكن إجمالها في الآتي:

إن إمارة مودود – على قصر مدتها – تعد نقطة تحول في تاريخ الصراع الإسلامي – الصليبي خلال تلك المرحلة المبكرة، فقد صارت فكرة الجهاد حقيقة واقعة () ، ووجدت فارسها المخلص الذي حمل لواءها ما يقرب من نصف المدة التي تولى فيها أمر إمارة الموصل ().
يمكن اعتبار حملات مودود مقدمة لحملات عماد الدين زنكي مع عدم إغفال الفارق الزمني في صورة الثلاثة عقود الفاصلة بين إنجاز كل منهما والتي أدت إلى سقوط إمارة الرها الصليبية عام 1144م/539ه حيث أن مودود وجه حملاته الأولى إلى الرها وتل باشر، وعمل على إرهاق أهلها على نحو نصفه بأنه المقدمة الأولى لجهود زنكي ضدها، على اعتبار أن قافلة الجهاد متصلة قائداً من بعد قائد.
كشفت حملات مودود عن الضعف الذي كانت عليه القوى الإسلامية في بلاد الشام والجزيرة وعدم إخلاص بعضها لقضية الجهاد ضد الغزاة الصليبيين ().

وعلى الرغم من الدور الرائد الذي قام به مودود؛ إلا أننا نجد البعض يرى أن عماد الدين زنكي هو الذي وضع أساس حركة الجهاد ضد الصليبيين () ، وفي هذا أجحاف بدور تلك القيادة السلجوقية وواقع الأمر: أن المؤرخين الذين أرخوا لتلك المرحلة من تاريخ الصراع الإسلامي الصليبي انبهروا بحجم الإنجاز الكبير الذي قام به عماد الدين زنكي من حيث إسقاط أول إمارة صليبية أقيمت في المنطقة، فتصوروا أن المراحل السابقة عليه ليست قيمة كبيرة على الرغم من أنها كانت الممهدة الحقيقية لإنجاز عام 1144م/539ه ولا نغفل أيضاً أن الدعاية السياسية الناجحة والفعالة التي قدمها المؤرخ العراقي الفذ ابن الأثير من خلال كتابه الباهر لمؤسس البيت الزنكي قد جعلت المؤرخين يتأثرون بها بصورة أو بأخرى، على نحو جعل سقوط عماد الدين زنكي في مثل ذلك – الموقف – من حيث تقويم دورهم التاريخي، ويكفي مودود فخراً أنه نجح في ضرب الوجود الصليبي في الجليل، وهي منطقة لم تصل إليها فعاليات المسلمين منذ قرابة عقدين من الزمان، ويكفيه أنه الحق الهزيمة بمؤسس مملكة بيت المقدس الصليبي، ونستطيع أن نصل إلى رؤية محددة من خلال أن قادة الجهاد الإسلامي كل يكمل الآخر، ولاخصومه بينهم، وما قام به مودود أفاد – فيما بعد – القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي، ولذا فبالإمكان القول، اليوم الصنبرة وغداً حطين؛ وهذا ما اثبته السياق العام لتاريخ تلك المنطقة في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي ()  وعلى أية حال عند مقارنة جهد مودود بسابقيه في صورة كربوغا، وجكرمش، وجاولي سقاوة سيتضح لنا أنها أدوار متدرجة ومتصارعة، فكربوغا انحصر أمره في نجدة إنطاكية وجكرمش زاد الأمر من خلال تحالفه مع سقمان بن أرتق على نحو أدى إلى الانتصار في معركة حران 498ه/1104م أما مودود فإن دوره أكثر تعاظماً على نحو أدى إلى هزيمة الصليبيين في معركة الصنبرة عام 507ه/1113م، وهو أمر يثبت لنا أنه خلال نحو تسعة أعوام فقط تم الحاق هزيمتين كبيرتين بالصليبيين، غير أن العقبة القائمة تمثلت في عدم الإفادة من كل من الانتصارين في اجتياح مناطق الأعداء، وتحقيق انتصار سريع خاطف يصعب على الصليبيين تعويض خسائرهم من جرانه غير أن بقايا ظاهرة التشرذم السياسي، والتباغض بين القيادات الإسلامية كان عائقاً دون تحقيق ذلك ().



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

34 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى: رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي: 4-جاولي سقاوة :


34

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الأول:الحملات الصليبية التي سبقت قيام الدولة الأيوبية

المبحث الثالث:بدء الحرب الصليبية الأولى:

رابعاً:قادة الجهاد من السلاجقة قبل عماد الدين زنكي:

4-جاولي سقاوة :

بعد وفاة قلج أرسلان وغرقه في نهر الخابور عام 500ه/1107م، أضحى بوسع جولي أن يدخل الموصل، غير أن ما أقترن به حكمه من الوحشية لم يلبث أن جعله مكروهاً عند الناس كما أنه لم يزد عن جكرمش فيما أظهره من الاعتراف بسلطة السلطان محمد على الرغم من أنه خطب باسمه في الموصل () ، إذ أعلن استقلاله وقطع كل صلة به، مما دفع السلطان محمد لأن يعهد في شهر ذي القعدة عام 501ه/شهر حزيران عام 1108م إلى أحد رجاله، وهو مودود بن التونتكين بطرد جاولي من الموصل والحلول مكانه في حكمها () ، وهكذا اضطر جاولي إلى الفرار محَّدداً من الموصل، وذهب إلى الجزيرة حيث التفَّ حوله جميع أعداء الدولة السلجوقية وعلى رأسهم قبيلة بني مزيد العربية، كما لم يتردد في محالفة القوى الصليبية المجاورة، فأطلق سراح بلدوين الثاني دي بورج أمير الرها، وعقد معه تحالفاً ضد السلاجقة () . ودخل مودود الموصل وسط ترحيب السكان في شهر صفر عام 502ه/شهر أيلول عام 1108().




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ